تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الفقيه الإمام شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون

ومن نعوته حجّة الإسلام، مفتي العراق والشام، وهو شيخ العلم العلاّمة، وبفتياه توطَّدت للشرع الدَّعامة، وله الفخار والفخامة، وليس في عصرنا مَن أتقن مذهب الشافعيّ ﵁ مثلُه، وقد أشرق في الآفاق فضله، وصنَّف في المذهب تصانيف مفيدة، قواعدها في العلم مَهيدة، مَولدُه بالمَوصل، المُحرَّم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتولّى قاضي القضاة بدمشق وجميع الممالك الملكية النّاصريّة بالشام سنة اثنتين وسبعين بعد وفاة كمال الدين الشهرزوري، وله ثمانون سنة. وكم مهَّد للشريعة سنّة حسنة، لقيتُه بالمَوصل سنة اثنتين وأربعين وهو مدرِّس المدرسة الأتابكيّة، وبالشام سنة اثنتين وستين بحلب وهو مدرِّس المدرسة النُّوريّة، وكان نور الدين ﵀ وجئت في صحبته إلى حلب في سنة ثلاث وستين في زمان الشتاء الكالح، والبرد الفادح، والقَرّ النّافح، كتبت إلى الشيخ ابن أبي عصرون أبياتاً منها:

أيا شرف الدّين إنَّ الشتاءبكافاته كفّ آفاته

فكتب إليَّ في الجواب والده متّع ببقائه عبد الله: لا زال عماد الدين لكلِّ صالحةٍ عِمادا، وتأمَّلْتُ رقعته الكريمة، بل الدُّرَّة اليتيمة، فملأَتِ العينَ قُرَّةً، والقلبَ مسرَّةً، وسكَّنَتْ نافِرَ شوقي إلى لقائه، واستيحاشي لتأَخّره، وفهمت ما نظمه، وأعربتُ ما أَعجَمَه:

إذا جا الشتاءُ وأمطارُهُعن الخير حابسةٌ مانعَهْ
وكافاته الستّ أَعطيتَهاوحاشاكَ من كافه الرَّابِعَهْ
وكفّ المهابة والإحتشاملِكفيَّ عن بِرِّه مانِعَهْ
وهِمَّة كلِّ كريم النِّجارِبمَيسورِ أحبابه قانِعَهْ
ونفسيَ في بسط عذري لديهجعلتُ الفداءَ لهُ، طامِعَهْ
وشوقي إلى قربه زائدٌومعذرتي إن جفا واسِعَهْ

ولرأْيِه في تأَمُّلِها الرِّفعة إن شاء الله.

وحضرت عنده بعد ذلك وقرأْتُ من مصنّفاته المذهبيّة عليه، واستفدتُ منه، وأخذت عنه، وما اتَّفق لي استِملاءُ شيءٍ من نظمه، لصَرف هِمَّتي إلى استفادة ما سوى ذلك من علمه، فإنَّ زمانه أعزّ، وإحسانه لعِطف الطالب أهزّ، فاستغنيتُ عن التماس شِعره بما أنشدنيه الفقيه الشّهاب محمد بن يوسف الغزنويّ ممّا استملاه منه، فمن جملة ذلك أنه كتب إليه في الفتاوى:

أيا تاجَ الأئمَّة والمُرَجّىلكشف المشكلات من الأُمور
إذا ما الدارُ سهمٌ ضاق فيهامعَ الإفراز من نفعٍ يسير
وباقيها فسهم ليس يخلومع الإفراز من نفعٍ كبيرِ
فإنْ نبِعِ الكثير فهل مكانٌلشُفْعَة ذلك الجزء الحقير
وهل تجري ولا إجبار فيهامع الحمّام والبير الصغيرِ

فأجاب ارتجالاً:

وثقتُ بخالقي في كل أمريومالي غير ربّي من ظهير
أرى الشِّقص الذي لا نفعَ فيهكبيرٍ أو كَحمّامٍ صغير
وفي الكلِّ الخِلافُ وإنّ رَأْيِيلَيَثْبِتُ شُفعةَ السَّهم الحقير
وتُرْهِقُه المَضَرَّةُ حين باعوافما غير التَّشَفُّعِ من مُجير

وسُئل أيضاً:

إذا ما البيعُ كان بغير عَقْدٍوقد سَكَنَ التّراضي في القلوبِ
فهل من مَأْتَمٍ يُخشى إذا ماأعاد الخلقَ علاّمُ الغيوبِ
أَجب عمّا سُئِلتَ أُتيتَ أجراًمن الرحمنِ كشّافِ الكروبِ

فأجاب عنه ارتجالاً:

إذا وُجِدَ التّراضي في القلوبِولا لفظٌ لداعٍ أو مُجيبِ
فلا بَيْعٌ ولا يُخشى قَصاصٌعليهِ عند عَلاّم الغُيوبِ
فخُذْ هذا الجوابَ عن ارتجالٍتنالُ به مُرادك عن قريبِ
ثوابَ الله أرجو في جوابيوحسبي بالمُهَيْمِنِ من مُثيبِ
لعبد الله ناظِمها ذنوبٌوعفوُ اللهِ مَحّاء الذنوبِ

ومن ذلك قوله:

كلُّ جمعٍ إلى الشَّتاتِ يصيرُأيُّ صَفوٍ ما شابَهُ تكديرُ
أنت في اللَّهوِ والأماني مُقيموالمنايا في كلِّ وقتٍ تسيرُ
والذي غَرَّهُ بلوغ الأمانيبسَرابٍ وخُلَّبٍ مَغرورُ
ويكِ يا نفسُ أخلصي إنَّ ربيبالذي أخفتِ الصدورُ بصيرُ

وقوله:

أُؤَمِّلُ وَصْلاً من حبيبٍ وإننيعلى كَمَدٍ عمّا قليلٍ أُفارقهْ
تَجارى بنا خيلُ الحِمام كأنّمايُسابقُني نحو الرَّدى وأُسابقهْ
فيا ليتنا مُتْنا معاً ثم لم يَذُقْمَرارةَ فَقدي لا ولا أنا ذائقهْ

وقوله:

يا سائلي كيف حالي بعد فُرقتِهحاشاكَ ممّا بقلبي من تنائيكا
قد أقسمَ الدَّمْعُ لا يجفو الجفون أسىًوالنوم لا زارها حتى أُلاقيكا

وقوله:

أَمُسْتخبري عن حنيني إليهِوعن زفراتي وفَرطِ اشتياقي
لكَ الخيرُ إنّ بقلبي إليكظَماً لا يُرَوّيه غيرُ التلاقي

وقوله:

وما الدهرُ إلاّ ما مضى وهو فائتٌوما سوف يَأْتِي وهو غير مُحَصَّلِ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «وما الدهر إلا ما مضى فهو فائت»
وعيشُكَ فيما أنتَ فيهِ وإنّهزمانُ الفتى من مُجْمَلٍ ومُفَصَّلِ

وقوله:

أُؤَمِّلُ أنْ أحيا وفي كل ساعةٍتمرُّ بيَ الموتى تَهُزُّ نُعوشُها
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
وهل أنا إلاّ مثلُهم غير أنّ ليبقايا ليالٍ في الزمان أعيشُها
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

وقوله:

كنتَ إذ كنتَ عَديمالِيَ خِلاًّ ونَديما
ثم أثريتَ وأعرضْتَ ولم تَرْعَ قديما

ردّك الله إلى ودّيَ مَدْيُوناً غريما

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.