من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الفقيه البليغ أبو عمران موسى بن علي السخاوي
من الأعمال الغربية بمصر، وسكنه الإسكندرية. ذكره لي الأمير عز الدين محمد بن مصال في سنة سبعين وأثنى على فضائله وقرظها، وأنشدني من أشعاره التي حفظها، وذكر أنه الآن شاعر تلك المدرة، وبسماع قلائده جلاء الأفهام الصدئة وصفاء القرائح الكدرة.
فمن قصيدة له قوله:
هذي ديارهمُ وتلك نوارُنأت النوى وتدانت الأوطارُ
فأَرِحْ متونَ العيسِ من دَوِّيَّةٍتسري الرياحُ بأرضها فتحار
يتجشَّم المشتاقُ شمَّ ترابهاويضلُّ فيها الكوكبُ السَّيار
ومنها:
ولرب موحشةٍ قطعتُ ومؤنسيطِرْفٌ أَغَرّ وكوكبٌ غَرَّار
وذكر بعد ذلك ليلة، ووصفها إلى أن قال:
حتى استجاشَ على نَجَاشيِّ الدُّجىمن قيصريِّ السُّدْفَةِ الإِسْفَارُ
وأتى بزي الترك يَرْفُلُ في قَبَاوالشهبُ حول جيوبه أَزْرَارُ
ومنها:
هذا هو الخبرُ اليقينُ فإن تُرِدْعِلْماً فعند جُهَيْنَةَ الأَخبارُ
وكان الممدوح قد أوقع بعرب الصعيد ومن جملتهم جهينة.
ولما وصلت إلى القاهرة سنة اثنتين وسبعين دخلت إلى القاضي الفاضل يوماً وعنده للبليغ السخاوي قصيدة قد مدحه بها في جمادى الأولى وهي جامعة للإحسان فتأملتها، وهي:
أَغْضَى وأَذْعَنَ حين عَنَّ الرَّبْرَبُحتى تَصَيَّدَهُ الغزالُ الأَشْنَبُ
فطوى حشاه على جَوَى جَمْرِ الغَضَامما جنى من جمرةٍ تتلهَّبُ
وصَبَا فأشْرَاه الغرامُ وذادهعن وِرْدِه وهو الهزبرُ الأَغْلَبُ
وصبتْ إِليه من الصبابة لوعةٌتُغْرِي بكلِّ مُحَرَّبٍ لا يُغْلَبُ
وهي التي ما زال يجنى حُلْوَهَامن مُرِّها فعذابُها مُسْتَعْذَبُ
ويمدها من كل أَحْوَى أَحْوَرٍما منه يرتاع الكميُّ المُحْرَبُ
إِني على أَنِّي الأبيُّ فؤادُهُفالرعبُ مما ليس منه يَقْرُبُ
أدنو وأشجع إذ دَنَتْ أُسْدُ الشرىوتعنُّ لي العِينُ الحسان فأَرْهَب
وأَميلُ من خجل إِلى وجلٍ بهأُضْنَى فذا يكسو وهذا يَسْلُبُ
وأهابُ من أهوى فأستجدِي كمااسْتَجْدَى لفضلِ الفاضلِ المُسْتَصْعِبُ
المستبدُّ بكل فضلٍ فضلُهُفجنابه المأمولُ أخضرُ مُخْصِبُ
والمسترقُّ حرائرَ الشِّيَمِ التيأبداً تُصَانُ عن الأَنام وتُحْجَبُ
مُتَحَسَّدٌ من لفظهِ وبلاغةٍطَفِقَتْ بأبكار المعاني تَثْعَبُ
كالنارِ إلا أنها لا تنطفيوالبحر إلا أنه لا يَنْضَبُ
وعليه من نورِ السكينةِ حُلَّةٌوَثِقَ الزمانُ بأَنَّها لا تُسْلَبُ
يَسِمُ اليراعة بالبراعةِ وَسْمَةًعند الخطوب وحين يُعْرِرُ يُغْرِبُ
ويقولُ إلا أنه القولُ الذيأَعيا وأعجزَ فَهْوَ لا يُتَعَقَّبُ
أَضحى على سحبانَ يسحَبُ ذيلَهُتيهاً وعن إعراب يَعْرُبَ يُعرِبُ
وحسامهُ القلمُ الذي لم يُمْضِهِإلا وذلَّ له الحسام المِقْضَب
عارٍ وليس بمُحْرِمٍ، ومُنَطَّقٌتلقاه وَهْو أصمُّ أبكمُ يَخطُبُ
يَقْرِي بريقته المنايا والمنىأبداً ويُرْضِي إذ يُهَزُّ ويُغْضِبُ
كالحية النضناضِ إلا أنهيَسْعَى فيُرْجَى حيث كانَ ويُرْهَب
وتراه يصمتُ حين يُرجى راجلاًأيداً وينطق راكباً إذ يَشْرَبُ
ويظلُّ ينظرُ من ظلامٍ في ضُحىًفكأنما لحظُ النهار الغيْهَبُ
واشٍ بمكنون الضمير وعلمُهُعنه وعن فِطَنِ الأنام مُغَيَّبُ
فإذا وَشَى وشَّى المهارقَ أحرفاًهن الرياض أصابهن الصَّيِّب
ومنها:
وإِذا الكرام الكاتبون تصفحُّواصفحاتهِ كُتِبَتْ رَضُوا ما يكْتُبُ
وتشرَّفَ الخطُّ الأَصيلُ بأنَّهُيُعْزَى إِلى عبد الرحيم ويُنْسَبُ
فلذاك سالَمَهُ الزمانُ ولم يكنإلا على أحكامه يتقلَّبُ
وتقاصرت هممُ الرجالِ عن الذيلم يرضَ مركبَه وعما يَرْكَبُ
وعَنَتْ له الدنيا ودانت وهْيَ إذْمَلأَتْ يَدَيْهِ بعضُ ما يَسْتَوْجِبُ
وذكرها جميعها وهي طويلة.
قال: وسمعت الملك الناصر يثني على بلاغته، وبديهته في براعته، وأنه سمي بليغاً لنثره الذي هو أحسن من شعره. وتوفي فجأة وجد ميتاً في فراشه في منزله في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع