من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأعز أبو الفتوح المعروف ب ابن قلاقس
وهو نصر الله بن عبد الله بن علي بن الأزهري ذكر لي نجم الدين بن مصال أنه كان من أهل الإسكندرية وقاد الخاطر، ذا الفضل الوافر، مات بعيذاب عند رجوعه من اليمن ولم يبلغ عمره ثلاثين سنة.
أنشدني له من أبيات يصف أمراضه:
نُكِّسْتُ في الأمراض بعدَ إفاقتي نكسَ الهلالِ
والراسُ مثل الكاس لولا علة نالَتْهُ خالي
وأنشدني له من قصيدة:
لا تثنِ خدَّكَ إن الروض قد جِيدَاما عطَّرَ القطرُ من نوَّارهِ جِيدا
ومنها:
وقف أَبُثُّكَ ما لان الحديدُ لهفإن صدقتَ فقل: هل صرتَ داودا
ومنها:
يا ثعلبَ الصبح لا سرحانَ أَوَّلِهِخذِ الثريَّا فقد صادفْتَ عُنْقُودا
وله:
ما ضر ذاك الريمَ أن لا يَريمْلو كان يرثي لِسَليمٍ سَلِيمْ
ومنها:
تراهُ لما أن غدا روضةًأعلَّ جسمي كي أكونَ النسيم
رقيمُ خدٍ نامَ عن ساهرٍما أَجدرَ النومَ بأَهلِ الرقيم
وله من أخرى:
فهمتُ عن البارق الممطرحديثاً ببالكَ لم يَخْطُرِ
يقول سهرتَ فأجرِ الدموعَوإِلا فإنَّكَ لم تسهرِ
ومنها:
فيا عَبْلَةَ الساقِ لا أَشتكيإليك سوى وجديَ العَنْتَري
ثم ظفرت بكتاب الزهر الباسم من أوصاف أبي القاسم، وهو بعض القواد بجزية صقلية فاطلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه. فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب، كلامٌ أصفى ديمةً من در السحاب، وأوفى قيمةً من در السخاب. فمن ذلك: هذا كتابٌ نظمت فريده في عقد الكرم، وجلوت فرنده في عضب الهمم، واستخلصت بنار الطبع تبره، وشحذت من لسن الذهن نبره، وأنبت في روض الشرف أزاهره؛ وأثبت في سماء العز زواهره، ووسمت عواتق المجد بحمائله، ورقمت دمائث الحمد بخمائله، ناضرة مشرقة اللألاء، بل مشرفة الآلاء. وهذا السيد الأيد وإن عظم سوره، وكبر صوره؛ وشرف نسبه، وظرف نصبه، واجتلى من مجالس الفضل، ومغارس النبل منتدى صدور إيوانها، ومبتدأ سطور ديوانها، فإن مثلي وإياه كراعي سنين عجاف، وداعي مسبتين لا يجاف، طواه إدقاع، وأجراه صفصف قاع، فاحتل بوهد، رهين جهد، ما له بالسحاب وأذيال السحاب من عهد، قد لفته النكباء في شملتها، وأتلفته بتفصيلها وجملتها؛ فلما يبست مراتعه، ويئست مطامعه، أتت أكيلة ليثٍ فسامها، وعنت مخيلة غيثٍ فشامها، وأصاخ ليستمع أين موقعه، وينتجع ما ينفعه، وإذا هو نبتٌن في رمل خبتٍ، قد أرضعته بدرها الأمطار، ورصعته بدرها الأزهار، واندفقت أنهاره، وسجعت أطياره، بما خرق له مخارقٌ جيب الإبداع وانحط به ابن جامعٍ عن درجة الإجماع، فوقع اختياره بما أداه إليه اختباره، على شجرةٍ أصلها في الماء، وفرعها في السماء:
يَصيفُ إلى مُرتقىً مُنْتَقَىويُشْتي إلى مُجْتَلىً مُجْتَنَى
وتأتي على حالتيْ سَوْمهالذا بالمَنُونِ وذا بالمُنَى
وهو أيده الله تلك النخلة ذات الظل المديد، والثمر الجديد، من الطلع النضيد، وأنا ذلك الراعي الذي هجر ملأه ووجد كلأه. وسائر الكرام وإن كانوا كنبقة في تلك الحديقة الأنيقة، ففي كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار.
ومنها: والعصر، إن في المصر ملكاً استملك رق المدح، واستهلك المحن بالمنح، نقل الدهر إلى نقش خاتمه، وجعل موطىء كعبه همة كعبه وباهى بنهضة من عمره نهضات عمره، وكن نقى مثار عثيره، ممن يصول كعنتره، وكم استبله في باسه ممن يضحك بإياسه. فما زال مرتع آمالي في ذراه خصيباً، وسهم مطالبي في ثغر النجاح مصيباً، وأماني لا تجد لابن ليلى دونه في بيت نصيب نصيباً.
وإنما لقيت من وعثاء السفر، ولقاء الخطر، وابتغاء الظفر، قبل حلولي بهذه الحضرة النضرة حضرة القائد أبي القاسم الأجل الذي إن ألبس قلمه المداد، عري من الفصاحة قس إياد، وأنطق طرسه الرسائل، أخرس عن الخطابة سحبان وائل. يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، ويقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب، ونهاية الصابىء أنه بألفاظه صابىء؛ حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر، والقرطي أقراط شذر، لكان هو المقرط المعلى والمقرظ المحلى ما أوجب ذاك الشكو الذي دخل بهذا الشك، وجاء بهذا الشكر. فالحمد لله حمداً تقصر الألفاظ عن حصر معانيه، ويعيي النية منتهاه عن قدر وسعها فتعانيه، وصلى الله على محمد وآله ما خفق آل، وحقق الآمال في هذا الحساب مال ومآل.
ومنها في وصف البحر إني لما تسنمت الأمواج في ذات الألواح، وتنسمت الإزعاج من ذات الأرواح، قلت السلامة إما ميلاد ومعاد، أو يوم معاد، وعجبت من حالي، في حلي وترحالي، فتشوقت الوطن والوطر، وكلفت الخاطر وصف ذلك الخطر، فقال:
لو لم يحرَّم على الأيام إِنجاديما واصلتْ بين إِتهامي وإِنجادي
طوراً أسيرُ مع الحياتن في لججوتارةً في الفيافي بين آساد
إما بطائرةٍ في ذا ورازمةٍأو في قتادٍ على هذا وأَقْتاد
والناس كُثْرٌ ولكنْ لا يقدَّرُ ليإلا مرافقةُ الملاَّحِ والحادي
هذا وَلَيْتَ طريقَيْ ما رُميتُ بهمسلوكتان لرُوَّاد ووُرَّاد
وما أسيرُ إلى رومٍ ولا عربٍلكنْ لريحٍ وإِبراقٍ وإِرعاد
أقلعتُ والبحرُ قد لانت شكائمهجداً وأقلعَ عن موجٍ وإزباد
فعَادَ لا عادَ ذا ريحٍ مُدَمِّرةٍكأنها أختُ تلك الريح في عاد
ولا أقولُ أَبى لي أن أفارقكمفحيثما سرتُ يلقاني بمرصاد
وقد رأيتُ به الأَشراطَ قائمةًلأن أمواجه تجري بأطواد
تعلو فلولا كتابُ الله صحَّ لناأن السمواتِ منها ذاتُ أَعماد
ونحن في منزلٍ يَسْري بساكنهفاسمعْ حديثَ مقيمٍ بيتُه غادِي
ومنها:
لا يستقرُّ لنا جنبٌ بمضجعهكأن حالاتنا حالاتُ عُبَّاد
فكم يُعَفَّر خَدٌّ غر مَنْعَفِرٍوكم يخرُّ جبين غير سَجَّادِ
حتى كأنا وكف النَّوْء تُقْلقنادراهمٌ قَلْبَتْها كفُّ نَقَّاد
وإنما نحنُ في أَحشاءِ جاريةٍكأنما حَمَلت منَّا بأولاد
ومنها:
يا إِخوتي ولنا من ودِّنَا نَسَبٌعلى تباين آباءٍ وأجداد
نقرا حروفَ التهجِّي عن أَواخرهاونحنُ نخبطُ منها في أَبي جاد
ولا تلاوةَ إلا ما نكررهمن مبتدا النحلِ أَو من منتهى صاد
متى تُنَوِّرُ آفاقُ المنارة ليبكوكبٍ في ظلام الليل وقَّاد
وأَلْحَظُ المُشرِفاتِ البيضُ مشرقةًكالبيضِ مشرفةً في عامِ أنجاد
وأستجدُّ من الباب القديم هَوىًعن الكنيسة فيه جلُّ إِسنادي
بحيث أَنْشُدُ آثاراً وأُنْشِدُهَافيُبْلغ العذْر نشداني وإنشادي
القصرُ فالنخلُ فالجمَّاءُ بينهمافالأثلُ فالقصباتُ الخضرُ في الوادي
متى أروحُ وأغدو في معاهدهاكما عهدتُ سماها الرائحَ الغادي
متى تقرُّ ديارُ الظاعنين بهمْوالبينُ يطلبهمْ بالماءِ والزاد
ومن النثر في وصف المركب وأهله: ثم إن البحر تخبطه شيطان الموج من مسر الريح، فلو رأيته وقد شاب في عنفوان شبابه، وشابه فروع الأطواد بأصول هضابه، والحنية تدوي بأهلها، كالخلية بنحلها، ونحن نصلي لمؤنس يونس وعلى لوح نوح، لاسترشدت رأي من آثر الجبل في العصمة وما لحقت بأبيه لولا وحي الله ﷿ ولقلت الصخر، يقي أنى حضر. هل غنى لمجنوبته عليه إلا المنية ولم يزل يدنو كالمجنون، ونداريه من الجنون، حتى كسته الرخاء ثوب وقارها، وأمسكت الزعزع عنه كاس عقارها، فصح وصحا بعد جنونه وسكره، ونطق منا بلسان المجاز بالحقيقة بعد المجاز، فوصلنا طرف الجزيرة بمسين غرة شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
بلدٌ أعارته الحمامةُ طوقهاوكساهُ حُلَّةَ ريشه الطاووسُ
فكأنما الأنهارُ منه سلافةٌوكأَن ساحاتِ الديارِ كؤوسُ
ومن شعره في الزهر الباسم قصيدة مطلعها:
رافقها مطربُ الأَغاريدِفاسْتَرَقَتْ هِزَّةَ الأماليدِ
ودَبَّ خمرُ السُّرى بأذرعهافَهْي على البيدِ في عرابيد
وغادرتْها الصبا بمهلكةٍتفجِّرُ الماءَ في الجلاميد
تحملُ على روضِ عالجٍ خبراًتسنده عن ظبائه الغيد
أجرى عليه السحابُ دمع شَجٍومزَّقَ البرقُ جَيْبَ مَعْمود
فأغرق الريحَ بين أربعهاموجُ وجيفٍ ببحر توحيد
ومنها:
في ذمة الشوق مهجةٌ ركضتْتتبعُ زُوراً من المواعيد
أَهْدَوْا إليها الخيالَ إِذ كَحَلُواجفونَ أحداقِها بتسهيد
وانعطفوا للأَراكِ وَهْيَ عَلَىعهدٍ من البانِ غيرِ معهود
عذرٌ يهزُّ الجفاءُ دوحتَهتحت صَدوح الملالِ غِرِّيد
وناصحٍ يمحض المودةَ ليوليس في نصحه بمودود
ظنَّ فؤادي مع فأَنبَهَهُوَهْوَ من الوجدِ غيرُ موجود
سار وجيشُ الغرامِ يتبعهتحت لواءٍ عليه معقود
ومنها:
عَرَّجَ عنها الصباحُ منطلقاًوغادرَ الليلَ رهنَ تقييد
لا يعرف الثعلبُ المقيم بهالولا الثريا مكانَ عنقود
من عُلِّقَ البيضَ صارمَتْ يَدَهُحبالُ تلك الغدائر السود
وَعِمَّةُ الشيبِ لا خُدِعْتَ بهاأَخلقُ شيءٍ أوانَ تجديد
واللهوُ خدنُ الصبا فَمُذْ فُقِدَتْأَيامُهُ لم يكنْ بمحمود
وأَغبنُ الناس من أَلَمَّ بهفَقْدُ سوادٍ وفوْتُ تسويد
وفى بني الدهر كلُّ مُعْضِلَةٍمن الذي فات والمواجيد
إن أَسكروني بخمر لومهمُفقد رَموا عِرْضَهمْ لعربيد
ومُوعِدٍ صاح بي فقلتُ لهربَّ وعيدٍ يَطيحُ في البيد
قد أقسم الحمدُ لا يسيرُ إلىغيرِ أبي القاسم بن حَمُّودِ
في يده للنوالِ معركةٌأَرَى بها البخلَ صارِمَ الجيد
وعنده للضيوفِ نارُ قِرىًتعرفها البُزْلُ كلما يُودي
ومنها:
وتلتقي كُتْبُه الكتائبَ فيجيشٍ من الخطِّ صائدِ الصيد
بكلِّ لفظٍ كأنه نَفَسٌغيرُ مُمِلٍ بطولِ ترديد
صحَّتْ معانيه فاقتسمنَ إلىفضلِ ابتكار وحسن توليد
وربما استضحك الخميسُ بهعن أَهرت الماضغين صنديد
يهوى قَوامَ القناة ذا هَيفووجنةَ العَضْب ذات توريد
ومنها:
دوحةُ مجدٍ تميدُ ناضرةًلمحسناتٍ بحسنِ تجديد
عرضتُ منها لنار تجربتيعوداً ففاحت روائحُ العود
ومن قصيدته الموردة الثانية كلمة مطلعها:
نَعَمْ هُوَ البرقُ على الأَنعُمِفاشقَ به إن شئت أَو فانْعِم
لاح بأعلى هضبة خافقاًخَفْقَ لواءِ البطل المُعْلَمِ
وزلَّ عن صَهْوَةِ طِرْفِ الدجىسقطةَ جُلِّ الفَرَسِ الأَدْهَم
حتى إذا قابلَ وادي الغَضاأَغضى على مدمعه المثجم
واستقبلَ السفحَ وكم فوقهمن مقلةٍ سافحةٍ بالدمِ
فحينما شقَّ كنوز الربىعن ذلك الدينار والدرهم
قام نساءُ الحي يَجنِينَهُبين فرادى منه أو توأمِ
فأشكل النُّوران من مَبْسِمٍتَعْبَق رَيَّاه ومن مَنْسِم
واشتبه الروضان في نضرةإلى حياءٍ وحَياً ينتمي
ما بين جناتٍ إلى أعينٍوبين خيْرِيٍ إلى حَيْرَم
ومعركٍ بينهما لم يزلْيفتكُ فيه الظُبى بالضيغم
بين حِمىً بات كليبٌ بهمجرَّداً من شملهِ المحتمي
يمنعُ ضيفَ العين منه القِرَىوهو مباحُ ليَدٍ أو فم
يا عاقري النيبِ لضيفانهمغلطتمُ في كبدِ المغرم
أتلفتمُ قلبي فماذا الذيخفَّفَ عنكمْ ثِقَلَ المَغْرَم
كم من دمٍ باتَ به حيُّكمكأنه ملتقط العندم
وكم عيونٍ أصبحت عندكممعدودةً من جملة الأسهم
لا طَرَقَتْ ربعَكُمُ غارةٌيَسْأَلُ فيها معشري عن دمي
ولا سرتْ نحوكمُ أُسْرةٌتأْسِرُ بالداهيةِ الصيلم
من كل من تصدُرُ أسيافُهُبضربةٍ مثل دم الأهتم
يقول إِن جرَّ كعوبَ القناتأَبَّطَ الضيغمُ بالأرقم
لو لم تكنْ من فَتَكاتِ الهوىشَقَّتْ على الحافرِ والمنْسم
ما هذه أَوَّل ما ردَّنيعنه بلا أَجرٍ ولا مغنم
فخلِّ عن عتبك لي إِنهاشِنْشِنَةٌ تُعْرَفُ من أَخْزَم
أقسمتُ بالله ولولا عُلامجدِ أبي القاسم لم أُقْسم
إن ابنَ حمَّودٍ له راحةٌتستجلب الحمدَ من المِرزَمِ
المجمِلُ المنعمُ إن حُبِّرَتْمدائحٌ في المجمل المنعم
والكعبةُ الغراء لكنهاتُحِلُّ ما يَحْرُمُ للمحرم
في كل يومٍ لوفود الندىببابه مُجْتَمَعُ الموسم
للمالِ من راحته عندهمأضعافُ ما للماء من زمزم
يفيض بحرُ الجود من كفِّهِفَيَزْدَرِي بالزاخر الخِضْرِمِ
سائِلْهُ أَو سَلْهُ تجد عندهُهُدَى جهولٍ وغِنَى مُعْدِم
ومنها:
ولو أَعارَ الليلَ آراءَهما احتاج ساريه إِلى الأَنْجم
فضائلٌ كادتْ لإِفراطِهاتُنْطِقُ بالشكرِ فمَ الأبكم
ما بدأَ الإحسانَ فاحتاج أَنيقول راجيه لهُ تَمِّم
يا من يجاريه إلى غايةٍسالِمْهُ وارْجعْ دونَه تَسْلَم
لا يرتقي للنجم ذو سُلَّمٍفكيف من كانَ بلا سلم
يا سيداً أَفعالُهُ غُرَّةٌفوق جبينِ الزمن الأَدهم
صُمْ وافرَ الأَجْرِ وصِمْ حاسداًيشجوه قولي لك صُمْ أو صِم
وابقَ وزدْ واعلُ وسُدْ واصطنعْواردفْ وجُدْ وابدأْ وعِدْ واسْلَمِ
وله من قصيدة:
زَهَرْنَ فاعجب لروضٍ ما له زَهَرُإلا المباسمُ والألحاظُ والطرَرُ
ولا تقلْ لهبُ الوجْناتِ يَحْرِقُهَافللعذارِ على أَرجائها نَهَرُ
أَحْسِنْ غُرَراً قالت محاسنهابالنفسِ يُحْمدُ في أَمثاليَ الغَرَرُ
سفرْنَ والليلُ طِرفٌ أدهمٌ فَجَرَتْفيه الحجولُ من الأَنوارِ والغُرَرُ
وقُمْنَ يَحْمِلْنَ في الأَجفانِ مرهفةًلو كانت البيضَ قلنا إنها البُتُرُ
وكان من فعلها بالسحرِ أَنْ فعلتْعلى العِشَاءِ بما يأتي به السَّحَر
فما ارتقبتُ الدراري إذ سهرت لهاإلا كأصدافِ يَمٍ حشوُهَا دُرَر
ولا اجتليتُ بدورَ الأفق عن كَلَفٍإلا بمن أُتْلِفَتْ في صَوْنِهِ البِدَرُ
وفي الحشا والحشايا صبوةٌ كَبرتْفزادها عنفواناً ذلك الكبر
توري زنادَ اشتياقٍ ما استطارَ بهلي من مشيبيَ بل من أَدمعي شَرَر
وفي فؤاديَ لا فَوْدِي قتيرُ هوىًلم يُخْفِهِ الشَّعْرُ إن لم يبده الشَّعَر
ومنها:
أنا المحبُّ وما بي من يقالُ لهأَولى لك العذلُ لا أَولى لك العُذُر
إن قلتُ ماسَ فما قصدي به غُصُنٌأو استنارَ فما قصدي به قَمَرُ
المالُ عند ذوي الإِقْتارِ مُحْتَقَبٌوالمالُ عند ذوي الأَقْدَارِ محتقر
فإن عدمتُ الذي صاروا به عُدُماًفما افتقرتُ وعندي هذه الفِقَرُ
ولم أُقَلْقِلْ ركابي أَنْ نأى وطَنٌولا أطلتُ اغترابي أن نبا وطر
لكن بنو الْحَجَر استدعت مكارِمُهُمْعَزْمي وقد كاد يُسْتَدعَى بها الْحَجَر
نادى لسانُ الندى منهم فأسمعنيفقمتُ أعبر بحراً كله عِبَر
ومنها:
ترى المواخرَ تجري في زواخرِهِفترتقي في أَعاليه وتَنْحَدِرُ
من كل سوداءَ مثلِ الخال يحملهابوجنةٍ منه فيها للضحى خَفَرُ
لذاك جادوا نَدىً فيه أَجَدْتَ بنافليس يُعْرَفُ لا حَصْرٌ ولا حَصَرُ
ومنها:
والشعرُ منه قصيرٌ عمره زَهَرٌيَذْوي ومنه طويلٌ عمره زُهُرُ
وكالمواعظِ سهلٌ صَوْغُها زُبُرٌوكالحديدِ ثَقيلٌ وزنه زُبَرُ
أو كالعيونِ فهذي حظُّها حَوَلٌيَغُضُّ منها وهذي حظُّها حَوَرُ
ومنها:
لله درُّ حَياءٍ حزته وحِباًكأَنك العَضْبُ منه الأَثْرُ والأَثَر
وفي يمينك يجري كيف تأمرهما يحسد الذكر عنه الصارمُ الذَّكَر
ومنها:
أنالني في اغترابي كلَّ مُغْربةفما النفيرُ بمعدومٍ ولا النَّفَر
وشد أَزري فما أَحْفَى بنائبةٍتقولُ أبياتها هيهات لا وَزَرُ
من بعد ما قَرَعَتْني كلُّ قارعةأَيامها الحمرُ من أَعيانها الحُمُرُ
وبت أضب بالأشعارِ طائفةًلو أَنهمْ ضُربوا بالسيف ما شعروا
إذا نحتُّ القوافي من مقاطعهاقالوا تكلفْ لنا أَنْ يَفْهمَ البَقَرُ
وقال من قصيدة يصف فيها البحر وركوبه وقصده أيام وفوده:
سَفَرَتْ عنكَ أَوجُه الأَسْفَارِوجَرَتْ بالمنى إليك الجواري
فرفعنا لكَ الكواكب يا بدرَ الدياجي على الهلالِ الساري
وركبنا على عَذَاب بحارٍأنزلتنا على عِذَابِ بحار
واعتسافُ الأخطار يجْمُلُ ما كان طريقاً إلى ذوي الأخطار
ما امتطينا أخت السحائب إِلالتوافي بنا أخا الأمطار
كل نونٍ من المراكب فيهاأَلِفَاتٌ مصفوفة للصواري
تَقْسِمُ الماء والهواءَ لساقٍوجناحٍ من عائمٍ طيار
وهي ضِدَّانِ من جوانح ليلٍقد أُقيمَتْ ومن جناحَيْ نهار
صُوِّرت كالفيولِ لولا قلوعٌأبرزتها في صورةِ الأطيار
عَوَّضَتْنَا الأوطانَ عندك والأوطارَ بعد الأَوطانِ والأَوطار
فاستحقَّتْ بأن تُعَوَّضَ عوداًبعد عُود وعنبراً من نار
ومنها:
وأياديك إنهنَّ ثمارٌحَمَلَتْهَا معاطفُ الأحرار
ومساعيك إنهنَّ نجومٌمشرقاتٌ على سماء الفخار
أَنْتَ في الفضل في بني الحجر السادةِ مثلُ الياقوتِ في الأحجار
ومنها في القلم:
وبيمناك طَيْرُ يُ نٍ وسَعْدٍأصفرُ الظهر أَسودُ المنقار
قلمٌ دبَّرَ الأقاليم فالكتْبُ به من كتائب المقدار
يا طرازَ الديوان والملكِ أصبحتَ طرازَ الديوان في الأشعار
وبنوكَ الذين مهما دجا الخطبُ أَرَوْنَا مطالعَ الأقمار
فأبو بكرٍ الذي أحرز المجدَبسعي الرَّواحِ والإبْتِكَار
وتلاه فيما تلاه أخوهعُمَرٌ عاش أَطولَ الأعمار
ولعثمانَ حظُّ عثمانَ إلافي الذي دار من حديث الدار
ومنها:
وإذا شئت فالمجرَّةُ بَحْرٌليَ فيه بناتُ نعشٍ سَمارِي
وبكفِّي من النجومِ كثيرٌهُوَ مَا قَدْ وهبتَ من دينار
ومن نثره فيه: ولما أذن لشوالٍ في أن تشال الكؤوس، ويوضع في طاعة الخمر بالرءوس، خلعنا عن سوالف الخلاعة عذار العذل، وركبنا خيل الفتك والمجون على أرض الجذل، وقلبنا لبطن العفة ظهر المجن، وسرنا نبعج تحت عجاج النذر وداج الدن.
وله في وصف بركة:
بركةٌ بوركتْ فنحنُ لديهانَسْتَفِيدُ الغِمارَ في ضخضاحِ
قطرتْ من قرارها بعيونٍغادرتْنا بأسرع الإلتماحِ
تسرق اللحظة اختلاساً وتمضينظرةَ الصبِّ خافَ إنكارَ لاحِ
قد صَفَتْ واعتلى الحَبَابُ عليهافَهْيَ سيان مَعْ كؤوسِ الراحِ
أيُّ درعٍ مصونةِ النسجِ تمتدالسواقي فيها بمثل الصفاح
ومنها:
ومغنٍ تناولتْ يدهُ العودَ فعادت بنا إلى الأفراح
جَسَّ أوتارَهُ فأصلح منَّاصالحاً صارَ في يدِ الإصلاح
بين ريحٍ من المزامير أَسْرَىبين أَجسامنا من الأرواح
وصِبَاحٍ قد عقَدُوا طُرُزَ الليلجمالاً على الوجوه الصِّبَاح
يبعثُ الروضُ منهمُ حركاتٍسَرَقَتْ بعضها طوالُ الرماح
هكذا هكذا وإلا فلا لاطُرُقُ الجِدِّ غيرُ طُرْقِ المِزاح
وله في وصف مغن:
لا أَشربُ الراحَ إلاَّما بين شادٍ وشادنْ
وإن فَنِيتُ فعنديإلى مَعَادٍ مَعَادنْ
قمْ يا نديمي فأَنْصِتْوالليلُ داجٍ لداجن
غنَّى وناح فَنَزَّعْتُ ثوبَ خاشٍ مُخَاشِنْ
طاوِعْ على القصفِ والعزْفِ كلَّ حاسٍ مُحَاسِن
وانهض بطيشك عن سَمْتِ ذي وقارٍ وَقَارِنْ
هاتِ الكميتَ وأهلاًمنها بصافٍ وصافن
أَثورُ من ذي ومن ذابكل غابٍ بغابن
وإن رمتني الليالييوماً بداهٍ أُدَاهِن
وله في ذم زامر:
تعبتَ وما أَتيتَ لنا بشيءٍفكيف تكون ساعةَ تَسْتَرِيحُ
فلا تُكْثِرْ علينا في مُحَالٍبِزَمْرِكَ، صَحَّ أَن الزمرَ ريح
وله:
ينافرُ إيقاعُهُ صوتَهُفهذا يزيدُ وذا ينقصُ
ويتبعه زامرٌ مثلُهُتبيعٌ له نَفَسٌ أَوْقَص
فإن قامَ ما بيننا راقصاًفكلٌّ إِلى بيتهِ يرقص
وله في مغن:
تَثَنَّى فلا مَيْسَ الغصونِ ولينهاورجَّعَ أصواتاً فلا تَذْكُرِ الوُرْقَا
وأَعجبُ إذ تحتثُّ يمناهُ طارةًفتسمعها رعداً وتبصرها برقَا
له القصيدة السيارة التي مطلعها:
ألْحِقْ بنفسجَ فجري وَرْدَتَيْ شَفَقيكافورة الصبح فتَّتْ مسكةَ الغَسَقِ
قد عُطِّلَ الحسنُ من أسمار أَنجمهفاعقدْ بخمرك فينا حِلْيَةَ الأُفُقِ
قم هاتِ جامك شمساً عند مصطبحوخلِّ كاسكَ نجماً عند مغتبق
واقسمْ لكل زمان ما يليقُ بهفإن للزَّنْد حلياً ليس للعنق
هبَّ النسيمُ وهبَّ الريمُ فاشتركافي نكهةٍ من نسيم الروضة العَبِق
واستَرْقَصَتْنِيَ كاستِرْقاصِ حاملهافخضْرَةُ الوُرْقِ في مخضرَّة الوَرَقِ
وبتُّ بالكأس أَغْنَى الناسِ كلِّهِمفالخمرُ من عسجدٍ والماءُ من وَرق
كم وَرَّدَت وجنات الصِّرفِ في قَدَحٍفتحْت بالمزج ما تعلوه من حدق
يسعى بها رشأٌ عيناه مذ رمقتلم يُبْقِ فيَّ ولا فيها سوى الرمق
حبابُها وأحاديثي ومبسِمُهثلاثةٌ كلها من لؤلؤٍ نَسَق
حتى إذا أخذتْ مني بسَوْرتهاما يأخذُ النوم من أجفان ذي أرق
ركبتُ فيه بحاراً من عجائبهاأَنِّى سلمتُ ولم أشعُر من الغرق
ولم أزل في ارتشافي منه ريقَ فمٍأَطفَأْتُ في بَرْده مَشْبوبةَ الحُرَق
يا ساكنَ القلب عما قد رميت بهمن ساكني الجزع مَعْ ما فيه من قلق
لا تعجبنَّ لكل الجسم كيف مضىوإِنما اعجب لبعض الجسم كيف بقي
لم أَسترِق بمنامي وصلَ طيفهمُفما له صار مقطوعاً على السَّرَق
من شعر أبي محمد بن سنان الخفاجي حيث يقول:
إِذا سكنتمْ فقلبي دائمُ القلقوإن رقدتمْ فطرفي دائمُ الأَرَق
سرقتُ بالنوم وصلاً من خيالكمُفصار نوْمِيَ مقطوعاً على السَّرَق
ومن قصيدة ابن قلاقس:
في الهندما قيل أسيافُ الحديدِ ولولا هندُ ما قيلَ أسيافٌ من الحَدَقِ
وبتُّ بالجزع في آثارهم جَزِعاًإن جُرِّدَ البرقُ إيماضاً على البُرَق
في نارِ وجديَ معنىً من تلهبهوفي فؤاديَ ما فيه من الوَلَق
وله من قصيدة في مدح وزير صاحب صقلية:
جرت خيلُ النسيمِ على الغديرِورُدَّت تحت قسطلة العَبيرِ
وعبَّ الصبحُ في كأس الثرياوكان براحةِ القمرِ المنير
وقام على جبين الشمس يهفوكما يهفو اللواءُ على أمير
ودارَ بهِ على يده فكانتكطَوْق الجام في كفِّ المدير
ومَجَّتْ في زجاج الماء لوناًهيَ انتزعته من حَلَب العصير
فقمنا نستقيم إلى قلوبٍتناجَتْ تحت أستار الصدور
نُحَقِّقُ بالمنى عِدَةَ الأمانيونملأُ بالرضى حُبُّ السرور
إلى أن غادَرَتنا الكأسُ صرعىنفرُّ من الكبير إلى الصغير
ومنها:
وجرَّدنا المدائح فاستقرتْعلى أوصاف جُرْدَنَّا الوزيرِ
فنظَّمْنا المفاخرَ كاللآليوحلَّينا المعاليَ كالنحور
وقمنا في سماءِ العز نرعىجبين الشمس في اليوم المطير
وأعجبُ ما جرى أنَّا أَمِنَّاونحن بجانب الليثِ الهَصُور
وأَرسلنا من الأقداح ريحاًنهزُّ بها المعاطفَ من ثَبِير
وقلدناهُ دُرّاً جاء منهكذاك الدُّرُّ جاء من البحور
ومنها:
لهيبُ صواعقِ العَزَماتِ منهيكادُ يذيبُ أفئدةَ الصخور
وماءُ مكارم الأخلاقِ منهيكادُ يردُّ صاعدةَ الزفير
وأغراسُ الأماني في يديهِتهزُّ معاطفَ الدَّوْحِ النضير
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع