تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

رضي الدولة أبو سليمان داوود بن مقدام بن ظفر المحلى

من بلد المحلة من الديار المصرية بأسفل مصر. ذكره القاضي الفاضل، وقال: شاعر ملء فكيه، توفي في عصرنا هذا، له:

لئن لذَّ لي طولُ المقام ببلدةٍلذي مَلَكٍ يُثْنِي عليه الْمُهَاجِرُ
ففي الناس من يَقْضِي من الحج فَرْضَهُوآخَرُ من طِيبِ المُقام يُجاوِرُ

وله

إذا كنتَ في الليل تَخْشَى الرقيبَ إذ أنت كالقَمَر الْمُشْرِقِ
وكان النهارُ لنا فاضحاًفباللَّهِ قل لي متى نلتقي

ثم طالعت كتاب جنان الجنان الذي صنفه ابن الزبير سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة، وذكر فيه هذا داوود، وقال: هو من أبناء الجند بأسفل مصر إلا أن همته سمت به من الأدب إلى دوحةٍ يقصر عنها أمثاله، ولا يطمع فيها أضرابه وأشكاله، وعضده على ذلك جودة الطبع ونفاذ القريحة، حتى أدرك بعفو خاطره وسرعة بديهته ما لم يبلغ إليه كثرةٌ من أبناء عصره في الدأب على اقتناء الأدب. وذكر ما معناه أنه كسدت سوقه، وجحدت حقوقه، وهو منحوس الحظ غير مبخوت، منكوب الجاه بحرفة الأدب منكوت. قال ابن الزبير: ومما أنشدني لنفسه قصيدة مضمنةً شرح حاله، وهي:

وقد بَكَرَتْ تلومُ على خموليكأنّ الرزق يجلبُه احتيالي
تُقَدِّرُ أنني بالحرْصِ أَحْوِيالثراءَ وذاكمُ عَيْنُ المُحَال
تقولُ إذا رأت إرشادَ قوليهُبِلْتَ ألا تَهُبُّ إلى المعالي
ومَنْ لم يعشق الدنيا قديماًولكن لا سبيلَ إلى الوصال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»
فلو أَدليتَ دَلْوَك في دلاءٍمَتَحْتَ به من الماء الزُّلال
وكم أدليتُ من دَلْوٍ ولكنبلا بَلَلٍ يُرَدُّ على قَذَالي
وكم عَلَّقْتُ أطماعي رَجاءًبخُلَّبِ بارقٍ وَوَميض آلِ
فلا أنا بالكفاف النَّزْرِ راضٍولا أنا عن طِلاب الكُثْرِ سال
ولكنْ ذاكَ من قَبْلِ اعتماديعلى عبد العزيز أَبي المعالي

يعني الجليس بن الحباب.

ومنها:

أَصِخْ وأَجِبْ إجابة أَلْمَعيٍكما خُلِقَ اللَّهاذِمُ للعَوَالي
وكم مَنْ سادَ قبلكمُ اتفاقاًفلم أخْطِرْ سيادَته ببالي
فلِمْ يا سادتي أَقْصَيْتُمُونيوفي الإقصاءِ عُنْوَانُ الملال

ومنها يعرض بهجو بعض أصحاب الدواوين:

من أجل الغَنَاءِ أَحَلْتُمُونيعلى بَغَّاءَ ذي داءٍ عضال
يكلفني مع البَرْطِيل.....وذلك بيننا سبب التقالي
فما لي ما لَهُ فيهِ مجالٌو...... ليس بفضل عن عيالي

ومنها:

وكُتّابٌ لهمْ أبداً حُمَاتٌتُعَدُّ لها الرُّقَى مثل الصِّلالِ
وكلهمُ يجرُّ إليه نفعاًفعادتُهُ احتجابي واعتزِالي
بأيدٍ تبتدرْن إلى الرَّشاويكأيدي الخيل أَبْصرَتِ المَخَالي
ولستُ أزُورهمْ إلا بشعرِأُنَمِّقُهُ وذلك جُلُّ مالي
فأَغْشَى بالمِحَال الصِّرْفِ منهمجالسَهُمْ فأرجعُ بالمُحَالِ
وكم قبَّلْتُ من كفٍ ولكنيهونُ على مُقَبَّها سِبَالي
وأحضرُ من ركابٍ في ركابٍإلى أن خَفَّ من ثِقْلٍ طحالي
وأثَّرَتِ السنابكُ فوق رجليبوَطْءِ نعالِها مثلَ الهلال
وهذا يَسْتَطِيل عليَّ زَهْواًوذاك يُعِلُّني كأسَ المِطال
وقد علموا وإن لم يصرفونيببأسٍ أنْ سيصرفني مَلالي
وحالي كلَّ يوم في انتقاصومن باب التمحُّلِ قولُ حالي

من قول عبد المحسن الصوري:

أَقُلْ حالي وإنَّ مَقَال حاليلمن قُبْحِ الحلِّي بالمُحَال
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «أقل حالي وإن مقال حالي»

ومنها:

فيا عُمَرَ الحوائجِ قُمْ بأمريفقد نَبَّهْتُ منكَ أَجَلَّ كالي
فها أنا قد رجعتُ إلى ذُرَاكمْفمنهُ نَشْأتي وله مآلي
وعُدْتُ كما عهدتَ من اتصاليلكم عَوْد النِّصال إلى النِّبال
فإن أُبلغْ بكم أَملي فإنيرَجَوْتُ الرِّيَّ من سُحُبٍ ثقالِ
وإن أُحْرَمْ فقد أبلغتُ عذريفإنّ الذَّنْبَ للأيام لا لي

وله في الهجو:

من كان ذا نِحْلَةٍ يُعَجَّلُهَافالشعر حَظِّي من سائر النِّحَلِ
إن لم يُنِلْنِي حَظّاً بحرفتهِفكم شَفَى غُلَّتي من السِّفَلِ

وله من أول أبيات:

طالَ ليلي فيك يا بَدْرَ الدُّجَىأَرْتجي منك الذي لا يُرْتَجَى
لا أرى أن أشتكي ما حلَّ بييَأْمُرُ الشوقُ وَيَنْهَاني الحِجَى
يا مُعِيرَ الغُصْنِ قَدّاً أَهْيَفاومُعِيرَ الظّبْيِ طَرْفاً أَدْعَجَا
علِمَتْ عيناك عذري فيهمافأقامتْ ليَ فيك الحُجَجَا

وله يستهدي شعيراً:

إليك ابْنَ إبراهيم راحةَ مُشْتَكٍلِنَفْثَةِ مَصْدورٍ شكا حَرَّ صدرِهِ
تكنَّفَهُ الحرمانُ حتى لو انهسَرَى يستميح الغيثَ ضَنَّ بقطره
وأصعبُ ما يُمْنَى به في مقامهِشِرَاهُ شعيراً في تقلُّص سِعره
ويقصُرُ عن تكليف ذلك وَجْدُهوأنَّى له ذكرٌ يَفوهُ بذكرهِ
فجُدْ لي بهِ وارحمْ فديتُك شاعراًقُصَارَاهُ أن يُجْزَى شَعيراً بشِعره

وله في أمير يعرف بابن كازوك، ولي المشارفة بالغربية، وعزله عن شغله من قصيدة:

أيها المخلصُ المكينُ ومن كفَّاهفي كل أَزْمَةٍ يَكفَانِ
بَانَ عَنَّا أهلُ المحبة واعْتَضَنَابأهل البغضاءِ والشَّنَآنِ
نحن أَشْقَى بَخْتاً وأتعسُ حَظّاًإذ قضَانا بصَفْقة الخُسرَانِ
وأخسُّ الورَى وأهونُهم بينالرعايا قَدْراً على السلطان
إذ رعانا بأَبْغَضِ الخلق مذ كانَ وكانوا لكل قاصٍ ودانِ
رجلٌ صِيغَ من حَماً شِيب بالشِّرَّةِخَلْطاً والشؤمِ والخذلان
والزِّنَأ والبِإاء والجهلِ والإفْكِوسوء الطباع والبُهْتان
ما ظنَنَّا من قبله أننا نلقىجميعَ السَّوْءَاتِ في إنسان
يتلقَّاك كالحاً عابسَ الوجهبقلبٍ خالٍ منَ الإيمان
وله إخوةٌ وأفعالهم في المال فعلُ الذئاب بالحُمْلانِ
حَرَّ قلبي على مثوليَ بالبابِ وقَوْلي لصاحب الديوان
أيها الألمعيُّ أعوزك الرُّعْيَانُحتى استُرْعِيتَ بالذّؤبان
أي شيء غالَ الكفاةَ من الكُتَّابِلولا عوائقُ الحرمان

ومنها:

صاحبُ الخيل والجواشِنِ وَالبَيْضِوبيضِ الطُّلاَ وسُمْر اللِّدَان
مالَهُ والنكُولَ عن سفر الشام وصَدْم الأقران بالأقران
وَطِلاَبَ المشارفاتِ وتحقيقَبقايا العُمَّالِ والخُزَّان
ليس هذا إلا لأنَّ الخراف البيضَ في ريفنا بلا أَثْمان
والرحيقَ الذي عهدناهُ لا يبتاعُ إلا بالنَّقْدِ أو بالرِّهان
يُجْتَلَى في الكؤوس صِرْفاً مع المُجَّانِوالمُسْمِعاتِ بالمَجَّانِ
والإجابات للمآدب أَشْهَىللفَتى من إِجابة الديوان
وطِلاب الدليل بالرَّسْم أَوْلَىمن طلابِ البرازِ للفُرْسانِ

ومنها:

فاتركونا معاشرَ الجند واغْنَوْابِدَرُورِ الأرزاقِ كلَّ أوانِ
والولاياتِ والحماياتِ والغُرْم وأخذ الأَجْعَال من كل خانِ
والمعاصير والسواقي وتَسوِيغِ الضِّياع المُفَرَّدَاتِ الحسان
وارتعوا في جَزُورِ ذي الدولة الهامي نَدَاها في أطيب اللُّحْمَانِ
واشْغَلُونَا بما به يُشْغَلُ الهرُّلنَفْعٍ أو خيفةَ العُدْوَانِ
بالطِّحال المسْدودِ أو طَرَف الريَّةِأو بالمِعْلاقِ والمُصْرَانِ
واغنموا هُدْنَةً كتهويمة الركْبِ وُقِيتُمْ بها من الحِدْثَانِ

وله من قصيدة:

ألا هكذا فليسْعَ من كان ساعياًويَرْقَ إلى العلياء من كان راقيا
ويبلذل محبوباً من النفس غَالياًليُحْرِزَ مطلوباً من الحمد عَالِيا

وله من قصيدة:

كَتَمَ الغرامَ ولم يَدَعْهُ لسَانُهُفَوَشَتْ بسرِّ جَنَانه أَجْفَانُهُ
رَشَأٌ أُعانِقُ من رشاقةِ قَدِّهِرُمْحاً وسودُ المقلتين سِنَانُهُ

ومنها يستهدي فرساً:

وأعِنْ على سفَري إليك بأَجْرَدٍطاوٍ يضيق بجرْيهِ مَيْدَانُهُ
جذلانَ ينفض مِذْرَوَيْهِ كما مشىللسكر طافحُ سلْسَلٍ نَشْوَانُهُ
يعدو على مَهَلٍ فتحسب أنهبازٍ طَوَى بُعْدَ المَدَى طَيَرَانُهُ
ويروحُ يوم السَّبْق مُجْريهِ علىثِقَةٍ بأنَّ له يُحازُ رِهانُهُ
والنفسُ توقنُ أنني سأعود عنهذا المقامِ وفي يديَّ عنانُهُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.