تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

ومن أدعيته

اللهمّ أطلِع ثمار الأماني من أغصان آمالنا، ولُمَّ بلطفك شعث أحوالنا، إلهي قَبَضَ عجزي روح نشاطي، وطوى ثوب انبعاثي وانبساطي، أخلقت ملابسُ الشبيبة، وَهَنَ عظم العزيمة، شابت لِمّةُ الهمة، غلب شنجُ العجز على عصب العزم، رَثَّ ثوب الحياة، عجز قدمُ البقاء عن الثبات، اقشعرّت جِلدة الجلَد، حان الانقلاب إلى دار الأبد، قُدِّمت معابر العبر، ليُعبَر بها من دار الغِيَر، إلى دار النعيم الأرغد الأنضر، دار السلام، ومنزل الدوام، العريّة عن عوارض العلل والأسقام، لا تنظروا إلى المجازيات الزائلات، انظروا إلى الحقائق الدائمات، المجازيات مشارع الحسّ يكرع من أُجاجها، ويغرق في أمواجها، والحقائق مراقي القلب يُعرج في معراجها، ويرقى في منهاجها، سبحان من جعل مضارب أطناب مخيّم الوجود، ومرسى قواعد قبة الكون، ومثبت قدم صورة الدنيا، على متون رياح هفّافة تهبّ من مهابّ المهابة بين صُدُفَيْ شِعْب الأبد والأزل، والماضي والمستقبل، تسحب أذيال نسائمها على صحراء صفحات الوجود، فتثير الهوامد الركود، لقبول إفاضة الكرم والجود، وتوقظ وَسْنان الكيمان، لنشر نسل الحَدَثان، ويظهر مستور الغيب إلى العيان، وتُفصَّل جمله في أوراق الأوقات وصحائف الأزمان، تِنّين الفناء قد ابتلع معظم عمرك وهو في اجترار باقيه، وأنت غافل عن تقضّيه وتناهيه، والموت اجتناء ثمر معانيك من أغصان مبانيك، اجتهد أن لا يجيء المُجتنى وثمارك فجّة ما فيها بلوغ المعرفة، المعارف مياه تنبع من غامض معين الغيب، في منافذ الإلهام، إلى مصبّ القلب، وتُطرح في حوض الحفظ، فتخرج من أنبوب اللسان، ومخارج النطق والبيان، الرجل من يتصرّف في الأشياء ولا تتصرف الأشياء فيه، لا تغفل عن سياقة ماء الشكر إلى غروس الإنعام، فإنك إن غفلت صوَّحتْ رياض الإحسان، الجاهل الغرّ أبداً همّته إلى تصفية زجاجة صورته، وشراب روحه فيها كدر مُرّ مَقِرّ، اللهم سلِّم القلوب من سموم الهموم، بدِرياق الثقة بالرزق المقدور المقسوم، اللهم سلّم النفوس من نفثات سواحر الزخارف، برُقى التقى وعُوَذ المعارف، اللهم لا تعذّب أرواحنا، بهموم أشباحنا، العلوم النافعة، ما كانت للهمم رافعة، وللأهواء قامعة، وللشكوك صارفة دافعة، العلوم النافعة والأعمال الصالحة نسلُ الهمم الشريفة، وذريّة الفِطَن اللطيفة، القلوب العُقم ما لها ذرية الحكمة ولا نسل الفضيلة، لعُنَّةِ الهمّة، وفجاجة الفطنة، وخدَر العزيمة، أرضها سبخة، ما تنعقد فيها حبوب الحكم، ولا تطلع فيها زهرات المعارف والفطن، الأنفاس رُشْحُ ماءِ الحياة من إناء العمر، كلّ نفس رشحة وجذبة. قروض الأرواح تُسترجَع تفاريق إلى أن تُستوفى الجملة:

أرواحُنا عندنا قُروضٌوالموتُ قد جَدَّ في التَّقاضي
لا بُدَّ من رَدِّ ما اقْترضْناكلُّ لبيبٍ بذاك راضِ

النفس الزكية زينتها نزاهتها، وعافيتها عفّتها، وجمالها جودُها، ورداؤها رِفْدُها، وطيلسانها إحسانها، وطهارتها ورعها، وغناها ثقتها بمولاها، وعلمها بأنه لا ينساها، وأنت يا طفا الهمة، من لم يُشرَّف بالخدمة، سرورك غرورك، فرحك فخُّك، مالك مالكك، غُلُّك بخلك، كَبْلك كِبرُك، شكوكك زبانيتك، همومك هاويتك، سلاسلك وساوسك، زينتك رعونتك، جمالك فتنتك، عافيتك آفتك، حرصك حبسُك، سَجّاتك نفسُك، قيدك إِلْفُك، إذا كان معك فمن تخاف، إذا كان عليك فمن ترجو، أعطيت الطبع للتوليد، والقلب للتوحيد، اللهم أنِر مصابيح أفهامنا بأنوار البيان، المُفضي بنا إلى الكشف والعيان، اللهم اجعلنا ممن جذبته يد العناية من أغوار الغرور، وأخرجته من أسراب الأسباب، وظلم الارتياب، اللهم اصرف ذكر الخلق عن ألسنتنا، وأخرج وساوس الدنيا عن قلوبنا، اللهم اجعل قلوبنا مقبلة بنور التوفيق عليك، منصرفةً عما سواك إليك، اجعل جوارحنا منقادةً بأزمّةِ العلم والتقوى، في كلّ ما تحبّ وترضى، من عرف نعمة المهلة لم يصرفها في غير الخدمة، المهلة إرخاء عنان الأجل، لإصلاح الخلل، وأنت في ظلمة الأمل، المؤمن يأمر وينهى للسياسة فيُصلح، والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد، بلغ بهم صفاء النظر إلى أن صارت لذّتهم في مراد الله فيهم، وأنت يثير عليك همومك، فَوات حظوظك. ما أحوجك إلى نار الخشية لتذيب جماديّة فهمك، اللهم نزِّه عِراص القلوب من أدناس الرذائل، أطِف بها حماة التقوى وحُفّاظ الفضائل، اللهم رَوِّح كُرَب الهموم بهبوب نسيم ذِكرك، إلى متى هذا التمسُّك بما يفارقك، اسبِقه إلى المفارقة، أفي عقلك عن تأمُّل أمرك خَبَل، أم في إيمانك بالموعود خلل، اللهم سلّم صحّة أرواح أدياننا، من لَسَعَات هوامِّ أهوائنا، ولسبات عقارب العلائق لقلوبنا، اقطع عنا حُمَة حرصنا، على عاجل حظوظنا، الحرص نار محرقة لشجرة حريتك، صدأٌ يعلو مرآة رأيك، دنسٌ يُغَشّي جِلباب جمالك، يا غافل، بيدر عمرك يُكال بمكاييل أنفاسك المتتابعة المتوالية، وتُرفع إلى خزانة الجنّة حبوب أعمالك الصالحة الطيبة، وتُلقى في أتون الجحيم أدغال أعمالك الخبيثة السيئة، يا أطيار الفتنة أقلعي عن مساقط أغصان الغفلة، كيلا تقتنصك جوارح الجهالة، فتنشبي في مخلب عُقاب العِقاب، يوم المآب، طيور الأرواح الجاهلة لا تزال تسرح في أودية إهمالها وتوانيها، وتُقلَّب في جوّ جهالتها أجنحة آمالها وأمانيها، وصياد المنيّة بين أيديها قد نصب الحبائل لوقوعها، يا طير الهمة اخرُق بجؤجؤ همّتك، حُجُب جهالتك، وحوائل حيرتك، اخرج من حصر شركة شبحك، إلى عالم سرورك وفرحك، ألِفْتَ الشِّباك، فحصلت في الحيرة والارتباك، أما علمت أنّ مِن حبِّ الأشراك، ينشأ شوك الشكّ والإشراك، ويعلوك كلّ دنس ويغشاك، ترقَّ يا طير الفتنة بأجنحة معرفتك، عن أرض مخافتك، ووحشة بلاد غربتك، إلى سماء أمنك، ومأنس وطنك، تعلَّ عن محلّ ذُلّك وفقرك، إلى منزل غِناك وعزّك، احذر أن تخرج من برج بدنك، ومحملة صورتك، وقفص شخصك، وأنت جاهل بطريق بلاد الغيب، اجْلُ قبل الخروج عين فهمك من رمد الريب، المَح بيتك الأصلي، اقصِد وكرك الأوّلي الحقيقي، انصرف عن بيتك المجازي العرَضي، احترِز في طريقك أن تنزل على هرادي الهوى، احذر قَصَبَات دِبْق حبّ الدنيا، قصباتك محبوباتك، دِبقك مألوفاتك، لا تكن كالعصفور المغرور، أراد أن يسلب الفخّ حبّته، فسلبه الفخّ مُهجته، أو السمكة أرادت أن تبلع طُعم الصياد فابتلعها الصياد، يا هدهد الهمة هزّ قوادم العزيمة، حرِّك خوافي البصيرة، ترقَّ في جو الجمعية، اعْلُ عن أرض التفرقة، إلى سماء الحقيقة، ارجع بخبر بلاد الغيب إلى عالم الشهادة، انزل برج قلبك، القِ كتاب خُبْرِك، إلى خبراء إخوانك، ليفهموا ما في بيانك، ويقفوا على سرّ عِرفانك، اللهم ثبّت أقدام أدياننا على سَنَن العفّة والورع، ألبِسنا جلباب الصيانة والنزاهة عن الهوى المتَّبع، زيِّن قلوبنا بزينة اعتقاد الحق، حَلِّ ألسنتنا برونق قول الصدق، اجعل جواهر عقائدنا منظومة في سلك الكتاب والسنة، محفوظة بحُسن متابعة السلف الصالح أعلام الأمة، متى تُفيق العين من تَعاشيها، فتشاهد عِياناً تَلاشيها، فتلوي ناظرَ رغبتها عن سراب آرابها وأمانيها، ترى الزخرف اللمّاع الخدّاع الفتّان، والمناظر الوِضاء الحِسان، وأشباح

الإنس وأرواح الجانّ، سراباً يترقرق في قِيعان الحَدَثان، ويُسمع من جوّ الجَنان، هاجس الإلهام يقول بلسان العِرفان: وأرواح الجانّ، سراباً يترقرق في قِيعان الحَدَثان، ويُسمع من جوّ الجَنان، هاجس الإلهام يقول بلسان العِرفان:

وفي تأمُّلِهمْ معنىً يقومُ بهمْوفي تخَيُّلِهمْ للعين ألوانُ
فإنْ نظرتَ فأشكالٌ مُعَدَّدةٌوإنْ تأمَّلتَ لا إنْسٌ ولا جانُ

يا مَن أُخرج حيُّ وجوده من ميّت عدمه، وجُمعت متفرِّقات ذرّاته في مَجْمَع صورته، لا تغفل عن شكر الصانع، وسرعة استرجاع الودائع، يا ميّتاً نُشِر من قبر العدم، بحُكم الجود والكرم، لا تنس سوالف العهود والذِّمَم، اللهم طهّر جوارحنا من لُوَث الآثام، ولطخات الخطايا والإجرام، سلِّم قلوبنا من الافتتان، بخيال زخارف الألوان، والاغترار بلَموع سراب الأسباب، في صحراء الحدَثان، الذي يبخل بمواساة الفقراء، ولا يدفع ضرر الاحتياج عن الضعفاء، كمن يبخل بالدواء على المرضى، وكالطبيب القاسي القلب على أهل البلوى، كان عمر ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل الخير في خِيارنا، ليعودوا به على ذوي الحاجة منا، توفُّر الدواعي على المساعي الدنياوية، والأمور البدنية، مُضرٌّ بالأحوال القلبية، طُوبى لمن أَنِس بما لا يفارقه، واستوحش مما لا يدوم له، يا من تعاظم في نفسه، وتكبّر على أبناء جنسه، حين ساعده الزمان، وساعفتْه القدرة والإمكان، هل أنت إلا مُضغة في فم ليث الحِدْثان، وغُثاء يجري بك سيلُ الزمان، احذر أن تنكسر بيضة الصورة، وما انعقد فرخُ الفِطرة، ولا درات فيه روح المعرفة، فتخرج إلى عَرْصَة العَرَض عادماً لروح السعادة، فاقداً لحياة الفوز في الدار الآخرة، هذِّبوا القلوب، تحنّ إلى الغيوب، اللهم أطلق أسر الأرواح، من سجون هموم الأشباح، صُنها عن التدنُّس بممازجات الأمور الدنيّة، أعطِها لَهَجَاً بالأمور الشريفة العليّة، صَفِّ الأبصار، عن غبار الأغيار، والنظر إلى أهل الغفلة والاغترار، الغرقى بحُكم البحر، لا البحر بحُكمهم، فأنّى لهم النجاة من سَطَوَاتِ قهره بحَولهم وقوتهم، وجِدّهم وجهدهم، قوة الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في الآخرة، من شَرُفت همته شرفتْ رغبته، وعزّت طَلِبَته، البواطن حواضن، لما فيها من المساوي والمحاسن، اللهم شرِّف جوارحنا بخدمتك، اخلع عليها العصمة عن معصيتك، قرِّب أرواحنا من جَناب اجتبائك، صَفِّها بمُصافاة اصطفائك، حلِّها بحِلية أوليائك، أعطها فهماً ثاقباً ونظراً خارقاً لحُجب الغفلة عن جلالك وكبريائك، اللهم ارزقنا يقظةً عقلية، وانتباهةً قلبيّة، نخرج بها من أضغاث أحلام الأماني ومنام الأوهام، وظلام ليل الغفلة والنسيان، إلى ضياء نهار الكشف والعيان، اللذة العقلية هي التي يجدها العقلاء في عواقب صبرهم على المكاره، إلهي، الرجاء لغيرك خيبة، والخوف من غيرك شِرك، والالتفات إلى من سواك غفلة، والأُنس بمن دونك وحشة، إلهي، أضِجُّ إليك مما يقطع عنك، وأسترسِل لفِعلك إذا صدر منك، وأدأب في الطلب خوفاً من فوات المقصود، وأتناهى في الحيرة إذا فكّرتُ في شَرَك خلقك، العالم كالدوحة قشورها الأراذل، وثمارها الأفاضل، ماذا الرَّوَغان يا ثعالب المطامع، عن أسود الآجال القواطع، روغانك عنها ليس بمُنجٍ منها ولا دافع، ولا مُجدٍ ولا مانع، إن أردت دوام السرور والابتهاج، فكن منحرفاً عن منهاج الغضب واللجاج، معرضاً عن طريق الحرص والطمع المؤدي إلى القلق والانزعاج، استعد لجروح الغفلة مراهم الادِّكار، ولخَرْق حُجُب البلادة مُدى الأفكار، الغفلة عن الله ميراث الجهل بالله، أظلمُ الحجُب الحائلة بينك وبين ربّك نفسك، تعصيه في طاعتها، وتُسخطُه في مرضاتها.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.