تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الشريف أبو الحسن علي بن محمد الأخفش المغربي الشاعر

كنت أسمع التجار من أهل مصر وغيرهم من أهل الشام يصفونه ويطرونه، وعلى من بمصر من الشعراء يقدمونه، فإذا استنشدهم أحدٌ شعره قالوا ما نحفظه؛ لكنا لقبوله بمصر بعين الفضل نلحظه، حتى أنشدني الشريف أحمد ابن حيدرة الزيدي الحسيني شعره، فوجدت موافقاً لخبرهه خبره. أنشدني له من قصيدة في المنبوز بالآمر:

سَقَى دِمَنَ السَّفْحين للقطرِ صيِّبُوحَيَّا رُبَى حَيٍ رَبَا فيه رَبْرَبُ
فهل لي إِلى شَهْدِ اللواعسِ مَشْهَدٌوهل لي إلى شِعْب الأَحِبَّةِ مَشْعَب
وما ليَ عن شرعِ الصبابةِ مَشْرَعٌوما ليَ إلاَّ مذهبَ الحبِّ مَذْهَبُ
وفي الحيِّ رودٌ في عِذابِ وُرودِهَاعَذابٌ يُذيب العاشقين ويَعْذُبُ
على نحره يَطْفُو على الماء جوهرٌوفي خَدِّهِ تَسْعَى على النار عَقْرَبُ
إذا غَرَبَتْ في فيه شمسُ مُدَامَةٍفمشرقها من خدِّه حين تغرب
بروضٍ بديعِ الحسن أَمَّا شقيقُهُفخدٌّ وأما الأُقحوانُ فأَشْنَبُ
سَمَاءُ كَلاً للماءِ فيه مَجَرَّةٌوللوردِ شَمْسٌ والشقائقِ كوكبُ
كأَنَّ غصونَ الأيْكِ عادت منابراًبها وكأنَّ الطيرَ فيهنَّ تخطبُ
وغنَّتْ على الأوراقِ وُرْقٌ كأنهاقيانٌ بأوتارِ المعازفِ تضرب
بليلٍ من البدرِ المنير مفضَّصٍيُنَاطُ به شمسٌ من الصُّبْحِ مذهب
تعسَّفْتُهُ لمَّا تَنَصَّلَ بالضحىعن الصبح فَوْدٌ بالظلام مُخَضَّبُ
وهجَّرتِ الرمضاءُ والآلُ مائحٌكأَنَّ على أَمْواجها العيسَ مَرْكَبُ
وقد زَجَلَتْ جنُّ الفلاة بمهمهٍإذا جئتَ منها سبسباً عَنَّ سَبْسَبُ
إلى ذروةِ النورِ العَلائِيِّ إِنَّهُإلى ذروة النُّورِ الإِلهِيِّ يُنْسَب

وأنشدني له من قصيدة أولها:

متى يشتفي المشتاقُ من لوعةِ الأسىودائي دوائي، والأَسَى مَعْدِنُ الأَسَا

ومنها:

غزالٌ كحيلُ الطرف أَحوى مُفَلَّجٌتَدَرَّعَ جلبابَ الملاحةِ واكتسى
ويتلو كتابَ السحرِ من لَحَظَاتِهِكأنَّ لدين السحرِ فيها مُدَرِّسَا

ومنها:

ألا فاتَّخِذْ تلك الرياضَ منازهاًفإن أميرَ الغيثِ فيهن عَرَّسَا
وكنْ بظباءٍ الإِنس صبّاً متيماًبأشنبَ معسلِ الثَّنِيَّاتِ أَلْعَسَا
له اسمٌ متى ما شئت كَشْفَ غيوبهكما يكشف الصبحُ المبلَّجُ حِنْدِسَا
مُدامٌ وحُورٌ ثُمَّ مِسْكٌ ودميةٌفهذا اسم ظبيٍ جلَّ أَنْ يتقيَّسا

وأنشدني له في ولد نقيب العلويين بمصر الملقب بأنس الدولة وكان مقدماً على الشعراء لنسبه، وشعره نازل:

سَمَتْ بابن أُنْسِ الدَّولة الرتبُ التيتُطَاوِلُ قَرْنَ الشمسِ حتى تَطُولَهُ
يحاولُ قولَ الشعر غايةَ جُهْدِهِوتأبى له أَعراقُهُ أَنْ يَقُولَهُ
وكم قائلٍ لمَّا ذكرتُ انتسابَهلآل رسولِ الله هاتِ دليلَهُ
فقلت لهم أَقْوَى دليلٍ أقمتهعليه بأنَّ الشعر لا ينبغي لهُ

وأنشد أيضاً الأمير أسامة بن منقذ هذه الأبيات وقال: كنت في خدمة ابن عمه وهو ينشد هذه الأبيات، وأنشدني له في العذار بيتين أغرب في معناهما على الابتكار:

وكأنَّ العذار في حُمْرَةِ الخدِّعلى حُسْنِ خَدِّكَ المنعوتِ
صولجانٌ من الزُّمُرُّدِ معطوفٌ على أُكْرَةٍ من الياقوت

ما أحسن هذين البتين، لولا أنه ذكر الخد في البيت الأول مرتين. أقول: الشريف الأخفش، بسماع شعره ميت الحس ينعش، وخلي القلب يدهش، فهو كالديباج المنقش، والبستان المعرش، مذهبه في التجنيس مذهب، ونظمه في سماء الفضل كوكب، واستثقالي بتكرير الخد في وصف العذار كما حكي عن ابن العميد أنه استثقل قول أبي تمام:

جوادٌ متى أمدحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرَىمعي ومَتى ما لُمْتُهُ لمته وَحدِي

فقال: تكرار أمدحه ثقل روح، وقابل المدح باللوم وكان يجب أن يقابل بالهجاء وهذا نظر دقيق.

ونقلت من بعض التعاليق، بدمشق من قصيدة للأخفش في عبد المجيد المنبوز بالحافظ بمصر:

ذَكَرَ الدوحَ بِشَاطِي بَرَدَىوحَباباً فيه يطفو بَرَدا
والصَّبَا تمرحُ في أرجائهفتصوغُ الموجَ منه زَرَدَا
يَتمنَّى القِرْنُ أن يلبسهبين أبطالِ الوغى لو جمدا
رَكَدَتْ سارحةُ الريح بهفجرتْ خيلاً ومرَّتْ سَرَدا
ينثرُ البدرُ عليه فضةًوتذيبُ الشمسُ فيه عسجدا
رشأٌ لو لم تكن ريقتُهُقهوةً صافية ما عَرْبَدا
تحجب الكلَّةُ منه قمراًويحوزُ الدرع منه أَسَدا
قمرٌ إن هزَّ رمحاً في الوغىهزَّ من عطفيه غصناً أَملدا
ليْتَهُمْ إذ منطقوا أَعطافَهُبالثريا قلَّدُوه الفرقدا
طافَ بالراح التي لم تَدَّرِعْبحسام المزج إلا زَبَدَا
فَعَلاَها دُرُّهُ ياقوتةًذاب سقماً جسمها فاطَّرَدَا

ومنها في المديح، وقد أفضى به الغلو إلى الكفر الصريح:

صِرْفُ جِرْيالٍ يرى تحريمهامن يرى الحافظَ فَرْداً صَمَدَا
بَشَرٌ في العينِ إِلا أنَّهُمن طريقِ العقل نورٌ وهدى
جلَّ أن تدركه أعينناوتعالى أن تراه جَسَدا
فَهْو في التسبيح زُلْفَى راكعٍسَمِعَ الله به من حمدا
تدركُ الأفكارُ فيه نبأًكادَ من إجلاله أن يُعْبَدا

واقتصرت على هذه أنموذجاً لشركه، وأخرت الباقي من سلكه؛ وأنشدت له مطلع قصيدة:

عوجا بمنعرج السفحين أو رُوحَافقد قضى مَرْبَعٌ كنتم له روحا

وللشريف الأخفش من قصيدة يمدح فيها الشريف القاضي المفضل إمام ابن حيدرة بن علي قاضي بلبيس كان وأولها:

لنجرانَ، فالبرقُ الحجازيُّ أَبْرَقَاوعُسْفانَ، فالمُزْنُ اليمانيُّ أودقَا

ومن جملتها:

شريفٌ يدُ الشرعِ انتقتْ منه قاضياًفكان لهذا الدين أفضلَ مُنْتَقَى
خلائقُهُ في العدلِ تُرْضَى وتُرتجَىوسطوته في الحقِّ تُخْشَى وتُتَّقَى
إذا ما تَعَدَّى ماردٌ لسمائهأَعدَّ له نجماً من القَذْفِ مُحْرِقَا
يُثَبتُ مَنْ لَمْ يَرْقَ في ذروة العُلاَويَدْحَضُ عن عَرْشِ المعالي مَنِ ارْتَقَى
وسبَّاقُ غاياتٍ بإِبطاءِ وَثْبَةٍولم يُبْطِ بالتثبيت إلا ليسبقا
هو الغيث يَمِّمْهُ إذا كان مُمْطِراًوخُذْ حذراً منه إذا كان مُصْعِقا
وما اصفرَّ لونُ التبرِ عند اجتماعهبكفيه إلا خيفةً أن يُفَرَّقا

وآخر هذه القصيدة:

فلا طَمَحَتْ بي نحو غيركَ عَزْمَةٌولا بابٌ منك دونِيَ مُغْلَقَا

ومن شعراء بني رزيك:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.