من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أَقضى القضاة محيي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله
الشهرزوري
قاضي حلب، هو ابن كمال الدين المحيي، كريم المحيا، قسيم المُحيّا، عديم المِثل، عظيم المحلّ، زاكي الأَصل، نامي الفضل، إنسان عين الشهرزوريّة، وواسطة قِلادتها، ورابطة سعادتها، ولَيْثُ خِيسِها، وأَسد عِرِّيسها، ومُشتري سعدِها، ومشتري حمدها، وعُطارد عطائها، وقمر سمائها، وشمس أوجها، ونجمُ بُرجِها، طَوْد الحِلم، وخِضَمّ العلم، وقُسّ الفصاحة، وقيس الحَصافة، وبحر السّماحة، وعمرو الحماسة، ما رأيت أكرم طبعاً منه، ولا أعدى نفعا، ولا أجدى جَدا، ولا أندى يدا، ولا أنبل قدراً، ولا أنبه ذِكراً، ولا أَورى زَنْداً في الجود، ولا أروى وِرداً للوفود، علمه حالٍ بالعفاف، وفضله كامل الأوصاف، وذكاؤه ذكاء أفق التوفيق، وسَهم فهمه سَديد المَرْمَى صائب التَّفويق، له النَّظم الرّائق، والنَّثر المُوافق، واللفظ السهل، والمعنى البِكر، هو قِرْني، وفي سِنّي، مولده سنة تسع عشرة وخمسمائة سنة مولدي، ومَورده في طلب العلم موردي، اجتمعنا ببغداد في المدرسة النّظاميّة سنة ست وثلاثين شريكين في الفقه موسومين بالإعزاز، عند شيخنا ابن الرزَّاز، ثم فرَّق بيننا الدهر إلى أن وافقته في الحجِّ سنة ثمان وأربعين، فلقيت منه الأخ المعين، ثم لم ألقه إلاّ سنة اثنتين وستّين، عند حصولي بالشام، لعوادي الأيّام، فانتظمت في سلك خدمة نور الدين إلى آخر أيّامه، وهو مقيمٌ على قضائه وإعلاء أَعلامه، وإحكام أَحكامه، لازِمين داره بحاضر حلب شهراً بعد وفاة نور الدين، سنة سبعين، فراقتني خلائقه، وأطربتني شمائله، وهزَّتني فواضله، وأنشدني له شِعراً كثيراً لم أُثبت منه إلاّ ما أَوردتُه، وهو من قصيدة يتشوَّق فيها إلى دمشق:
يا نسيمَ الصَّبا العليل تحمَّلحاجةً للمتيَّم المُستهام
عُجْ على النَّيربَيْنِ فالسَّهم فالمِزَّةِ مسترسلاً بغير احتشام
ثم عرِّجْ من بيت لِهْيا على مَقْرى فَسَطْرا من قبل سَجْع الحَمام
وتعثَّر بكلِّ روضٍ أَنيقٍضاحكِ الزَّهر من بُكاء الغمام
وتحمَّل رَيّا البنفسج والنَّرجِسِ والضَّيمَرانِ والنَّمام
والخُزامَى والأُقحوان وأَنفاسَ الغواني معاً ونَشر المُدام
وتتبَّع مساحِبَ المِرْطِ مِنْ لَمْياءَ واقصد مواقع الأقدام
وتأَرَّجْ بالمَندَل الرَّطب من مَسْقَط تلك الأذيال والأَكمام
ثمَّ قبِّل ثرى دمشق وبلِّغساكنيها تحيَّتي وسلامي
وتحدَّث عن لوعتي بلسان الْحالِ إن لم يكن لسان الكلام
صِفْ لهم دمعيَ الطليق وقلبي الْمُوثَقِ الأسر من غريم الغرام
وبكائي على الليالي التي نِلْتُ الأَماني فيهنَّ والأَيّام
حيث شَملي بكم جميعاً ودمعينازحٌ عن وساوس اللُّوَّام
وعِناني في قبضة اللَّهو لا يثْنيه لاحٍ عن شوطه وزِمامي
ورمتْنا يدُ الزَّمان بقوسِ الْغَدر من جُعبة النّوى بسهام
فكأنّا بعد التَّفرُّق كنّامن عوادي الأيّام في أحلام
وقوله أملاه عليَّ أيضاً:
أَيُّها المغرور بالدُّنْيا تَيَقَّن بالزَّوال
وتأهب لِمَسيرٍعن ذَراها وانتقال
كيف تغترُّ من الآمالِ بالوعد المُحال
والذي تثبتُه الآمالُ تمحوه اللَّيالي
إنَّما حَظُّكَ إنْ فكَّرتَ منها في المآل
مثل حظِّ العاشق المهجور من طيف الخيال
وله جيميَّةٌ أوَّلها:
خليليَّ قد غنّى الحَمامُ وهزَّجاوأسملَ جِلبابُ الظَّلام وأَنهجا
وله:
ولمّا أن بلِيتُ بناس سوءٍسُرورُ نفوسِهم حُزني وهَمِّي
فمِن خِلٍَّ يُراوِحُني بخَلٍّومِن عَمٍّ يغاديني بغَمِّ
أَنِسْتُ بوَحدتي ولزمت بيتيبقصدي واختياري لا برغمي
ولولا العارُ ما عجَّزْتُ نفسيولا قصَّرت عنهم باع عزمي
ولكنّي إذا كَرُّوا بجهلٍعليَّ إذن لقيتُهمُ بحِلم
وله:
لا تحسبوا أني امتنعتُ من البُكاعند الوداع تجلُّداً وتصبُّرا
لكنَّني زوَّدت عيني نظرةًوالدَّمع يمنع لحظَها أن ينظُرا
إن كان ما فاضتْ فقد أَلْزَمْتُهاصِلَةَ السُّهاد وسِمتُها هَجر الكرى
وله:
أَحبابنا سِرتم بروحي وهليبقى بغير الرُّوح جثمانُ
أَوحشتُمُ الدُّنيا لعيني فمايَحلى بإنسانيَ إنسانُ
أحبابنا ما الدّارُ من بعدكمْدارٌ ولا الأوطان أَوطان
ليس عجيباً جزَعٌ إنَّما الْعجيبُ أن أبقى وقد بانوا
لو فارقوا الجنَّةَ معْ حُسنِهاماتَ من الوَحشة رِضوانُ
وله يودِّع بعض إخوانه:
أَيُّها الرّاحلُ الذي ليس يُرجىلِهواه عن رَبعِ قلبي رحيلُ
إن تبدَّلت بي سوايَ فإنّيليس لي ما حييتُ عنك بديلُ
ليَ أُذن حتى أُناجيك صمّاءُ وطَرفٌ حتّى أراكَ كليلُ
وله من قطعةٍ:
جاد لي في الرُّقاد وهْناً بوَصلٍأنشطَ القلبَ من عِقال الهُموم
وجفاني لمّا انتبهتُ فما أقْرَبَ ما بين شِقوتي ونعيمي
نُبَذٌ من شِعرِه في التوحيد والسنة. قال:
قامتْ بإثْباتِ الصفات أَدِلَّةٌقصمَتْ ظُهورَ أَئمَّة التَّعطيل
وطلائعُ التَّنزيه لمّا أقبلَتْهزمَتْ ذوي التشبيه والتمثيل
فالحقُّ ما صِرنا إليه جميعُنابأدلَّة الأخبار والتَّنزيل
من لم يكن بالشَّرع مُقتدياً فقدألقاهُ فَرطُ الجهل في التضليلِ
وقال في مدح الصحابة:
لائمي في هوى الصّحابة إِرجِع إلى سَقَرْ
لا بلغتَ المُنى ولانِلْتَ من رِفضِكَ الوَطَرْ
كيف تنهى عن حبِّ قومٍ همُ السمع والبصر
وهم سادةُ الوَرىوهم صفوة البشر
فأبو بكرٍ المُقَدَّمُ من بعده عمر
ثمّ عثمان بعدهوعليٌّ على الأثَرْ
أَيُّها الرَّافِضِيُّ حسْبُكَ فالحقُّ قد ظهر
وقال فيهم:
شُموسٌ إذا جلسوا في الدُّسوتِبدورٌ إذا أظلمَ القسطلُ
غُيوثٌ إذا ضَنَّ قطر السماءليوثٌ إذا زحفَ الجَحفلُ
فكلُّهُمُ سادةٌ للأنامِولكن أبو بكرٍ الأفضل
وكلّهم صحبوا المصطفىولكن أبو بكرٍ الأَوَّلُ
وله في التنزيه:
أَقسمتُ بالمبعوث من هاشمٍوالشافع المقبول يوم الجِدالْ
ما ربُّنا جِسمٌ ولا صورةٌموصوفةٌ بالميل والإعتدال
وهْو على العرش اسْتوى لا كماتستوطن الأجسامُ فوق الرّحال
نزوله حَقٌّ ولكنَّهمقدَّسٌ عن رحلةٍ وانتقال
وما له قَطُّ انفصال عن الْشيءِ ولا بالشيء منه اتِّصال
هذا هو الحقُّ وما قاله الْمُشْبِهِيُّ الغِرُّ عين المُحال
ومن يقلْ: لله في خلقهمثلُ فقد جاوزَ حدَّ الضَّلال
وقال في المعنى:
عَزَّتْ مَحاسنه فجَلَّ بهافي الوصف عن شِبهٍ وعن مِثلِ
نطقَ الجمالُ بعذر طالبهفانكفَّ عاذلُه عن العذل
مَن ظنَّ أنَّ اللهَ يجمعُهقُتْرٌ أَحال أَدِلَّةَ العقلِ
أو قال إنَّ الله يشبههُشيءٌ فذلك غاية الجهل
هذا الصراط المستقيم فمنيَسلكْ سِواه يَضِلُّ في السُّبْلِ
وتوفي كمال الدين الشهرزوري يوم الخميس سادس المحرَّم سنة اثنتين وسبعين بدمشق عن ثمانين سنة، وولده محيي الدين أبو حامد بحلب قاضيها فعمل في والده مرثية:
أَلِمُّوا بسَفحَيْ قاسيون فسلِّمواعلى جدثٍ بادي السَّنا وترحَّموا
وأدُّوا إليه عن كئيبٍ تحيّةًيكلِّفكمْ إهداءَها القلب لا الفمُ
وبالرَّغم منّي أن أُناجيه بالمُنىوأسأل مع بعد المدى من يسلِّمُ
ولو أنَّني أَسطيع وافيتُ ماشياًعلى الرّأسِ أَسْتاف التُّراب وأَلْثِمُ
لحا الله دهراً لا تزال صروفهعلى الصِّيد من أبنائه تتغَشْرَمُ
إذا ما رأَينا منه يوماً بشاشةًأتانا قُطوبٌ بعدها وتجهُّمُ
وهل يطلب الإنصاف في النّاس حازمٌمن الدهر وهو الظالمُ المُتحكِّمُ
ومَن عرفَ الدُّنيا ولؤمَ طِباعِهاوأصبح مُغترّاً بها فهو ألأمُ
تُرَدِّيكَ وَشياً مُعلَماً وهو صارمٌوتُوطيكَ كفّاً رَخصةً وهي لَهذَمُ
وتُصفيك ودّاً ظاهراً وهي فاركٌوتُسقيك شَهداً رائقاً وهو علقَمُ
فأين ملوكَ الأرضِ كسرى وقيصرٌوأين قضى من قبلُ عادٌ وجُرهُمُ
كأَنَّهم لم يسكنوا الأَرضَ مرَّةًولم يأمروا فيها ولم يتحكَّموا
سلبتَ أباً يا دهر منّي مُمدَّحاًوإنِّيَ إنْ لم أَبكِه لَمُذَمَّمُ
وقد كان من أقصى أمانيَّ أنّنيأُجَرَّعُ كاساتِ الحِمام ويسلَمُ
سأُنسي الورى الخنساءَ حُزناً وحسرةًويخجل مني في البكاء مُتمِّمُ
لقد رجع الشُّمّات عنّي وكلُّهمْبنار أسىً بين الحَشا تتضرَّمُ
وحَسبُكَ من رزءٍ يحِلُّ حُلولهبمَنْ كان يهوى أن يراه ويَعظُمُ
فيا ساكناً قلبي ودون لقائهمسافةُ بعدٍ حدُّها ليس يُعلَمُ
وقفت عليكَ الحمدَ بعدَك والثَّنايُنثَّرُ ما بين الورى ويُنظَّمُ
لقد عدمت منك البريَّة والداًأَحَنَّ من الأُمِّ الرَّؤوم وأرحمُ
وكلُّهُمُ مثلي عليك محرَّقٌوباكٍ ومسلوب العزاء ومُغرَمُ
ولا سيَّما إخوانُ صِدقٍ بجلَّقٍهمُ في سماء المجد والجود أنجمُ
وليس عجيباً شُكرُهُمْ لك بعد مافَضِلَتْ عليهم بالنَّدى وهمُ هُمُ
وما زلتَ فيهم مُذْ وَلِيتَ عليهمُتُفِذُّ أياديكَ الجِسام وتُتْئمُ
وكم ليلةٍ فيها سهرتَ لحفظِهمْوهم عنكَ في خَفضٍ من العيش نوَّمُ
نشرتَ لواءَ العدل فوق رؤوسهمفما كان منهم مَن يُضامُ ويُظلَمُ
لقد عظُمَتْ بالرّغم فيك مصيبتيوإنَّ صوابي لو صبرتُ لأعظمُ
وكيفَ أُرَجّي الصَّبرَ والقلبُ تابعلأمر الأسى فيما يقول ويحكم
وما الصبرُ إلاّ طاعةٌ غير أَنَّهعلى مثل رزئي فيك وِزرٌ ومّأْثَمُ
وإنّي أرى رأْيَ ابنَ حمدان في البكاأَصاب سواءَ الحقِّ واللهُ أعلمُ
أرَدِّدُ في قلبي مع النّاس نظمَهوفي خَلوتي جهراً به أترنَّمُ:
" سأَبكيكَ ما أَبقى ليَ الدَّهرُ مُقلةًفإنْ عَزَّني دمعٌ فما عزَّني دَمُ
وحُكمي بكاءُ الدهر فيما ينوبُنيوحكمُ لبيدٍ فيه حَوْلٌ مُجرَّمُ "
سقاكَ مُلِثٌّ لا يزال أَتِيُّهُكجودكَ يُغني كلَّ فجٍّ ويُفعِمُ
وجادَكَ من نَوء السِّماكَيْن عارِضٌيُرَوِّضُ أَنماطَ الثَّرى
ولي عن سؤال السُّحْبِ تَسقيكَ غُنيَةٌبدمعيَ لولا أَنَّ أكثرَه دَمُ
لقِيتَ من الرَّحمن عَفواً ورحمةًكما كنت تعفو ما حييتَ وترحم
عليكم سلامٌ أهل جلّق واصلٌإليكم يُواليه وِدادٌ مخيِّمُ
سلامٌ كنشر الرَّوض تحمله الصَّباسُحَيراً، وثغر الصبح قد كاد يبسمُ
سأشكركُمْ جهدي على القرب والنّوىوأُثني عليكم إن حضرتُمْ وغِبتُمُ
وأُوصيكمُ بالجار خيراً فإنَّهيَعِزُّ على أهل الوفاء ويكْرُمُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع