تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهري

وأصله من دمياط وذكره أبو الصلت في رسالته وقال: محمود بن إسماعيل الدمياطي كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية. قال القاضي الفاضل توفي سنة إحدى وخمسين، وأنشدني له أشعاراً محكمة النسج كالدر في الدرج. علق بحفظي من قصدية هائية هذا البيت:

أَثَرُ المشيبِ بفَوْدِه وفُؤَادِهألجاه أَنْ يَبْغي لديها الجاها

وأنشدني له في ابن الزبير وكان أسود:

يا شبه لقمانَ بلا حكمةٍوخاسراً في العلم لا راسخا
سلخت أَشعارَ الورى كلِّهِمْفصرتَ تُدْعَى الأَسْوَدَ السالخا

وأنشدني الأمير مرهف بن مؤيد الدولة أسامة بن منقذ لأبي الفتح ابن قادوس في رجل كان يكبر كثيراً في الصلاة:

وفاترِ النيَّةِ عِنِّينِهَامعْ كَثْرَةِ الرِّعْدَة والهِزَّهْ
مُكَبِّرٌ سبعينَ في مَرَّةٍكَأنَّهُ صلَّى على حَمْزَهْ

وأنشدني قوله أيضاً:

ولائمٍ يلومنييريدُ مِنِّي تَوْبتي
يقولُ لي: الموتُ غداًفقلت: هذا حُجَّتِي

وأنشدني قوله أيضاً في طبيب:

عليلهُ منه عَلَىحالَيْ خسارٍ يَحْصُلُ
تُؤْخَذُ منهُ دِيَةٌوبَعْدَ هَذَا يُقْتَلُ

وأنشدني قوله في الهجو:

قد كنتَ علقاً نفيساًسمحاً تجودُ بنفسكْ
إِذْ جاءك الحظُّ فافخرْعلى أُبَيْنَاءِ جنسك
وإنْ تذكَّرَ قومٌحديثَ أَمْسِكَ أَمْسِكْ

وله من قصيدة:

قمْ قبلَ تأذين النواقيسِواجلُ علينا بنتَ قسِّيسِ
عروسَ دَنٍ لم يَدَعْ عِتْقُهَاإلا شُعَاعاً غيرَ ملموس
تُجْلَى علينا باسماً ثغرُهَافلا تقابِلْها بتَعْبِيس
مُذْهَبَةُ اللونِ إذا صُفِّقَتْمُذْهِبَةٌ للهمِّ والبُوس
نارٌ إلى النارِ دعا شُرْبُهَاوشَرَّدَتْ بالعقلِ والكيس
لا غروَ ما تأتيه من ريبةٍلأنها عُنْصُرُ إليس
ليس لها عيبٌ سوى أَنهاحسرةُ أَقوامٍ مفاليسِ
في روضةٍ كانت أزاهيرُهَاكأنَّها ريشُ الطواويس
فاغتنمِ اللذاتِ في دولةٍصافيةٍ من كل تَعْكيس
بقيتَ في عمرٍ فيسح المدىمن كلِّ ما تَحْذَرُ محروسِ

وله من قصيدة:

خلعتُ عذاري والتُّقَى في هواكمُفأصبحتُ فيكم مُعْجَباً بذنوبي
ومامِثْلُ هذا الحبِّ يُحْمَلُ بَعْضُهُولكنَّ قلبي في الهوى كَقُلُوبِ

وله

لما تَعَلَّقَ ظبيةًرُوداً وظبياً أَهْيَفَا
وتآلفا بفؤادِهِصار الفؤاد مُصَحَّفَا

وله

وليلةٍ كاغتماضِ الطَّرْفِ قَصَّرَهَاوصلُ الحبيبِ ولم نُقْصِرْ عَنِ الأَملِ
بِتْنَا نجاذبُ أَهْدَابَ الظلامِ بهاكفَّ الملامِ وذكرَ الصدِّ والملل
وكلما رامَ نُطْقاً في معاتبتيسَدَدْتُ فاهُ بطيبِ اللثم والقُبَلِ
وبات بدرُ تمامِ الحُسْنِ مُعْتَنِقيوالشمسُ في فَلَكِ الكاساتِ لم تَفِلِ

ومنها البيت الذي سار له:

فبتُّ منها أرى النارَ التي سجدتْلها المجوسُ، من الإبريق تسجدُ لي
راحٌ إذا سَفَك النَّدْمَانُ من دمهاظَلَّتْ تقهقهُ في الكاساتِ من جَذَل
فقلْ لمنْ لامَ فيها إنني كلِفٌمُغْرىً بها مثلما أُغْرِيتَ بالعَذَلِ

وله

أَأَحْمدُكمْ لك عندي يدٌكما انبعثَ الماء من جَلمَدِ
قَصَرْتُ على شكرها مَنْطِقاًرَطيبَ اللسانِ نَدِيَّ النَّدِى
فلا تقطَعَنْها فإني أخافُتَطيُّرَ قومٍ بقطعِ اليد

وأنشدني الأمير مرهف بن أسامة بن منقذ له:

أَكْرِمْ بقلبي للأحبَّةِ منْزِلارَبَعُوا به أَم أَزْمَعُوا مَتَرَحَّلا
جادتْهُ أَنواءُ الدموعِ فما اغْتَدَىيوماً لِمنَّاتِ الحَيَا مُتَحَمِّلا
حفظي لعهدِ الغادرين أَضاعَ ليقلباً أَقامَ غرامُهُ وتَرَحَّلا
لا يَبْعُدَنْ زمنٌ مضى لو تُشْتَرىساعاتُهُ بالعمر أَجمعَ ما غَلاَ
أَيَّامَ أَغصانُ القدودِ، قطوفُهَاتُجنى، وأَقمارُ الملاحة تُجْتَلَى
ومهفهفٍ لولا سهامُ جفونهتُصْمِي لأَدْرَكَ عاشقٌ ما أَمَّلا
كالبدرِ وجهاً والغزالِ تلفُّتاًوالحِقْف ردفاً والقضيب تَمَيُّلا
ويكادُ من طيبِ المُقَبَّلِ يَنْثَنيعود الأَراك من الثنايا مُبْدلا
إن كان يحكي البدرَ وجهاً إنهيحكيه أَيضاً في البروجِ تَنَقُّلاَ
ولقد أُديلُ من الصبابة همتيوأَشيمُ من شِيَمِي عليها مُنْصُلا
وأَصونُ عقدَ بلاغةٍ نَظَّمْتُهُعن أَن يُرَى بسِوَى عُلاكَ مُفَصَّلا
يا من تساوتْ في العلا أَقسامُهُوسما بهمته فكانَ الأَفْضَلا
أَرضٌ سعتْ قدماك فيها لا تزلْلذوي الممالك قِبْلةً ومُقَبَّلا
ونداك، كل مؤمِّلٍ ما أَمَّلاإلا تَجَهَّمَ للعُفاةِ وأَمَّلا
مَلِكٌ يلاقي الطيفَ وهْوَ مُدَرَّعٌحزماًن ويقتنصُ الفوارس أَعزلا

وأنشدني أيضاً لابن قادوس في الرشيد بن الزبير وكان أسود:

إنْ قلتَ من نارٍ خُلِقْتَ وفُقْتَ كل الناسِ فَهْما
قلنا صدقتَ فما الذيأَطفاكَ حتى صِرْتَ فحما

وله

مليكٌ تَذِلُّ الحادثاتُ لعزِّهيُعيدُ ويُبدي والليالي رواغمُ
وكم كربةٍ يوم النزالِ تكشَّفَتْبِحَمْلاَتِه وهْيَ الغَوَاشي الغَواشِمُ
تَشِيدُ بناءَ الحمدِ والمجدِ بِيضُهُوهنَّ لآساس الهوادي هوادم
رقاقُ الظُّبَا تجري بآجالِ ذي الوَرَىوأرزاقِهِمْ، فَهْي القواسي القواسم

ومن قصيدة في صفة زاهد:

إذا قائمُ السيف انثنى في مُلِمَّةًعن الفعل أَغنى وحدَهُ وهْو قائمُ
فما صَدَرَتْ عن موردِ النفس خِلْتَهَابأَغمادها وَهْي العواري العوارم

ومنها مخاطباً للزاهد:

صحائفُ أَعداها الشباب بصبغةٍفهل أنت ماحٍ ما تخطُّ المآثم

ومن محاسن ابن قادوس، في شعره العلق بالنفوس، ما استخرجته من ديوانه قوله في صفة كتاب:

مدادُهُ في الطِّرْسِ لمَّا بداقَبَّلُه الصبُّ ومَنْ يزهدُ
كأنما قد حلَّ فيه اللَّمَىأو ذاب فيه الحجرُ الأَسود

وقوله:

مَنْ عاذري مِنْ عاذلٍيلومُ في حُبِّ رَشَا
إذَا نَكِرْتُ حُبَّهُقال كَفَى بالدمع شا

أي شاهد.

وقوله في صبي لم يدرك:

سالمُ الفكر من تَخَالُجِ شَكٍمُصْبِحُ الرأي في الملمِّ البَهيمِ
يُولجُ الليلَ في النهارِ من الخطِّ بلفظٍ كمشرقاتِ النجومِ

وله من قطعة:

لقد كان جاهي عريضاً بكمفَلِمْ صار كالخطِّ لا عَرْضَ لهْ
وكم من يدٍ لك مشكورةٍوما ليَ فيها ولا أُنْمُلَهْ

وقوله في ابن العلاني المعري:

هذا ابن علاَّنيكمُ شِعْرُهُينوب في الصيف عن الْخَيْشِ
إنْ لم يكن مثل امرىء القيس فيأَشعاره فَهْو امرؤُ الفَيْشِ

وله في أقلفٍ:

وقيتَ قفاك من وقعِ القوافيوأَلفاظٍ خفافٍ كالحِقافِ
متى تُرْجى لنفعٍ أو لدفعٍوقلبُكَ مثل في غِلاَفِ

وله

لام العواذلُ مغرماًفي حبِّ مُلْهِيَةٍ وَقَيْنَهْ
ولو انهنَّ رأين تأْثيرَ الغرام به وَقَيْنَهْ

وله في مرثية:

يا فجعةً هي في الجنانِ مَسَرَّةٌلقدومهِ تختال في غُرفَاتها
إِنْ كان في الدنيا عليهِ مأتمٌفأراه عُرْس الحورِ في جَنَّاتِها

وله

يا من يكرُّ على جريحاللحظ منه مُجْهزُ
ديباج خدَّيه بسنْدُسِعارضَيْهِ مُفَرْوَزُ
وبخدِّهِ خالٌ لداثِرَةِ الملاحةِ مَرْكَزُ
قل لي ولحظُكَ صَارِمٌفي أيِّ دِرْعٍ أبْرُزُ
أَبداً بسلطان الجمال وبالهوى يَتَعزَّزُ
ويقول غِرٌّ بالتجنيوهْو فيه مُبَرِّزُ
ويَسُومني ما لا يجوزُ من الأذى فأُجَوِّزُ
لولا الوزيرُ وعدلُهُلم يُغْن فيه تَحَرُّزُ
عدلٌ يَفِيض وهمةٌتَنْهَى العذولَ وتَحْجِزُ

وله

يا أَمرداً أَرمد العينَمن دماءِ الجراحِ
يقول طرفِيَ شاكٍصدقتَ، شاكي السلاح

وله يهجو شاعراً:

لو كان ينصفُ حين ينْشِدُشعرَهُ وَسْطَ المَلاَ
صفعوه عِدَّةَ كلِّ حرْفٍ فيه لكنْ جُمَّلاَ

وله يهجو:

إِذا قال لا يعدو كلامَ ابن فاعلٍعلى أَنَّ مَحْضَ الجهل حشْوُ دماغهِ
وليس كلاماً ما يقول وإنمايجيب الصَّدا من رأسه من فراغه

وله في جارية سوداء:

وعاذلٍ محتفلٍمجتهدٍ في عَذَلي
يلومُني في ظبيةٍمخلوقةٍ من كَحَل
إنّ السَّوَادَ عِلَّةٌمن نورِ هذي المُقَل
والحَجَرُ الأسودُ لميُخْلَقَ لغير القُبَلِ
والقارُ مذ كان وعاءُ السلسبيلِ السَّلْسَلِ

وله

فإن عدتُ إلى وصلكفالألطاف مَرْجُوَّهْ
وإن لجَّ بك الهجرُفلا حولَ ولا قُوَّه

وله

حوله اليومَ أُناسٌكلُّهُمْ يُزْهى برَائِهْ
وهْو مثلُ الماء فيهمْلونُهُ لونُ إنائِهْ

وله

ابنُ فلانٍ رجلٌ صالحٌفامتحنوه واقبلوا رأئي
ارموهُ في البحرِ لكي تنظروافإنه يمشي على الماءِ

وله في ذم السواد:

أَهْوِنْ بلونِ السواد لوناًما فيه من حُجَّةٍ لناسِبْ
لستَ ترى حُمْرَةً لخدٍفيه ولا خُضْرَةً لشارِبْ

وله في فرس يستعمل في الماء:

أَأَرَدْتَها تَبْقَى وقدْكلَّفْتَها بالماءِ قُوتَا
لكنْ لشدَّةِ ضَعْفِهاما كان فيها أن تموتا

وله يهجو:

عِرْسُ هذا الفعيل مذ غرس الناكةُ فيها ... وهْي مُبَاحَهْ
أثمَرَتْ رأسُه قروناً طوالاًإنَّ هذا لمِنْ غريبِ الفِلاَحَهْ

وله

يقظانُ ملتهبُ النَّدَى فكأنّهمُغْرىً بإتلافِ النُّضَارِ مُسَلَّطُ

ومن شعره:

ذو عارضٍ كالغُرَابِ لوْناًوشاربٍ مثل ريشِ بَبْغَا

وله يهجو أنفاً كبيراً:

أنفُ الشريفِ دونه الآنافُكأنما الدنيا له غِلاَفُ

ومن شعره:

قل لمن قد مَحَضتُهُ خالص الحبِّفلم يَجْزِنِي على قدر حُبِّي
قد قَنِعْنَا بمنظرٍ يُطفْىءُ الوجْدَولفظٍ يُلْهِي الفؤاد ويُصْبِي
ما أُحِبُّ الوصالَ إلا لهذافبقلبي أحبكم لا

وله في رجل كبير الأنف:

عليك لا لك أنفٌ ظلَّ مُشتَرِفاحتى غَدَا بنجوم الأُفْقِ مُلتَصِقَا
فلا تقُلْ خلقةُ الله ازدريْتَ بهافقد يعاذُ به من شرِّ ما خَلَقا

وله في المعنى:

كأنه السدُّ الذي بيْنَناوبيْنَ يأْجوجٍ ومأْجوجِ

وله في المعنى أيضاً:

ورُبَّ أنفٍ لصديقٍ لناتحديدهُ ليس بمعلومِ
ليس على العرشِ له حاجبٌكأنه دعوة مظلوم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.