من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن الضيف
هو حيدرة بن عبد الظاهر بن الحسن بن علي الربعي الضيف.
كان من دعاة الأدعياء، الغلاة لهم في الولاء، وكان في حدود سنة خمسمائة في عهد آمرهم، وله فيه مدائح كثيرة، لدواعي لمنائح مثيرة. وقع إلي ديوانه بخطه، وكنت عازماً لفرط غلوه على حطه، لأنه أساء شرعاً وإن أحسن شعراً، بل أظهر فيه كفراً، فلم يستحق لأساءته كفراً ولا غفراً. لكنني لم أر أن أترك كتابي منه صفراً، لأن البحر الزاخر، يركبه المؤمن والكافر، ويقصده البر والفاجر، يحمل الغثاء كما يحمل الدر، والمركب فيه يجمع العبد والحر. وقد أوردت من مستحسناته كل ما يعفي على سيئاته، ويغضي به على هفواته. فمما عنيت بإثباته، من قصائده ومقطوعاته، قوله من قصيدة يعارض بها ابن هانىء المغربي:
طَلَعَتْ صباحاً مشرقاً يتهلَّلُووراءها بالوَحْفِ ليلٌ أَلْيَلُ
ودنَتْ بها شمسُ الظهيرةِ تَعْتَلينوراً وما للشمس طَرْفٌ أَكْحَلُ
وثنتْ قضيبَ الخيزرانةِ تحتهُحِقْفٌ يكاد تسرُّعاً يتَهَيَّلُ
ومنها:
فالخدُّ ضمَّخَهُ حريقٌ مُشْعَلٌوالَّغْرُ عطَّرَه رحيقٌ سَلْسَلُ
وقوله من أخرى:
هَزَّتْ كثيباً بالقوامِ مَهِيلاَوثنتْ قضيباً فوقهُ مجدولا
ورنتْ بمقلةِ جُؤْذَرٍ هاروتُهابالسحر ينفثُ بكرةً وأصيلا
ورمتْ بأسهمها فؤاداً مُدْنَفاًمنّي، وقلباً لا يزالُ عليلا
ومضتْ مودَّعةً فعَطَّرتِ الرُّبَىأَرجاً تَجُرُّ بهِ الرياحُ ذُيولا
تُهدي الصَّبا منها لطيمةَ عنبرٍونسيمُ أنفاس الشمال شَمولا
من ذمَّ أيام الفراق فإنَّ ليصبراً على يومِ الفراق جميلا
إن ودَّعَتْ فَلَثَمْتُ ثغراً أَشْنَباًورشفتُ ريقاً بارداً معسولا
وقوله من أخرى في الشيب:
لباسُ المشيبِ لخلعِ الشبابِوقربُ القتيرِ بعيدُ الذهابِ
ونَشْرُ الزمان بأحداثهِلمسطورِها طيُّ هذا الكتاب
وجدَّةُ أثوابه أَخْلَقَتْبأثوابِ عُمْرٍ بطيء الإِياب
مناسِرُهُ اختطفتْ مهجتيوأَظفاره أَنْشَبَتْ في إهابي
أَرقِّعُ منه قميصَ البياضِوأسترُهُ بسوادِ الخضاب
فإن قيلَ هذا سُخَامُ المشيبِفقلتُ: على فقدِ عصرِ الشباب
ومنها:
حنانيكَ من زائرٍ ليتهُيبدِّلُني وَصْلَهُ باجتنابِ
حِبَالةُ إِعراضِه صَيَّرَتْسكونَ الحياةِ إِلى الاضطراب
وقوله من أخرى:
فتأمَّلْ ربعاً إِذا ما خلاأهلوهُ فالوجدُ منه ليس بخالِ
ذاك مَغْنىً يُغْنيك مَرْأىً عنالسمع بتجديده الهوى وهْو بالِ
طالما أمكَنَتْ به فُرَصٌ جاذَبْتُ فيها مغازلاتِ الغزال
بين وردٍ كوردِ خَدَّيه فيالحسن وروضٍ كوجهه في الجمال
ونَدىً كالدموع في مُقَلِ النرجسِ أو فيضِ عَبْرَةٍ في دلال
يا لقومي من سحر تفتير طَرْفٍوقعُهُ في القلوب وقعُ النبال
ومنها:
كلما بَلْبَلَتْهُما راحةُ التَّجميشِهاجَتْ سواكنَ البَلْبَالِ
تحت ريحانِ طُرّةٍ جَمَعَتْ مابين شمسِ الضحى وبدر الليالي
فلهذا بالخال نقطةُ ذالٍولذاك الحُليِّ صورةُ دال
ومنها:
لهف نفسي على قضيبِ نُضَارٍيستميلُ القضيبَ بالاعْتدال
يتجلَّى أعلاهُ عن بَدْر تِمٍويباري ردفاه دِعْصَ رِمال
وعليه مجاسدٌ أَلبستهالْحسنَ من فَرْقهِ إِلى الخلخال
فإذا لاح في السواد رأَيناشمسَ دَجْنٍ أو هالةً في هلال
ومنها
ذابَ قلبي بنارهِ فجرى في الدَّمْعكالنارِ في سليطِ الذُّبَالِ
وتِلافُ الكريم في ذلةِ اللوعةِ عزٌّ وراحةٌ في كَلاَل
مثلما يُتْلِلفُ الأجلُّ جمالُ الْمُلكِأموالَه بحفظ المعالي
ذو اعتزامٍ لو أنَّه في فرندِ السيفِطبعاً أَضاء قبل الصِّقال
رَجَلٌ يسترُ الأيادي فتبديهاسِماتٌ على وجوهِ الرجال
وله أَسهمٌ حدادٌ إِذا طِشْنَيُحَرِّكْنَ راسياتِ الجبال
وقوله من أخرى:
لله أجراعُ اللِّوَى ما أَعجباولقاءُ أَبناءِ الهوى ما أَعذبا
ومنها:
وأَوانسٌ غيدٌ كأسْرابِ المَهَاوفوارسٌ صِيدٌ كأسْهابِ الدَّبَا
جعلوا حشاياهمْ متونَ جيادِهمْقد ذلَّلُوها فاستلانوا المركبا
لمعتْ بروقُ جيادِهمْ بطِرادهمحتى كأَنّ على العيون بها هَبا
واستمطروا دِيَمَ الدماءِ حوافلاًبأسنَّةٍ رَوَّتْ بهنَّ الأَكْعُبَا
تلك المنازلُ لو هَتَفْتُ بها يُرَىبعليلها نَفَسُ الرياحِ مُطَيَّبَا
فيها تُهزُّ قَناً بأشباه النَّقَاوبها تُسلُّ ظُباً بأجفان الظِّبا
وبها كواعبُ لو تسنَّمن الرُّبَىطلعتْ لنا الأقمار من تلك الرُّبَى
ومنها:
بتنا بها نجلو عروسَ زجاجةٍقد أُلْبِسَتْ ثوبَ الرحيقِ المُذْهَبَا
نَثَرَتْ عليه بالمزاجِ لآلئاًعامتْ فعادتْ كالبُرِين تَسَرُّبا
فصفاؤُه يفترُّ عنه ترقرقاًوبرودُه يزدادُ منه تلهبا
ومغرِّدٍ، لي من فتورِ جفونِهسُكْرٌ، وسكرٌ إن شدا وتطرُّبا
نَبَّهْتُهُ ويدُ الوعيم تَؤُودُهُليناً وتكسو وجنتيهِ تخضُّبا
لأَرُوضَ روضاً بالتداني مُمْرِعاًوأَزورَ مَغْنىً بالغواني مُعْشِبا
وأَشُمَّ ريحانَ الشعورِ مُطَيَّباًوأُعَلَّ خمراً بالثغور مُشَنَّبا
وأَمُصَّ رمَّانَ الصدورِ مُشَزَّباًوأَعَضَّ تُفَّاحَ الخدودِ مُكَتَّبَا
وقوله من قصيدة:
قد أطيلتْ قوادمُ اللَّكْنِ للجاهل لكنْ جناحيَ المحصوصُ
ومنها:
كَيْف طَيَّرْتُموه ف سعةِ الآفاقِ وهْو المُدَلَّهُ الْمَقصُوصُ
ومنها:
أو ليس العقودُ تجمع أسباجاً ودُرّاً واسمُ الجميعِ فصوصُ
ومنها يصف الشعر:
فتأملْ بظاهر العدل والرأفةِ مدحاً ما شأنهُ التنغيصُ
لفظه الشهدُ والقريحةُ نارٌوالمعاني دُهْنٌ فنعمَ الخَبِيصُ
ومن مراثيه قوله من قصيدة يرثي بها والده:
عادَ جفني من الدموعِ كَليلاًقَبْلَ أن أشتفي وأَشْفِي عليلا
ومنها:
وعظيمُ المصاب يشتفُّ ماءَ القلبحتى يعودَ يَبْساً محِيلا
طاحَ صبري مع الرقاد فَعُوِّضْتُ غراماً مع السُّهاد طويلا
لفقيدٍ قد كان قرَّةَ عينِ الدَّهْرِفضلاً وريقَهُ المعسولا
إِنَّ خطباً أصابنا في أبي الفتحلخطبٌ أَفاد حُزْناً طويلا
وكذا عادةُ الزمانِ إذا عادى أَصابَ الجليلُ منه الجليلا
صاحِ لا تغتررْ بعيشك في الدنياونكِّبْ عنها بزهدٍ سبيلا
فَهْيَ أُمٌّ تُذِلُّ كلَّ عزيزٍمن بَينِها كما تُعِزُّ ذليلا
وقوله من قصيدة:
غيومُ غمومٍ لا يَرِمْنَ عن الجَفْنِومُزْنُ دموعٍ هنَّ أَسْخى من المُزْنِ
ومنها:
ومن عجبٍ إرسالُ عينٍ سخينةٍعلى لوعةٍ هل يُطْفَأُ السُّخْنُ بالسُّخْنِ
وأعجبُ منها أَنْ تَفيض شئونُهاعلى ظمإٍ منها بمنبجسٍ هَتْنِ
وقوله من أخرى:
أرى الشوقَ مُسْوَدَّاً كقلبي من الأَسَىوإِنْ كانَ محمرَّاً فمن أَدْمُعِي الحُمْرِ
وقد حالَ دمعي بين نَوْمِي وناظريوحال غرامي بين قلبيَ والبِشْرِ
كأنكَ حُلْمٌ كنتَ فاستيقظتْ لهُجفونُ الردى واستأثرَتْ منك بالعُمْرِ
وقوله من أخرى:
كدأْبِكَ في الصبرِ يا ابنَ النُّهَىفكلُّ الأمورِ إِلى مُنْتَهَى
وكل امرىءٍ مُسْلِمٍ نَفْسَهُإِلى الموتِ إن شاءَه أَوْ أَبَى
نُعِدُّ، لتسبقَهُ، العادياتِفيدركنا بيسيرِ الخُطَى
ونأملُ عمرانَ أعمارنافيهدمُ آمالنا والرَّجا
وما العيشُ إلا كحُلْمٍ مضىوبرقٍ سرى، أو كظلٍ أَرَى
حياةُ الفتى مركبٌ للحِماموجثمانُهُ هَدَفٌ للبِلى
نروحُ ونغدو به ضاحكينوضِحْكُ القضاءِ علينا بُكَا
وإنَّ مُنَى المرءِ طولُ الحياة في نِعْمَةٍ كانَ أَو في شَقَا
أَلا إِنَّما الدهرُ يُملي لناومن يأْمنُ الدهر أَنّى سَطا
ومن مقطوعاته في معانٍ شتى قوله في طول الليل:
يا ليلةً عُمْرُ الزمانِ بطولها مِثْلُ القُلاَمَهْ
يُثْنِي عليَّ ظَلاَمُهَاوغرامها يثْنِي الغَمامَهْ
حتى كأنَّ نهارهايبدو به فجرُ القيامَهْ
وقوله في المعنى:
أَرَّقَ عيني شادنٌ دَنِفٌبهجره فالرقادُ مُخْتَطَفُ
والليلُ من طوله كدائرةٍلا آخِرٌ عنده ولا طَرَفُ
وقوله أيضاً في طول النهار وقصر الليل:
طال النهار على المحب كأنَّهُيومُ الحسابِ بآخرِ الدهرِ
وكأن ليلته وقد طلعتعُقِدَ العِشَاءُ بها مع الفجر
وقوله في أمرد التحى:
كنتَ حَيّاً في المُرْدِ حتى إذاعَذّرْتَ جاءَ المماتُ والتعذيرُ
مثلُ سطر العنوانِ يبدو وتُطْوَىمنه في باطنِ الكتابِ سطور
وقوله في عواد، وزعم أنه عمل في المنام:
ومسمعٍ مبدعٍ بصَنْعَتِهِيريكَ من فَضْلِ حُسْنِهِ عَجَبَا
حَرَّكَ عوداً كالرعد مُقْتَرِناًبالبرق من كفِّه إذا ضَرَبا
وقوله:
أَكْرِمْ بنفسكَ إن أَرَدْتَ العزَّ عن ذلِّ السُّؤالْ
واستغنِ عن عِدَةِ البخيلِأَتَتْ بعذرٍ واعتلال
فالطبعُ أَغلبُ للفتىوالبخلُ من لؤم الرجال
كم بين مختلفِ المقالِ وبين متَّفق الفعال
ومباعدٍ طُرُقَ النَّدىومقرِّبٍ طُرُقَ النوال
هذا يسابقُ بالعطاءِ وذا يُعَلِّلُ بالمِطال
حاز الغِنى من لا يجودُ وجاد ذاك بغير مال
وقوله يصف عدو الفرس في الميدان:
كم سابحٍ أعددتُهُ فوجدتُهُعند الكريهةِ وهْوَ نسرٌ طائرُ
لم يَرْمِ قطُّ بطرفهِ في غايةٍإلاّ وسابَقَهُ إليها الحافر
وقوله في المعنى:
كم جوادٍ يسبقُ الوهْمَ فمايقتفيهِ الوهمُ إلاّ تَبَعا
راهَنَتْ أوظافُهُ ألحاظَهُثم جاءَا غايةَ السَّبْقِ معا
وقوله:
قمرٌ لاث عليهِ مُطْرَفاًلازَوَرْديّاً رقيقَ الحاشِيهْ
وعليه صبغةٌ من حسنهفَهْيَ في كلِّ فؤادٍ ساريهْ
يضحكُ القلب إذا عايَنَهُولَكَمْ عينٍ عليهِ باكيهْ
طَرْفه جَنَّةُ عَدْنٍ أُزْلِفَتْوبخدَّيْهِ جحيمٌ صاليَهْ
نَمْنَمَ الصُّدْغان فيها طُرَراًكُتِبَتْ من ذهبٍ في غاليَهْ
شَبِهَتْه العينُ لما أَنْ بداروضةً ذاتَ قطوفٍ دانيه
أو قضيباً فوقه سَوْسَنَةٌأو هلالاً في سماءٍ صاحيَه
وقوله:
آذَنَ قلبي بالهوى شادنٌأَيْقَظَهُ من طرفِهِ الناعسِ
أَلْبَسْتُهُ الحُسْنَ رداءً لهنفسي فداءُ القمَرِ اللابسِ
غَرَسْتُ في وجنتهِ وردةًمن نظرة المسْتَرِقِ الخالسِ
فخافَ أن أقطفها خِفْيَةًبِقُبلةٍ والغرسُ للغارسِ
فمرَّ في ميدانهِ مسرعاًيا ليتني فارسُ ذا الفارسِ
الجزء الثاني
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع