من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ظافر الحداد من أهل الإسكندرية، أبو منصور ظافر بن القاسم الجروي الجذامي
كنت سمعت به قديماً، وأنشدني له الشريف أحمد ابن حيدرة الحسيني الزيدي سنة خمس وخمسين قال: أنشدني ظافرٌ الحداد لنفسه وهو قريب العصر غريب النظم والنثر:
لا فرقَ بينكمُ وبين فؤاديفي حالِ قربي منكمُ وبِعادي
فلقد حَبَبْتُكمُ على عِلاَّتِكمْكمحبَّةِ الآباءِ للأولادِ
ونزلتمُ مني وإن لم تُنْصفوابمنازلِ الأرواحِ في الأجسادِ
ورجوتُ سُلواناً بسوءِ صنيعكمعندي فصارَ ذَرِيَعةً لودادي
قد كنتُ أطمعُ بالخيال لو انكمْلم ترحلوا يوم النَّوَى برُقَادِي
قال: وأنشدني لنفسه:
بمنازِل الفُسْطاطِ حَلَّ فؤاديفارْبَعْ على عَرَصَاتهِنَّ ونَادِ
يا مصرُ هل عَرَضَتْ لغصنٍ فوقهقَمَرٌ برَبْعكِ إِرْبَةٌ لمَعَادي
تَرِفٌ يُمَيِّلُهُ الصِّبا مَيْلَ الصَّبَابقوامِ خُوطِ البانةِ الميَّادِ
أَتُرَى أنالَ النيلَ بعضَ رُضَابهِفعَذُبْنَ منه مياهُ ذاك الوادي
فأفادَ منه الطعمَ لكنْ شُرْبُ ذايُرْوي وذاك يَزِيد كَرْبَ الصَّادي
واهاً على تلك الديار فإنهاأوطانُ أحبَابي، وأَهل ودادي
ولقد أَحِنُّ لها ولَسْنَ منازليوأَوَدُّهَا شَغَفاً، ولَسْنَ بِلادي
دِمَنٌ لبستُ بها الشبابَ ولِمَّتيسوداءُ ترفلُ في ثيابِ حِدَاد
والعيشُ أَخضرُ، والديارُ قريبةٌوأَبيتُ من أملي على ميعاد
والقلبُ حيث القلبُ رَهْنٌ والظُّبضاحَدَقُ الظِّبَاءِ الغِيدِ قَيْدُ الغادي
شَتَّتُّ شَمْلَ الدَّمْعِ لما شَتَّتُواشملي، وصحتُ به بَدادِ بَدادِ
فالآن تخترقُ الجفونُ عُبَابَهما بين مَثْنَى تَوْأَمٍ وأُحَاد
قَاني المَسِيلِ كأنَّ فَيْضَ غُرُوبهِفوقَ الخدود عُصارةُ الفِرْصَادِ
قال: وأنشدني أيضاً لنفسه:
هذا الفراقُ وهذه الأظعانُهل غيرُ وقتك للدموع أوانُ
إن لم تُفْضْها كالعَقيقِ فكلُّ ماتدعوه من سُنَنِ الهوَى بهتانُ
هذا الغرامُ على ضميركَ شاهدٌعَدْلٌ فماذا ينفع الكتمانُ
إن كنت تدَّخِرُ الدموعَ لبَيْنِهِمْفالآنَ قد وقَع الفراقُ وبانوا
عُذْرُ المتيَّمِ أن يكون بقلبهِسَقَرٌ وبين جفونه طُوفانُ
ولقيت ببغداد الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري الإسكندري في سنة ستين، وذكر لي أنه كان من ظرفاء الشعر وفصحاء الأدباء، انتهت به الحال إلى أن صار من شعراء مصر، وله ديوان مشهور، وبالجودة له مشهود. قال: أنشدنا بعض أصحابنا بالإسكندرية لظافر:
ولي همَّةٌ تَبْغِي النجومَ وحالةٌتُصَحِّفُ ما تَبْغيه فَهْوَ لنا ضِدُّ
إِذا رَفَعَتْنِي تلك، تخفضُ هذهفكلُّ تناهٍ في إرادته الحدُّ
فما حالُ شخصٍ بين هاوٍ وصاعدٍوليس له عن واحدٍ منهما بُدُّ
تولَّتْنِيَ الأرزاءُ حتى كأنمافؤادي لكفَّيْ كلِّ لاطِمَةٍ خَدُّ
قال: وأنشدني صاحب بالإسكندرية، قال: وصل إلى أبي كتاب من ظافر، وفيه:
وَصل الكابُ فكانَ موقعُ قربهِمني مواقعَ أَوْجُهِ الأحباب
فكأَنه أَهدى أَجلَّ مآربيحتى لقاءَك ثُمَّ عَصْرَ شبابي
وقرأتهُ وفهمتُ ما فيهِ فيالله ما يَحْويه من آداب
فجزالةُ العلماء في أثنائهممزوجةٌ بحلاوةِ الكُتَّاب
أقول: ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري، والله له غافر. حداد، لو أنصف لسمي جوهرياً، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلىء حرياً، أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية رياً، فيا له ناظماً فصيحاً مفلقاً جرياً.
ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت بأفاضل دولته كالقاضي الفاضل، ونجم الدين بن مصال، رأيتهم يثنون على ظافر. وأنشدني له قصيدة خائية وقصيدة رائية، وأنشدني مهما، ووعدني بهما بعض الأفاضل.
ومن شعره:
في لحظها مَرَضٌ للتِّيه تحْسَبُهُوَسْنَان أو فقريبَ العهد بالرَّمَدِ
تريك ليلاً على صبحٍ على غُصُنٍعلى كثيبٍ كموج الرَّمْلِ مُطَّرِدِ
ومنها:
كأنَّ أَنْجُمَها في الليل لائحةًدَرَاهِمٌ وَالثُّرَيَّا كَفُّ مُنْتَقِدِ
ومنها:
وبِتُّ أَلْثُمُهَا طَوْراً وَأُشْعِرُهَافِعْلَ الهوى بي وقَدْ نَأمَتْ عَلَى عَضُدِي
ومن شعره:
وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحَهُوأَعدمه وَكْراً وأَفْقَدَهُ إِلْفَا
تذكَّرَ رَعْياً بين أَفْنَانِ بانةٍحَوَافِي الخَوَافِي ما يَطِرْنَ به ضَعْفَا
إذا التحفَ الظَّلْمَاءَ ناجى همومَهُبترجيع نَوْحٍ كاد من دِقَّةٍ يخفى
بأَشْوقَ مني مذ أَطاعتْ بك النوىهوائيةٌ مائيةٌ تَسْبق الطَّرْفا
تولَّتْ وفيها منكَ ما لو أَقِيسُهُبباقي الوَرَى ما كان في وصفه أَوْفَى
وله
رحلوا ولولا أننيأَرْجو الإِيابَ قضيتُ نحبي
والله ما فارقتهمْلكنَّنِي فارقتُ قلبي
ولظافر من قصيدة أوردها ابن بشرون في المختار يصف فرساً:
خاضَ الظلام فاهتدى بغُرَّةٍكوكبُها لمقلتيهِ قَائِدُ
يجاذبُ الريحَ على الأرضِ ومِنْقلائِد الأفْقِ لهُ قَلائِدُ
ينصاعُ كالمرّيخ في التهابِهِوأَنْتَ فوق ظهرهِ عُطَارِدُ
ومنها:
تُعْطي وأنت معدمٌ وإنمايعطي أخوك الغيثُ وهْوَ وَاجِدُ
وله في قصر الولاية بالإسكندرية:
كم قد رأيتُ بهذا القصر من مَلِكٍدارتْ عليه صروفُ الدهرِ فاخْتُلِسَا
كأنه والذي قد كان يجمعُهُطيفٌ تصوَّرَ للرَّائي إذا نَعَسَا
وله في ابن حديد قاضي إسكندرية يهنئه بشهر رمضان:
شهرُ الصيام بكَ المهنَّاإذ كان يشبه منك فَنَّا
ما سار حولاً كاملاًإلا ليَسْرِقَ منك مَعْنَى
وينالَ منك كما ننالُ ويستفيدَ كما استفدنا
فرأى هلالَكَ من محلّهلاله أَعْلَى وَأَسْنَى
بهرتْ محاسنُكَ الوَرَىفأعادت الفُصَحَاءَ لُكْنَا
وإذا مَدَحْنَاكَ احتقرْنا ما نقولُ وإن أَجَدْنا
والفضلُ أَجمعُ بعضُ وَصفِكَ فهْو غايةُ ما وَجَدْنَا
إنَّ الَّذِي صَدَحَ الحمَامُ به ثناؤُك حين غَنَّى
وأَظُنُّ ذلك مُوجِباًطرَبَ القضيبِ إذا تَثَنَّى
فتهَنَّ شهرَكَ واسْتَزِدْبقدومه سَعْداً ويُمْناً
فمكانُهُ من عامِهِكمكانِكَ المحروسِ مِنَّا
وله في الغزل:
وصادحٍ في ذُرَى الأغصان نَبَّهَنيمن غَفْوةٍ كان فيها الطيفُ قد طَرَقَا
فكان بين تلاقينا وفُرْقَتِنَاكما تَبَسَّمَ بَرْقٌ غَازَلَ الأُفُقَا
فقلتُ لا صحتَ إِلاَّ في يَدَيْ قَرِمٍغرثانَ يوردُ منك المُدْيَةَ العَلَقَا
وقمتُ أنتزعُ الأَوكار من حَنَقٍمِنِّي وأَستلبُ الأَغصان والورَقا
لو نَاحَ للشوقِ مثلي كنتُ أَعْذِرُهُلكنه مَوَّهَ الدعوى وما صَدَقَا
ومنها:
لولا ليالٍ لنا بالبانِ سالفةٌكَرَرْتُ من زفراتي فيه فاحْتَرَقَا
وله مما يُغنى به:
عتبتُ ولكنني لم أَعِوأين ملامُك من مسْمَعي
وما قَدْرُ عَتْبِكَ حتى يزيلغراماً تَمَكَّنَ من أَضْلعي
وما دامَ لومُكَ إلا وأنتتَقْدِرُ أَنَّ جَناني معي
مَضَى كي يودِّعَ سكَّانَهغداةَ الفِراق فلم يَرْجع
فُؤاديَ في غيرِ ما أنت فيهِفَخُذْ في ملامتهِ أو دَعِ
وله
أَفي كلِّ يومٍ لي لدى البَيْنِ حَسْرةٌكأَنَّ الهوى وَقْفٌ عليَّ خصوصُ
نَأَوْا فالأسى يُجْري غُروبَ مدامعيعلى الخدِّ حتى كدتُ فيه أغوصُ
أَلومُ غُرابَ البَيْنِ عند فراقهموما البينُ إلا مَرْكَبٌ وقَلُوص
لهم في استراقِ القلب باللَّحْظ عادةٌفواعجباً حتى العيونُ لُصُوصُ
وله في الهرمين والصورة المعروفة بأبي الهول:
تأمَّل بنْيَةَ الهرمين وانظرْوبينهما أبو الهولِ العجيبُ
كعمَّارِيَّتَيْنِ على رحيلٍلمحبوبين بينهما رقيب
وماءُ النيل تحتهما دموعٌوصوتُ الريح عندهما نحيبُ
وله في حمام:
حمَّامنا هذه حِمامُوإنما حُرِّفَ الكلامُ
تجمعُ أوصافَها ثلاثٌالبَرْدُ والنَّتْنُ والظلام
وله من أبيات:
فتميسُ الغصونُ زهْواً إذا غَنَّتْعليهنَّ مُطربات الطُّيورِ
وكأنَّ المياهَ في الجدول الجاري حسامٌ في راحَتَيْ مذعورِ
وله أيضاً:
وصبيحةٍ باكرْتُهَا في فتيةٍأضحتْ لكل نفيسةٍ كالأَنْفُسِ
والبدرُ قد ولَّى بعَبْسَةِ راحلٍوالصبحُ قد وافى ببِشْرِ مُعَبِّس
والنَّوْرُ قد أَخفى النجومَ كأنهسَيْلٌ يَسيلُ على حديقةِ نرجس
وله في الزهد والحكمة:
أُوصيكَ بالبعدِ عن الناسِفالعزُّ في الوَحْدَةِ والْيَاسِ
ووحدةُ الصَّمْصَامِ في غِمْدِهِخَصَّتْهُ بالعزَّة في الباسِ
وقوله:
هيَ الدنيا فلا يحزنْكَ منهاولا من أهلها سَفَهٌ وعَابُ
أتطلبُ جِيفةً لتنالَ منهاوتُنْكرَ أنْ تُهارِشَكَ الكلابُ
وقوله:
نَقْطَعُ الأوقاتَ بالكُلَفِوقُصارانَا إلى التَّلَفِ
أَملٌ تُرْجَى مطامِعُهُلا إِلى حَدٍ ولا طَرَفِ
تُعْجِبُ الإِنسانَ مكْنَتُهوهْو بابُ الهمِّ والأسَفِ
وهْو ديْنٌ للزمان فلايفرحِ المغرورُ بالسَّلَفِ
أَترى الجزَّارَ عن كرَمٍجودُهُ للشاةِ بالعَلَفِ
وقوله:
إذا أَذِنَتْ لك الدُّوَلُتذكَّرْ كيف تَنْتَقِلُ
فلو سَمَحَتْ بها الأيّامُ لم يَسْمَحْ بها الأجَلُ
وقوله:
كنْ من الدنيا على وَجَلِوتوقَّعْ سرعةَ الأجَلِ
آفةُ الألبابِ كامنةٌفي الهوى والكَسْبِ والأمَلِ
تخدعُ الإنسانَ لذّتُهافَهْي مِثلُ السمِّ في العَسَل
أنتَ في دنياك في عملٍوالليالي فيك في عمل
ومن شعره في المراثي: قال يعزي الأفضل بأخيه المظفر:
إذا كان عُقْبَى ما يسوءُ التصبُّرُفتقديمُهُ عند الرزيّةِ أَجدَرُ
وليس الشجاعُ النَّدْبُ مَنْ يضرب الطُّلادراكاً ونارُ الحرب تُذْكَى وتُسْعَرُ
ولكنه من يؤلمُ الثُّكلُ قلبَهُوتعروه أحداثُ الزمانِ فيَصْبِرُ
لئن عَظُمَ الخَطْبُ الشديدُ مَحَلُّهفحلمُك أَعلى منه قَدْراً وأكبر
وبعضُ الذي يحويه صدرُكَ هِمَّةٌتضيقُ به الدنيا جميعاً وتصغر
لقد زعزعتْ شُمَّ الجبالِ رزيَّةٌأَلَمَّتْ ولكنْ طَوْدُ حلمك أَوْقَرُ
بعلمك تَستهدي نفوسُ ذوي النُّهىوأنت بها قال المُعَزُّونَ أَخْبَرُ
وحكْمُ التعازي سُنَّةٌ نبويّةٌوإلاّ فمنك الحزم يبدو ويَصْدُرُ
ومنها:
لقد سَلَبَتْ كفُّ الرَّدَى منك مهجةًتَكَنَّفَهَا للحزْمِ والعزْمِ عَسْكَرُ
فويحَ المنايا كيفَ غالَتْهُ وهْيَ فيصنائعكمْ فيما يُخافُ ويُحذرُ
وتصريفُها بين الصوارمِ والقَنابأيديكم والخيلُ بالهامِ تَعْثرُ
وأنت لها نعم الذريعةُ في الوَغىإذا ضاقَ نَفْسُ القِرْن دِرْعٌ ومِغْفَرُ
وما قيمةُ الدنيا فيأسِر لفظهاجلالك؛ كلا فهي أَدنى وأحقر
ومن شعره في غير ذلك قوله في التوجع بفقد الشباب:
أَسَفِي على ردِّ الشباب الزائلِأَسَفٌ يطول عليه عضُّ أناملي
وَلَّى فلا طمَعٌ لعطْفةِ هاجرٍمنه، ولا أَمَلٌ لأَوْبةِ راحل
هذا على أنَّ العفاف وهِمَّتِيلم يُظْفِرَا حظِّي لديه بطائل
وله من أبيات:
ونفَّرَ صبحُ الشيبِ ليلَ شبيبتيكذا عادني في الصبحِ معْ مَنْ أُحِبُّهُ
وله
سأتبعُ عَزْمي حيثُ عمَّ وأَنتحيوجوهَ المنايا في ظهورِ المخاوفِ
عسَى عزَّةٌ تُنْجِي من الذلِّ، أَو غِنىًمن الفقرِن أو أَلقى الرَّدَى غيرَ آسفٍ
وله
أما والهوى لو أَنَّ أحكامه قَسْطُلما اجترأتْ أن تَمْلِكَ العَرَبَ القِبْطُ
ومنها:
وخطَّتْ على لَبَّاتِها البيضِ أَسْطُراًيكون بأطراف الوَشيج لها نَقْطُ
بأيدي رجالٍ تعرف الحربُ ضَرْبَهُمْكأنَّهُمُ من نَسْجِ عِثْيَرِهِمْ شُمْط
بِجُرْدٍ يُطير النارَ بالقاعِ رَكْضُهَاكأَنْ قد توارَى في سنابكها النِّفْط
وإِلاَّ فَلِمْ تُنْمَى المذاكي، وتنتميشفارُ المواضي، أو لِما يُرْكَزُ الخطُّ
وله
أَرى الشرَّ طبعَ نفوسِ الأَنامْيُصَرِّفها بين عارٍ وَذَامْ
فإن كانَ لابدَّ من قُرْبِهِمْفَزُرْهُمْ على حَذَرٍ واتِّهام
وما ذاك إلا كأكلِ المريضشهوتُهُ من أَضرِّ الطعام
وقد ينتهي شرُّ من لا تخافُإلى غايةٍ في الأذى لا تُرَامْ
كما يقتلُ النملُ وَهْو الضَّعِيفُشِبْلَ الهِزبْرِ البعيدِ المرام
وما للرماحِ على طولهامع البعدِ فعلُ قِصَارِ السِّهام
وله في مجدور:
قالوا مَحَا الجُدَرِيُّ بهجتَهُقَسَماً بربِّ مِنىً لقد كَذَبُوا
لكن صَفَتْ صهباءُ وَجْنَتِهِلوناً فجمَّلَ صَفْوَهَا الحَبَبُ
وله
ويوم بَرْدٍ عقودُهُ بَرَدٌلها سلوكٌ من هَيْدبِ المَطَرِ
ينثرهُ الجوُّ ثمَّ يَنْظِمُ منهالأرضَ بالزهْرِ كلَّ منتشر
فَهْوَ يحاكي الحبيبَ في اللون واللُّطْفَوعذبَ الرُّضَابِ والخَصِرِ
فالغيم يبكي، والزهر يضحك، والبروقُتُبْدِي ابتسامَ ذي خَفَر
وله
هذا الفراقُ وهذه الأظعانُهل غيرُ وقتِكَ للدموع أَوَانُ
تتناهبُ الزفراتُ قلبَكَ كلماغَنَّى على فَنَنِ الغَضَا حَنَّانُ
قد حان حَسْبُك أن تَكلَّم مُقْلَةٌ،يومَ الترحل، أو يشيرُ بنان
لكن عَدَاكَ عن الأحبَّةِ مثلُهاقَدٌّ، ولحظٌ ذابلٌ، وَسِنان
للبيضِ دون البيضِ ضَرْبٌ مثلماللسمر دون السمر فيك طعان
من كل معتقل القناةِ تخالُهُأَسَداً يلوذ بكفِّهِ ثعبان
أخذه من قول أبي بكر بن اللبانة المغربي: فقلنا الصل يتبع ضيغما. وله:
يا ساكني مصرٍ أَمَا مِن رحمةٍفيكم لمن ذهبَ الغرامُ بلُبِّهِ
أَمِنَ المروءةِ أن يزورَ بلادكممثلي ويرجعَ مُعْدِماً من قلبه
وله من أول قصيدة:
هَجَرَ العذولَ وراحَ طَوْعَ غُوَاتِهورأَى قبيح الغَيِّ من حسناتِه
ومنها:
يَبْدُو على الوردِ الجنيِّ إذا بداخَجَلٌ من التقصير عن وَجَنَاتِه
يمشي فيلقَى خصرُهُ من ردفهمثلَ الذي أَلقاهُ من إِعْناتِه
وكأنّ نَمْلَ عِذارِه قد خاف أنْيَسْعَى به فيزلّ عن مِرْآتهِ
لا تُرْعِ طَرْفَكَ خُضْرةً نبتتْ بهفمصارعُ الألباب بين نَباته
مثلُ الحسامِ يروقُ خُضْرةَ جوهرٍفي متنه، والموت في جَنَباته
من لونهِ ذَهَبٌ وأَيُّ مثوبةيحظى بها لو خَصَّني بزكاته
لا تنكرنّ السحر فَهْوَ بطرفهودليلُهُ ما فيَّ من نَفَثاتِهِ
وله
وليلةٍ باتَ فيها البدرُ يَفْضَحُناغيظاً على قَمَرِي إذ باتَ يفضَحُهُ
والروضُ يُبدي إلينا من سرائرهِمعنىً يدقّ ولفظُ الريح يَشْرَحُه
وكلما نفحتنا من أَزاهرهرَيَّا فمنَّا نسيمُ المسك ينفحَهُ
وقد تناهى بنا ضيقُ العناق إلىحدٍ كمُنْطَبقِ الجَفْنَيْنِ أَفسَحُهُ
كأنما قصدُ قلبينا لِقاؤُهُمادون الوسائطِ في أمرٍ نُصَحِّحُه
ولظافر هذا قصيدة زائية، وقع إلي منها ما أثبته وهو:
حُكْمُ العيونِ على القلوبِ يجوزُودواؤها من دائهِنَّ عزيزُ
كم نظرةٍ نالَتْ بطرفٍ ذابلٍما لا ينالُ الذابلُ المهزوزُ
فحذار من تلك اللواحظِ غِرّةًفالسحرُ بين جفونها مركوز
يا ليت شِعري والأماني ضَلَّةٌوالدهرُ يدرك صَرْفُه ويجيز
هل لي إلى زمنٍ تصرَّم عهدُهُسببٌ فيرجعُ ما مضى فأفوزُ
وأزورُ مَن أَلِفَ البِعاد وَحُبُّهُبين الجوانح والحشا مركوز
ظبيٌ تَنَاسَبَ في الملاحةِ شخصُهفالوصفُ حين يطولُ فيه وجيز
والبدرُ والشمسُ المنيرةُ دونهفالحسنُ منه يروقُ والتمييز
لولا تثنِّي خصرِهِ في رِدْفِهما خِلْتُ إلاّ أَنه مغروزُ
تهفو غِلاَلَتُه عليه لطافةًفبجسمه من طَرْزِها تطريزُ
من لي بدهرٍ كانَ لي بوصالهسمحاً ووعدي عنده مَنْجوز
والعيشُ مُخْضَرُّ الجناب أَنيقُهُولأَوْجهِ اللذاتِ فيه بروز
والماءُ يبدو في الخليج كأنهأَيْمٌ لسرعةِ سيره محفوز
والروضُ في حُلَلِ النبات كأنمافُرِشَتْ عليه ديابجٌ وخزوز
والزهرُ يوهِمُ ناظريه بأنهظهرتْ به فوق الرياض كنوز
فأَقَاحُهُ وَرِقٌ، وَساقِطُ طلِّهِدُرٌّ وَنَوْرُ بَهارِه إبريز
ومنها:
وكأنما القُمْرِيُّ يُنْشِدُ مَصْرَعاًمن كلِّ بيتٍ والحمامُ يُجِيزُ
وكأنما الدولابُ يَزْمُرُ كلماغَنَّتْ، وأَصواتُ الضفادع شِيز
يا رُبَّ غانية أَضَرَّ بقولهاأَنِّي بلفظة مُعْدِمٍ منبوزُ
فأجبتها ما عازني نَيْلُ الغِنىلكنْ مطالبةُ الحميدِ تَعُوزُ
في هذا البيت لحن، قال عازني والصحيح أعوزني وتعوز، وهذا يدل على أنه لحنةٌ
ما خابَ مَن هَضَمَ التفضلُ ما لَهُكرماً، وَوَافرُ عرضهِ محروزُ
وهذا أيضاً صوابه محرز.
وله أيضاً:
لئن أنكرتْ مقلتاها دَمَهْفمنه على وَجْنَتَيْها سِمَهْ
وها في أَناملها في بعضُهُدَعَتْهُ خِضاباً لكي تُوهِمْهْ
هذا من قول الآخر:
خذوا بدمي ذاتَ الخضابِ فإننيرأيت بعَيْنِي في أناملها دمي
إذا كان لم يجنِ غيرَ الهوىفَيُقْتَلُ بالهجرِ ظُلْماً لِمَهْ
فقالتْ بما سُقْمهُ والدموعفأظهرَ من سِرِّنا مُعْظَمَهْ
فديتكِ دمعيَ من بَثَّهُهواك وجِسْمِيَ من أسقمَه
وأنشدني القاضي أبو القاسم حمزة بن علي بن عثمان وقد وفد من مصر إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعين قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني الديباجي قال: أنشدنا ظافر الحداد لنفسه في كرسي النسخ:
نَزِّهْ لحاظك في غريب بدائعيوعجيبِ تركيبي، وحكمةِ صانعي
فكأنني كَفَّا مُحِبٍ شَبَّكَتْيومَ الفراقِ أصابعاً بأصابع
قال ابن عثمان: وأنشدنا أبو الحسين يحيى بن محمد بن الحسين الأزدي بالإسكندرية قال: أنشدنا ظافر الحداد لنفسه بمصر في العذار:
أَطْلَعَ الشمسَ من جبينك بدرٌفوقَ وَرْدٍ من وجنتيك أَطَلاَّ
فكأن العذارَ خافَ على الوردِ جَفَافاً فمدَّ بالشَّعْر ظِلاَّ
قال: وأنشدنا أيضاً لنفسه ارتجالاً وقد أحضره الأمير السعيد ابن ظفر والي الإسكندرية، ليبرد خاتماً في يده قد ضاق عن خنصره:
قَصَّرَ في أوصافك العالَمُفاعترفَ الناثرُ والناظمُ
من كنِ البحرُ له راحةًيضيقُ عن خنصرهِ الخاتَمُ
فأمر له بعطاء، فقيل له: إن كنت ذا خاطر سمح، فأنشدنا أسرع من لمح في هذا الغزال المستأنس، يعني غزالاً كان في حجر الأمير، فقال:
عجبتُ لجرأةِ هذا الغزالِوأَمْرٍ تَخَطَّى له واعتمدْ
وأَعْجِبْ به إِذْ بدا جاثماًفكيف اطمَأَنَّ وأَنْتَ الأَسَدْ
فأمر له بعطاءٍ آخر، فقال له الرجل ممتحناً: انظم في هذه الشبكة المسدولة على هذه الدار شيئاً، فقال:
رأيتُ ببابك هذا المنيفِشباكاً فأَدْرَكَنِي بعضُ شَكْ
وفكرتُ فيما جرى لي فقلتُمكانُ البحارِ يكونُ الشّبَكْ
فقال الأمير لممتحنه: دعه وإلا أخذ ما علي.
وله، وقد استدعاه بعض أصحابه إلى الجيزة وقلى له سمكاً يقال له الراي فاقترح على الغريزة من قريحته نظم هذه الأبيات الوجيزة:
أيا سيداً فقاَ أَعْلى الرُّتَبْوحازَ الجمال بأدْنَى سَبَبْ
أَمَالَكَ في الرَّايِ رأْيٌ فإِنَّله صفةً أوجبَتْ أن يُحَبْ
تَرَبَّى مع النيلِ حتى رَبَاوصارَ من الشحم ضَخْماً خِدَبْ
ولا حِسَّ للعَظْمِ في أَكْلِهِفليس على السنِّ منهُ تَعَبْ
يَرُوقُكَ نِيئاً وفي قَلْيهِفتنظرُ في حالتيهِ العَجَبْ
نصول السكاكين مصقولةوفي القَلْيِ تمويُههَا بالذهب
قال: وأنشدني لنفسه:
قدٌّ يقدُّ به القلوبَ إذا انثنىيُنبيك كيف تَأَوَّدُ الأَغْصَانُ
كالصَّعْدَةِ السمراء قد أَوْفَى بهامَنْ لَحْظُ مُقْلَتِهِ الضعيفِ سنانُ
ما خلتُ أَنَّ النارَ في وجناتهِحتى بَدَا في عارضيه دُخَانُ
وأورد له ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار قصيدة طويلة أثبت منها ما هو في صفاء النضار وأولها:
سائلِ الدارَ إن سألتَ خبيراواسْتَجِرْ بالدموع تَدْعُ مُجيرا
وتعوَّذْ بالذكر من سُنَّةِ الغدر ولا غروَ أن تكون ذَكُورا
أَفْهَمَتْنِي على قُحولِ ربُاهَافكأني قرأتُ منه سطورا
دَمُ عيني بالسَّفْح حَلَّ لدارٍلا يرى أَهلُها دماً محظورا
ومنها:
هيَ دارُ العيش العزيز بما ضَمَّتْقضيباً لَدْناً وظَبْياً غَريرا
ما تخيَّلْتُ أنها جَنَّةُ الخُلْدإلى أن رأيت فيها الحُورَا
يا لُواةَ الديوان هل في قضاءِالحُسْن أن يَمْطُلَ الغنيُّ الفقيرا
احفظوا في الإسار قلباً تَمَنَّىشَغَفاً أن يموت فيكمْ أسيرا
وقتيلاً لكمْ ولا يشتكيكمْهل رأيتمْ قبلي قتيلاً شكورا
ومنها:
نَصَلَ الحوْلُ بعدكم وأَرانيبَعْدُ من سَكْرَةِ النَّوَى مَخْمُورا
ارْجِعُوا لي أيامَ رَامَةَ إِنْ كانَ لما كان وانقضى أَنْ يَحُورَا
وشباباً ما كنت من قبل نَشْرِالشيب أخْشَى غُرَابَهُ أَنْ يَطيرا
إنْ تكنْ أَعْيُنُ المَهَا أَنْكَرَتْنيفلعمري لقد أَصَبْنَ نكيرا
زَاوَرَتْ خُلَّتَينِ مِنِّيَ إِقتاراً يُقَذِّي عيونَها وقَتيرا
كنتُ ما قد عَرَفْنَ ثم انتَحَتْنِيغِيَرٌ لمْ أُطِقْ لها تغييرا
وخطوبٌ تُحيل صبغتَها الأَبشارَ فضلاً عن أَن تُحِيلَ الشُّعورا
وافتقادي من الكرام رجالاًكان عيبي في ظلهمْ مستوراً
فارقوني فقلَّلُوني وكم كاثَرْتُ دهري بهمْ فكنت كثيرا
ومنها في التخلص:
ولقد أَبقتِ الليالي أبا الفضلفأبقتْ في المجد فضلاً كبيرا
لاحَ فينا فأقمرت ليلةُ البدر وأَعطْى فكان يوماً مَطِيرا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع