من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
التاج البَلَطيّ النحويّ أبو الفتح عثمان بن عيسى بن منصور
ذكَرَ أنَّ أصلَ من بلدةٍ يقال لها بلَط، ومولده في بني مايدة بالمَوصل لِثلاثٍ بَقِينَ مِن شهر رمضان سنة أربعٍ وعشرين وخمسمائة. وانتقل إلى الشام وأقام بدمشق برهةً من عمره يتردَّد إلى الزَّبداني للتعليم، وكان مقيماً بها في صَوْنٍ مُقيم، ولمّا فُتحَت مِصر انتقل إليها وحَظِي، وأعتبه دهرُه ورضي، ورتَّب الملك الناصر صلاح الدين له على جامع مصر كلَّ شهر جارياً، ليكون للنحو بها مُقْرِياً، وللعلم قارياً، وكنت لقيته بدمشق فلمّا وصلتُ إلى مصر اجتمعتُ به واستنشدته من شعره فأنشدني من قصيدةٍ له وذلك في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين:
حكَّمْتُه ظالماً في مُهجَتي فسَطاوكان ذلك جهلاً شُبتُه بخَطا
هلاّ تجنَّبْتُهُ، والظُّلمُ شيمتُهولا أُسامُ به خَسْفاً ولا شَطَطا
ومَن أضَلُّ هدىً مِمَّن رأى لهَباًفخاض فيه وألقى نفسَه وسَطا
وَيلاهُ من تائهٍ أفعاله صَلَفٌمُلَوَّنٍ كلّما أرضيتُه سَخِطا
أَبثُّه ولَهي صِدقاً، ويكْذِبنيوعْداً وأُقسِطُ عَدلاً كلّما قَسَطا
وأنشدني له من قصيدة:
أبثُكما ما ضِقْتُ عن حَمْله فحْصافقد عمَّ بالجسم السَّقام وقد خصَّا
ومِن دون كِتمان الصبابة مُهجةٌتذوب على من ليس يرحمُني حِرصا
رشاً فاق بدرَ الأُفق حسناً وأَشبه الْقضيبَ قَواماً مُذْ حكى رِدْفُه الدِّعْصا
وذَكر أن للقاضي الفاضل عنده يداً، وقد أسدى إليه عارفةً وندى، وبلغ به في الكرامة إلى غاية ليس لها مدى، قال: فعملت فيه عند عَوده من الشام وقومه قطعةً أوّلها: قدمتَ خيرَ قُدومِ ومنها:
أفديك من قادمٍ لميزل عليَّ كريمِ
به تباعدَ بؤسيعنّي ووافى نعيمي
لله عبدٌ رحيمٌيُدعى بعبد الرحيم
على صِراطٍ سَوِيٍّمن الهدى مُستقيمِ
يُنمى إلى شرفٍ فيذُرى المَعالي صَميم
مُهذَّبٌ حاز ما شئت من تقىً وعلوم
مُسهَّد الطَّرف يتلوآيَ القرآن العظيم
ومن أهاجيه قوله في أمراء الزّبداني بني سرايا:
مَن أحَبَّ الهَوانَ لا يتعدَّى الدّهرَ سُكْناهُ بين آل سرايا
ما أَعَدُّوا لِنازِلٍ بهمُ شيئاً سوى اجَبْهِ بالخَنا والرَّزايا
شيَمٌ بالقبيح مُكتسياتٌومن الخير والجميل عَرايا
وله من قطعةٍ:
لم أكن عارفاً لِذُلٍّ ولكنصِرتُ جاراً لكم فأعْدَيتُموني
ومن أطبع ماله قوله في طبيبٍ هو ابن عمّشه:
ليَ ابن عمٍِّ حوى الجَهالةَ للْحِكْمَةِ أَضْحى يَطِبُّ في البلد
قد اكْتفى مُذْ نَشا به ملك الْمَوْتِ فما إن يُبقي على أحَدِ
تَجُسُّ يدَ المريض منه يدٌأسْلَمُ منها براثِنُ الأَسَدِ
يقول لي النّاسُ: خَلِّه عَضُداًفقلت: يا ليتني بلا عَضُدِ
وأنشدني له بالقاهرة وقد زارني:
دَعوهُ على ضعفي يجورُ ويَشْتَطُّفما بيَدي حَلٌّ لِذاكَ ولا رَبْطُ
ولا تعتِبوه فالعتابُ يزيدُهمَلالاً وأَنّى لي اصْطِبارٌ إذا يَسْطو
فما الوَعظُ فيه والعتابُ بِنافعٍوإن يَشْرُطِ الإحسانَ لا ينفَعِ الشَّرْطُ
ولمّا تولّى مُعرِضاً بجنابهوبانَ لنا منه المَساءة والسُّخْط
بكيْتُ دَماً لو كان ينفعني البُكاومزَّقْتُ ثوب الصَّبر لو نفع العَطُّ
تنازعَتِ الآرامُ والدُّرُّ والمَهاله شَبَهاً والغصنُ والبدرُ والسِّقْطُ
فللرِّيم منه اللَّحْظُ واللَّونُ والطُّلىوللدُرِّ منه الثَّغْرُ واللفظُ والخَطُّ
وللغصن منه القدُّ، والبدرُ وجهُهُوعينُ المَها عينٌ بها أبداً يسطو
وللسِّقْطِ منه رِدْفُهُ فإذا مشىبدا خلفَه كالموجِ يعلو وينحَطُّ
وأنشدني أيضاً لنفسه في غلامٍ أعرج:
أنا يا مُشْتكي القَزَلْمِنكَ في قلبيَ الشُّعَلْ
أصبح الجسم ناحِلاًبكَ والقلبُ مُشتغِلْ
دُلَّني قد عَدِمْتُ صَبْري وضاقتْ بيَ الحِيَلْ
آنَ أَنْ تَجفو الجَفاءَ وأنْ تَمْلَلَ المَلَلْ
وأنشدني لنفسه في مدح المولى الأجلّ الفاضل بمصر مُوَشَّحةً مُوَشَّعةً، مُستملحة، مُبدعة، سلك بها طريق المغارب، وأتى بها بالبدائع والغرائب، وهي:
وَيْلاهُ مِن رَوّاغْ بجَوره يقضيظَبيُ بَني يَزداذ منه الجَفا حظِّي
قد زاد وِسواسيمُذْ زاد في التِّيه
لمْ يَلْقَ في النّاسِما أنا لاقيهِ
من قيّمِ قاسيبالهجر يُغريه
أَرومُ إيناسيبهِ ويَثنيهِ
إذا وِصالٌ ساغْ بقرْبِه يُرْضيأَبعده الأُستاذ لا حِيطَ بالحِفْظِ
وكلّ ذا الوَجدِبِطول إيراقِهْ
مُضَرَّجُ الخَدِّمن دم عُشَّاقِه
مَصارعُ الأُسْدِفي لَحْظِ أحداقِهْ
لو كان ذا وُدِّرَقَّ لمُشتاقهْ
شَيطانُه النَّزَّاغْ علَّمه بُغضيواستحوَذَ اسْتِحواذْ بقلبه الفَظِّ
دَعْ ذِكرَه واذْكُرْخُلاصَةَ المَجْدِ
الفاضِلَ الأشهَرْبالعِلم والزُّهدِ
والطَّاهِرَ المِئزَرْوالصادِقَ الوَعْدِ
وكيف لا أشْكُرْمولىً له عِندي
نُعمى لها إسْباغْ صائنةٌ عِرضيمن كفِّ كاسٍ غاذ والدَّهر ذو عَظِّ
مِنَّةُ مُسْتَبْقِضاقَ بها ذَرعي
قد أفحمَتْ نُطقيواستنفدتْ وُسعي
وملَّكَتْ رِقِّيلمُكْمِلِ الصُّنْعِ
دافع عن رزقيفي موطن الدَّفع
لمّا سعى إيتاغْ دهريَ في دَحضيأنقذني إنقاذ مَنْ هَمُّه حِفظي
ذو المنطق الصَّائبْفي حومةِ الفصْلِ
ذكاؤه الثّاقِبْيَجِلُّ عن مِثْلِ
فهو الفتى الغالبْكلَّ ذَوي النُّبْلِ
مَنْ عَمْرو والصّاحِبْومَن أبو الفضلِ
لا يستوي الأَفراغْ بواحِد الأرضأين من الأزاذ نُفايَةَ المَظِّ
يا أَيُّها الصَّدْرُفُتَّ الورى وَصفا
قد مَسَّني الضُّرُّوالحالُ ما تخفى
وعبدُك الدَّهرُيَسُومني خَسفا
وليس لي عُذْرُما دُمْتَ لي كَهْفا
مِن صَرفِ دَهرٍ طاغْ أَنَّى له أُغْضيمَنْ بكَ أَمْسى عاذْ لم يَخْشَ من بَهْظِ
قد كنتُ ذا إنفاقأيّامَ مَيسوري
فَعِيلَ لمّا ضاقْرِزقيَ، تدبيري
والعُسْرُ بي قد حاقْعَقيبَ تَبذير
يا قاسِمَ الأَرزاقْفارْثِ لِتَقتيري
لا زِلْتَ كهْفَ الباغْ ودُمْتَ في خَفْضِأمرُكَ للإنْفاذ والسَّعدُ في لَظِّ
قد حافظ على حروف الغين والضاد والذال والظّاء وتكلَّف لها وما قصَّر فيها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع