تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

فصل في ذم الدنيا

الدنيا منزلٌ رَجّافُ الأرجاء، منهار البناء، مَخُوف الفِناء، محفوفٌ بالفناء، مملوء بالعناء، محشوٌّ بالعِلل والأدواء، موردٌ كثير الشوائب والأقذاء، مع كلِّ مسرّة، مساءةٌ ومضرّة، مع كل أمنية، همٌّ وبليّة، ونزول منيّة، مولاي، يدُ فاقتي تقرع باب فضلك، وحال مسكنتي تستنزل من سماء كرمك مدد إحسانك، ومزيدَ بِرِّك، المِسك يُخبر عن نفسه، خفاء عيب الإنسان عليه، أشد عيوبه لديه، اللهم اكشف عن مصابيح الأفهام، حجُبَ الظنون والأوهام، إلهي أطلِق قلبي من أسر الشواغل، ومحابس الاغترار بالأمر الزائل، إيّاك وما يحرف مزاج الفطرة عن الصحة، وهو الخروج عن حِميَة الوحدة، وسلامة الخلوة، إلى تخليط المخالطة، فإنها تَحْدُث منها للقلب أمزجة رديّة مضرّة بصحة فطرته، مفسدة لنظام سلامة أحواله، أقرب الأسباب إلى نيل المطلوب، جمع الهمِّ في طلبه، واتحاد القلب بذِكره، الكون كلّه فمٌ لسانُه الحكمة، الكون بحر، السماء ضحضاحُه، وارض ساحله، ومرسى مراكب عجائبه، ومجمع سفن بدائعه، والأقضية والأقدار سفّارة، والخليقة سيّارة، تبدو كل حين تنتشر من بلاد صين سرِّ القدَر، في مراكب القُدَر، إلى ساحل عالم الصوَر، وحدود دار البشر وتُظهَر وتُنشَر لو قيل لي: ما تصنع؟ لقلت أُداري عليلي إلى أن يبرأ، وبُرؤه موته، وسُقمه حياته، أعالج عللي وأسقامي، بكواذب ظنوني وأوهامي، فلا العلاج ينجع، ولا السقيم ينتفع، أداوي كلوم أحوالي، بصبري إلى حين انفصالي، أُلاطف أسقام أفهام أشكالي باحتمالي أذاهم، وأُداري علل أخلاقهم ولا أطمع في البُرء من بلواي وبلواهم، لا تفتح باب خزانة قلبك فتعرِّض ما أعددته فيها من ذخائرك لآخرتك لنهّابة الهوى، حصِّنها بحصن الورع والتقوى، اللهم إني أسألك لذّة غير مُدركة بعلاقة حِسٍّ، ولا رجم حَدْس، أسألك غُنيَةً عن المَدارك الحسيّة، والعلائق الوهميّة، الصداقة عداوةٌ إلاّ ما داريْت، والوُصلة قطيعةٌ إلا ما صافيت، والنعمة حسرةٌ إلا ما واسيْت، المحاسن الشخصية معاثر أقدام همم الغافلين، وهي لأرباب البصائر منابر عليها خطباء الصنع، تخاطب ألبابها بألسنة دلالاتها، وعبارات عِبرتها، صلاح حال القلب أن يكون أبداً بين مزعجات وعيده، ومسكِّنات وعده، المكاره والأذايا كالمحاجِم، تُخرج من النفوس فضولَ أدواء الأهواء والمآثم، النفوس الشريفة العارفة تعبر بمراكب معارفها، وجواري سفن أفكارها، وهبوب رياح عزائمها، بحر عالم الدنيا بسفينة الزهد فيها، وصدق اللَّجَأِ إلى ربّها، في السلامة من عطبها، فمن لم يُهيِّئ سفينة نجاته ويُعدَّ فيها زاد آخرته من أعماله الصالحة، وحان وقت العبور من دار الغرور، إلى محلّ الغبطة والسرور، وقلبه متَّحد الهمِّ والفكر، بخيالات زخارف عالم الصوَر، مُنغمِس البصيرة في أكدارها، مُنتكِسُ الهمّة في أغوارها، لا يعرف غيرها، ولا يحِنُّ إلى سواها، زَفَرَت عليه أهوال بحر الموت، وغرق في يمّ الهمّ فصار عذابه لازماً، اللهم ألقِ من إكسير كرمك على مَسِّ مَسْكَنتنا، خلِّص بنار مخافتك غِشّ غفَلاتنا، صَفِّ بنور قدسِك شَوْبَ الشُّبَه من جواهر عقود عقائدنا، اجتهادك في طلب الشيء واهتمامك بصيانته، بقدر معرفتك بشرفه، الإنسان كالفَلَك، وقواه المنوطة بباطنه وظاهره كالكواكب، تدور على مركز همّته، ومدار أفعاله وأقواله، على قُطب عقله، ضاع ماء عمرك في خَرَبَان الخُذلان، وغار في غِيران الشقاء والحرمان، أُرْدُدْه إلى رياض طاعات الرحمن، صُنه عن الذهاب في خراب الدنيا، ردَّه إلى عُمران الآخرة، اللهم ارفع القلوب من مهاوي الهموم، إلى ذروة الثقة بك، يا من حياته معلّقة بسِلك نفسه، وموته بانقطاعه، تفكَّر في سرعة فناء مُدَدِه، ونفاد عُدَده، فإنّ ذهابك بذهابه، وانحلال عَقْدِ بقائك بانحلاله، بضاعة عمرك تسترقُها سُرّاق الساعات

ويختلسها كرور الأنفاس واللحظات، وتنتهبها أيدي الحوادث والآفات، لصوص الفناء لا يمنعها تشييد الفناء، تظنُّك في حصن من طوارق القدر، وهو يجري بك في طرق الحوادث والغِيَر، معاول الساعات تعمل في هدم سور عمرك، كلّ نفسٍ ثُلْمةٌ، وكلّ خَطْرَةٍ فتحة، يدخل منها عدوُّ الردى ولصُّ الفناء، على خزانة جوهر حياتك، وأنت لاهٍ عن ذهاب ذاتك بلذّاتك، الدنيا غابة، أهلها ليوثٌ وثّابة، من صحا عقله من سُكر هواه وجهله، احترق بنار الندم والخجل من مهابة نظر ربه، وتنكَّرتْ صورة حاله في عينه، لا تضع قلم فهمك وتأمُّلك عن يد عقلك، انقُل به إلى لوح روحك أمثلةَ المعارف والفضائل، من ألواح العبر والدلائل، المعرفة تملأ القلب مهابةً ومخافة، والعين عبرة وعَبرة، والوجه حَياءً وخَجلة، والصدرَ خشوعاً وحُرمة، والجوارحَ استكانةً وذلّةً، وطاعةً وخدمة، واللسانَ ذِكراً وحمداً، والسمع إصغاءً وتفهُّماً، والخواطرَ في موقف المناجاة خموداً والوساوس اضمحلالاً، الجهلُ ظُلمةُ ظِلِّ الطبع، الخواصّ يشربون من معين المعاني، والعوامّ من وسخ الأواني، إن قعدتَ على رأس المعدن تنتظر خروج جواهره إليك من غير استخراج، فداءُ جهلك مُعضلٌ ماله من علاج، لا تُنال حلاوة الظفر، إلاّ بعد مرارة الخطر، يا غافل، قعدتَ على الساحل تلتقط من حَصَيَاته، وتلهج بأصداف حيواناته، وتقنع بزبده للسلامة من خطره، السواحل للنِّسوان والأطفال، واللُّجج للرجال والأبطال، السواحل لطُلاّب سلامة المباني، واللُّجج لطُلاّب سلامة المعاني، البحر للصوَر غَرَق، وللمعاني نجاة، غَوْصُ الهمم والبصائر في طلب هذه الجواهر، عروجٌ وصعود، في صورة نزول وهبوط، ما عرفتَ من هذا البحر غير ملوحة مائه، واضطراب أمواجه، ودواعي أهوائه، ولا رأيت منه غير زبدِه وجُفائه، في أطرافه وأرجائه، وكلُّها إنّما هي أستارٌ وحجُبٌ على نفائس جواهره، حُجِبَتْ بها لعزّتها، لكيلا ينالها غيرُ أهلها، لولا غوّاص الفطرة النيِّرة عليها، ما ظهر شرفها، ولا وصل أحدٌ إليها، للغوّاص حذرٌ على صورته، وطمأنينة إلى الظفر بمقصوده، البحر الأُجاج تُستخرَج منه حِلية الأجسام، والعذبُ الفرات تستخرج منه حِلية الأفهام، إذا هاب الغوّاصُ هول بحره، لم يظفر بجوهره ودره، الوردُ يزحم الشوك في طريقه، فإذا ظهر وخرج من زحمته، دعا بلسان حُسنه وجماله، وإشارة خاصيّته وكماله، إلى فصله عنه وإبعاده منه، كدلك وردة الروح العارفة إذا فتحت عين معرفتها، فرأت أشواك المنشأ حولها، وأدغال الطِّباع مُكتنفةً بها، انجذبت بشرف ذاتها عنها، واجتهدت في الخلاص منها، البدن مجموع أعضاءٍ وقوى، والنفس مجموع حظوظ ومُنى، والقلبُ مجموع معارف وتقوى، الصدق رَوْنَق وَجْهِ القصد، وصفاء ماء مُحيّا الهمّة، في الإقبال على الربوبية، سبحان مُوسِّع عَرَصَة الزمان، لانتشار نَسْلِ الحِدْثان، وإظهار مُخْفِيات العيب إلى العِيان، الأقضية والأقدار حوامل، تضع في وعاء الكون حمل الحوادث

ونسل الكوائن، عفّة الأطراف وصيانة الأعطاف، نزاهة الأوصاف من النزاع والخلاف، من شيم الشّراف، وسجايا الكرام الظِّراف، مهابو العبد لمولاه، تصرفه عمّا يكرهه إلى ما يرضاه، المؤمن قوي القلب باليقين والتقوى، لا تُعجزه مقاومة عدوِّ الهوى، معه جرأة الإيمان، ونجدة العرفان، يسطو بها على جنود الشيطان، كما أخبر عنهم الرحمن، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، أيها الفقير البائس، اشكُر المُتصدق عليك بإجراء نسيم أنفاسك، وبعثِها من خفايا باطنك، ومُستَكَنّات ذرّات ذاتك، عظِّم المُنعِم عليك بتجديد رثائث أثواب حياتك، في سائر ساعاتك، رَبِّ صُنْ وجه حالي، عن البِذلة إلى أشكالي، وفّقني إلى الصواب في أقوالي، والإخلاص في أعمالي، أنِلْني من مزيد فضلك ما لم يخطر ببالي، وما يُوفي على نهاية مجرى أقوالي، وغاية مرمى آمالي، سهِّل سبيلي، فقد أزِف رحيلي، إلى مَقيلي ومآلي، أما تأنس إلى ربّك بآثار صُنعه فيك، أما تخافه لقدرته عليك، أما تشكره لدوام مدد أياديه المتواصلة إليك، اللهم افتح أبواب فهومنا بمفاتيح التوفيق، اهدِنا محجّة التحقيق، وأرشِدنا أقرب الطريق، إلى المنهل الرَّوِيّ والمنزل البهيّ الأنيق، اللهم أجرِ رياح لقاح الأرواح، أظهِر ثمار خصائصها من أشجار الأشباح، حياة أهل الآخرة صافية من شوائب الوسائط الكَدِرة، يُؤثرها ذوو البصائر النيِّرة، والنفوس الخيِّرة، إلهي أسألك أُنساً بلا وحشة وعيشاً بغير كُلفة، وقلباً بلا غفلة، وحضوراً بلا غيبة، وعلماً بلا شُبهة، أسألك قلباً لعزّتك خاشعاً، ولعظمتك خاضعاً، ويقيناً للشكوك صارفاً دافعاً، وخوفاً عن المناهي رادعاً، وللأهواء قامعاً، وصدراً من هموم الدنيا خالياً، وفهماً للفوائد واعياً، اللهم ألهمني تأمُّل مسطور صُنعك في لوح شبحي، وتفهُّم مرقوم قلم حكمتك الجاري بمشيئتك، على صحيفة وجودي وصفحات باطني وظاهري، أُعجوبة فطرتك محجوبةٌ بحجُب عُجْبِك ورعونتك، ارفَع عنها الحجاب، ترَ الأمر العُجاب، الدنيا كالحيّة تجمع في أنيابها، سموم نوائبها، وتُفرِغُها في صميم قلوب أبنائها، الأوقات كالمَبارد، تأخذ منا ما ليس إلينا بعائد، الوقت كالمِبرَد يحلِّل أجزاء الأعمار، والقلوب في سكرة الغفلة والاغترار، اللهم ارفع القلوب من هُويّ الهوى إلى ذرى الهدى، وقُلَلِ التقى، نجِّها من ملاعب أمواج هموم الدنيا، وتيّار بحار الآمال والمُنى، الأمانيُّ عُلالات نفوس المحرومين، وخيالات أحلام غفلة المستيقظين، الحرية في ترك الأمنيّة، الحرية في الغنى عن البريّة، والتنزُّه عن اللذّات البدنيّة، والترفُّع عن أدناس الأمور الدنيّة، وارتقاء الهمّة إلى ذُرى الفضائل العلميّة والعمليّة، نِعَمُ الكرام تبعثهم على الإحسان، ونعم اللئام تحدوهم على الطغيان، وركوب العصيان، صفاء القلوب من أدخنة خيالات أماني النفوس، يحصل بسدّ منافذ أبخرة وساوسها، المتصاعدة من موقد نار شهوتها وغضبها، أبلغ الكلام ما ألان حدائد الأفهام، وأجرى جوامد الأذهان، بماء حياة العرفان، اللهم أغنِنا بالرِّضا بما قسمتَ لنا، اجعل الثقة بكرمك ذُخرنا وعمدتنا، والسكونَ إلى وعدك عدَّتنا، رغِّبنا فيما عندك، زهِّدنا فيما عندنا، لا تقطع نسيم أُنس ذِكرك عن قلوبنا وألسنتنا، شرِّف بخدمتك خَدَمَ جوارحنا، مَن سكن قلبُه إلى السكَنِ والخليل، انزعجَ لفقده الانزعاج الطويل، من قلَّ ابتهاجه في المنزل والمقيل، قلَّ انزعاجه عند الظَّعن والرحيل، رؤية نفسك في بذلِك، أضرُّ عليك من بُخلك، اللهم اكفِنا بالكَفاف آفة الإسراف، الموجب للنزاع والخلاف، وعدم الالتئام والائتلاف

المؤدي إلى الإضرار والإتلاف، أشرف الكلام ما شَرُفت معانيه، ورقَّت حجب عبارته وصحَّت مبانيه، العبادات كالأواني تغرف بها من معين المعاني، ما كلُّ إناء شَفّاف، يحكي ما وراءه من المعاني اللِّطاف، كلامُ الفضلاء، إنما يعذب في مسامع الفقهاء، لا تَشِنْ وَجْهَ مقالتك بكلف التكلّف، ولا تُثَقِّل روح كلامك بهُجنة التعسُّف، كلّما ثَقُل روح الكلام ألغتْه الأسماع ومجَّتْه الأفهام، لا تجعل باب سمعك مدخلاً للغوِ المقال، وفضول القيل والقال، ولا منفذ فهمك مسلكاً لخواطر المحال، ولا صحيفة قلبك معرّضةً لجريان قلم الخيال من غير نظرٍ وتأمّل واستدلال، كلما هبّت رياح الإلهام نفضت أغصان الأذهان، فتساقطت ثمار الفوائد، على أراضي المسامع، ورياض القلوب والأفهام، سبحان من جعل اللسان، تَرْجُمان الجَنان، ومطلعاً لأنوار البيان، لإضاءة نواظر العقول وإنارة مصابيح الأفهام، سبحان من جعل خواصّ عباده تراجمة حكمته، تعبِّر عن أسرارها لخليقته، الألسنة تراجمة القلوب، يبدو منها ما يَرد عليها من واردات الغيوب، القلوب خزائن الحكمة، مفاتيحها الألسنة، لا تدعوا قلوبكم تمضغها أفواه الغفلات، وجوارحكم تمتهنها وتتلاعب بها أيدي الخطايا والزلاّت، فإنها عندكم أمانات ربكم فاحفظوا الأمانات، أما علمت أن الكون كلّه مَمْخَضةٌ أنت زُبدتها، ودوحة أنت ثمرها، وصدقة أنت درّتها، وصورة أنت معناها وحقيقتها، إذا كان ما يفر المرءُ منه نحوه يتقدّم، فسواءٌ عليه أقدم أم أحجم، أوهى عقده أم أبرم، أهمل أمره أم أحكم، نيرانُ الفناء له تُضرم، ولها يُلقى ويُطعم، إذا كان الهارب، في قبضة الطالب، فما الطمع الكاذب والحرص الغالب، لنيل المطالب، ودفع المعاطب، لوالبُ الأقضية بأحوالنا دائرة ومطايا الليالي بنا إلى أجداثنا سائرة، ورُماة الأيام بسِهام المكاره في أهداف قلوبنا راشفة ناشبة، ومُهَجُنا في مضابث ليوث الحوادث واقعة ناشبة، الغفلة سكرة الفكرة، والشرَه آفة العفة، والشهوة مرض الفطرة، والغضب موت العقل، والحِدّة ضغطة قبر الجهل، يا أُولي الفكر والعِبَر، تأمّلوا صقور القدر، كيف تختطف مع لمح البصر، حمائم الأرواح من أقفاص الصور، يا طبيب، رِفقاً بمرضى الهوى، يا مُعافى، عطفاً على المُبتلى، لطفاً بأرباب البلوى، يا حبيب، وَصْلاً فقد دنا الفناء، عِتْقاً من رِقّ الرقيب وطول العناء، يا طبيب، تلطّف بحَسم الداء، فقد استشرى وأعوز الصبر وعزَّ العزاء، شيئان عزيزان، غُربةٌ في الوطن، وخلوة في الزحمة، يا قُطّان دار الحِدثان، وسكّان منازل النوازل والأشجان، ومحلّ الذل والهوان، الرحيلَ الرحيلَ عن هذه الأوطان، فإنها مجامع الفجائع ومنابع الهموم والأحزان، العارفون بجلال المولى غرباء بين الورى، قد جفاهم الأهل والأحبّاء، العقلاء بين الجهّال غرباء كالجواهر بين الحصى، لطائف الملَكوت في عالم الجبروت غرباء، يعرفها الفهماء، وينكرها الأغبياء، يا أنيس الغرباء وجليسَهم في بلاد الأعداء، يسِّر إيابهم، وأحسِن مُنقلَبهم ومآبهم، الرضا سرور القلب بالمقدور، الذِّكر لَهجُ القلب بالمذكور، الفكر إدامة النظر في أسرار الأمور، طوبى لمن أناخ ناقة فاقته بكنَف مولاه، وألقى عن كاهل همّته أثقال همومه بدنياه، وآوى إلى كهف لطفه، وأنام عن رجاء غيره عين أمله، وطرْف رغبته، ما لذي الجناح المُلصَق سراح، ولا لذي القدم المقيَّد براح، القدم المقيَّد، والعضو المُشدَّد

إذا وَرِمَ تضيَّق الشدُّ وتزيَّد الألم، لزيادة القدم، فإذا انهزل العضو استرخى الشدّ، واتسع القيد لنحافة القدم، ومع الانضمار والانهزال، يتيسَّر الانحلال والخلاص والانفصال، أما لك في سَفْرَة جهلك إلى وطن عقلك إياب، أما لغربة قلبك في بلاد طبعك انقلاب، نعوذ بالله من نفسٍ وهي نظام مصالحها، وغشَّى ظلامُ أهوائها وجوه آرائها، في الشيب نزل نذيرُ الفناء بساحتك، وأنت مع راحك وراحتك، خواطر القلوب، بُروق غمائم الغيوب، الأفعال تراجم هِمَم الرجال، تُنبِّئ عن وصف النقص والكمال، إذا صحّت الأبدان، ونَظُفَت من الأدران، زانَتْها الملابس الحِسان، وإذا صحَّت العقول من عِلل الهوى، وأمراض حبّ الدنيا، زانَها العلم والتقوى، رحم الله عبداً خطر بباله، خطرُ مآله، فأصلح خلل أعماله، قبل عرضه وسؤاله، القلوب تنقبِض عن البخيل، لانقباض رغبته في الثواب الجزيل، والثناء الجميل، إلهي أسألك قلباً حُرّاً لا تستعبده الأماني، ولا يشغله عن طلب الباقي طلب الفاني، وعزماً في الخير ماضياً لا تقطعه عوارض الفُتور والتَّواني، من علم أنّ المركّبات في ذواتها ذواتُ نهاية، لم يلق في رُوعه رَوْعَاً من الموت اللهم اكفني غائلة إهمالي، واغتراري بطول إمهالي، قِني آفة الفُتور، والنقص والقُصور، في أقوالي وأعمالي، بحالي ومآلي، أَرِحْني من كلَف احتيالي، لنيل أربي وآمالي، سلِّمْني من غاوي وهمي وخداع خيالي، إلهي رَوِّ روحي من منبع القُدْس، نعِّمْها في رياض الأُنس، ألهِمها وحشةً من الإنس، طوبى لمن لمع في طَرْفِ فِطرته، قبسُ أُنسِه بربّه، فأفرده عما سواه به، فترنّم حادي وقته، وترجم عن صفته:

مَن زَكَتْ نفسُه رأى الزُّهد في الدنيا فيا طِيبَ أَنْفُسِ الزُّهّادِ

أفردتْهُ النَّفسُ النَّفيسةُ في الناسِ فيا بُعدَ هِمّة الافرادِ
أَكَلَتْه الفضائل الغُرُّ حتىذابَ ذَوْبَ النُّضار في الإيقادِ
كلّما ازدادتِ الذُّبالة ضَوْءَاكان أدنى لها إلى الإخمادِ

اللهم أحيِنا بروح رضاك عنا، من موت سخطك علينا، إذا استغنيتَ عن الكرام فأنت الكريم، وإذا رجوتَ اللئام فأنت اللئيم، من بلغ مقام التعريف، علم أنّ سرّ التكليف، للتهذيب والتشريف، لا للتعذيب والتعنيف، الزمان كجُبّ الصبّاغ، يُبدي كل أوان، مُختلِفات ألوان، من عزٍّ وهوان، وأفراح وأحزان، وخشونة ولِيان:

إنّ الزمان وإن ألانَ لأهله لمُخاشنُ
تجري به المُتحركاتُ كأنهن سواكنُ

إذا نزل على القلب الكسير إكسير التقوى، صفا من كدر الهوى، وارتقى في درجات الهدى، ونال منازل الفوز والزُّلفى، إذا استعدّ جوهرُ القلب، لنزول إكسير نظر الربّ، قَلَبَه من الوصف البهيميّ إلى الملَكيّ، ترديد المواعظ على الفهوم، كتجديد المراهم على الكلوم، الفهوم إذا أُهملت دَثَرَتْ، والجروح إذا تُركت نغَّرَت، حار بعض الطالبين في ليل طلبه، والتبس مسلكه المُفضي به إلى ربه، فرصد نجوم فهومه، وطوالع خواطر علومه، وأوقد مصابيح قرائحه، وسُرُج أفكاره وبصائره، فبينا هو في سيره القاصر، وضوئه الضعيف المتقاصر، إذ بدا بدرُ الدِّراية، من أُفق العناية، بمبادئ أنوار الهداية، فهجر النجمَ والمصباح، وانتظر الإصباح، وارتقب السَّنا الوضّاح، فأسفر له صُبح الأزل، من وراء سدفة ليل الحدث، فتلألأت مرآة استعداده، وتشعشعت مِشكاة فؤاده، بأنوار مُراده، فانجاب عنه حجاب الحوادث، وغاب خيال كلّ كائنٍ حادث، فرمق جَناب الأزليّة، وسمق بهمّته العُلْويّة، إلى قُلّة الرَّبوة الملكوتية، دار القرار، لقلوب الأبرار، والمَعين السَّلْسال في مُروج الوجود المُطلق، فوقع في عين اليقين، وشرب مَعين النعيم، فترنّم طرباً بما نال، وتمثّل تعجُّباً وقال:

مَن كانَ في ظلماءِ ليلٍ سارياًرَصَدَ النجومَ وأوْقدَ المِصباحا
حتى إذا ما البدرُ أشرق نورُهترك السِّراج وراقبَ الإصباحا
حتى إذا انجابَ الظلامُ جميعُهورأى الضياءَ بأُفْقِه قد لاحا
هجرَ المسارِجَ والكواكب كلَّهاوالبدرَ وارتقبَ السَّنا الوضّاحا
إفهمْ هُديتَ ففي فؤادك عاذِلٌإنْ لاحَ فيه سَنا الحقيقة لاحى
ليصُدّ عنها إنّها غَبَشُ الهوىيَغْشَى فِناه فيمنعُ الإيضاحا
والعقلُ من غَبَش الخيال عِقالُهُفإن انجلى انحلَّ العُقال فَساحا
في مَهْمَهٍ للحقِّ مهما سافرتفيه العقولُ أعادها أرواحا
في روضِ رِضوانٍ وَنَضْرة نعمةٍنظراً إلى الوجه الكريم مُباحا

وفوائد شيخنا محمد الفارقي ﵀ أكثر من أن تُحصر أو تُختصَر، ووصفه الشيخ أبو المعالي سعد الحظيري الورّاق في آخر مجلّد جمعه في كلامه وقال فيه: شيخٌ قتل الدنيا خُبراً وعلماً، وقبِل منها ما كان خيراً وغُنماً، فركب غارِب الزهد في الزهيد، وارتقب عازب الوعد والوعيد، وقطع لسان دَعاويه، ومنع سلطان عواديه، وقمع شيطان دواعيه، فظهر مخفيُّ الغيب، لمَنفيِّ العيب، فاستجلى ما استحلى من أبكاره، واستصحب ما أصحب مع نِفاره، وحلاّها بأحلى الحُلى، ومال بها إلى المَلا، وخطب بها في الأحياء، وخطب لها الإحياء، وما رقا بها على منبر، بل رقا بها على مَن برّ، فمن استقبل قِبَلها، وتوجّه قِبَلها، رفعته جواذب بلافِكها، إلى مراتب أرائكها، فرأى من كفر النقصُ أنوارَ بيّنته، وأظهر الفحصُ أسرار نيّته، وهان عليه من الدنيا ما هال، وحان لديه من الأخرى ما حال، ومان العائلة، وأمِن الغائلة، واستوجب مِنّة من اقتدى بأنوار حِكَمِه، واهتدى بآثار كَلِمه، أنْ يلقاه حيّاً بالحُرمة، وأن يغشاه مَيْتَاً بالرّحمة، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.