من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المهذب أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير
هو أخو الرشيد، محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر من أخيه، وأعرف بصناعته وإحكام معانيه. توفي قبل أخيه بسنة، لم يكن في زماتنه أشعر منه أحد وله شعر كثير، ومحلٌ في الفضل أثير. أنشدني له نجم الدين بن مصال ببعلبك في رمضان سنة سبعين من قصيدة في الصالح بن رزيك يعرض بشاعره المعروف بالمفيد:
لقد شكَّ طرفي والركائبُ جُنَّحُأأنت أم الشمسُ المنيرة أمْلَحُ
ومنها في الغزل:
يَظلُّ جَنَى العُنَّابِ في صحنِ خدِّهِعن الوردِ ماءَ النرجِسِ الغضِّ يَمْسَحُ
ومنها:
فيا شاعراً قد أَلفَ قصيدةٍولكنها من بيته ليس تَبْرَحُ
ليهنِكَ لا هُنِّئْتَ أنّ قصائديمع النجم تسري أو مع الريح تَسْرَحُ
أنشدني زين الحاج أبو القاسم قال: أرسلني نور الدين إلى مصر في زمان الصالح بن رزيك فلقيت المهذب بن الزبير فأنشدني لنفسه:
وشادنٍ ما مثله في الجنانْقد فاق في الحسن جميع الحسانْ
لم أَرَ إلا عينه جعبةًللسيف والنصلِ وحَدِّ السِّنانْ
ووجدت في بعض الكتب له من قصيدة في مدح الصالح طلائع بن رزيك بمصر:
وتلقى الدهرَ منه بليث غابٍغَدَتْ سمرُ الرماح له عَرِينا
تخالُ سيوفَه إمَّا انتضاهاجداولَ والرماحَ لها غصونا
وتحسبُ خيلَهُ عِقْبانَ دَجنٍيَرُحْنَ مع الظلام ويغتدينا
إِذا قَدَحَتْ بجنح الليل أوْرَتْسناً يُعْشي عيونَ الناظرينا
وإن جَنَحَتْ مع الإصباح عَدْواًأَثارَتْ للعجاجِ به دُجُونا
كأنّ الشمس حين تُثير نقعاًتحاذرُ من سطاهُ أن تبينا
وما كُسِفَتْ بدورُ الأُفْقِ إلاّمخافةَ أن يُحَطِّمَها مُبينا
وما تندقُّ يومَ الرّوْعِ حتىيَدُقَّ بها الكواهلَ والمتونا
عجبتُ لها تصافحُ مِنْ يَدَيهِوتوصَفُ بالظَّمَا بحراً مَعِينا
ويورِدُها ولا يُخْطِي برأْيٍنِطافاً من دروعِ الدارعينا
وهل يَشْفَى لها أبداً غليلٌوقد شَرِبَتْ دماءَ الكافرينا
إذا لَقِيَتْ عيونَ الروم زُرْقاًحسبْتَ نِصالَها تلك العيونا
وقائعُ في العُداةِ له تُبَارىصنائعَ في العُفاة المجتدينا
وإرغامٌ به أبكى عيوناًوإنعامٌ أَقَرَّ به عيونا
وله فيه قصيدة:
أَقْصِر فَدَيْتُكَ عن لَوْمي وعن عَذَليأوْ لا فخذ لي أماناً من يد المقلِ
من كلِّ طَرْفٍ مريض الجفنِ تنشدناألحاظُه رُبَّ رامٍ من بني ثُعَل
إنْ كان فيه لنا وهْو السقيمُ شِفاًفربما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَل
إن الذي في جفونِ البيضِ إذ نَظَرَتْنظيرُ ما في جفون البيض والخِلَل
كذاك لم يشتبه في القول لفظهماإلا كما اشتبها في الفعل والعمل
وقد وقفتُ على الأطلال أحسبهاجسمي الذي بعدَ بُعْدِ الظاعنين بُلِي
أَبكي على الرسم في رسم الديار فهلْعجبتَ من طَلَلٍ يبكي على طلل
وكلّ بيضاءَ لو مَسَّت أَناملُهاقميصَ يوسفَ يوماً قُدَّ من قُبُل
يُغني عن الدُّرِّ والياقوت مَبْسِمُهالِحُسْنِها فلها حَلْيٌ من العَطَل
بالخدِّ مِنِّيَ آثارُ الدموع كمالها على الخدِّ آثارٌ من القُبَل
كأنّ في سيفِ سيفِ الدين من خَجَلٍمن عزمه ما به من حُمْرة الخجل
هو الحسامُ الذي يسمو بحاملهِزهواً فيفتكُ بالأسياف والدول
إذا بدا عارياً من غِمدِهِ خَلَعَتْغِمْدَ الدماءِ عليهِ هامةُ البطل
وإن تقلَّدَ بحراً من أَناملهِرأَيتَ كيف اقترانُ الرزقِ بالأجل
من السيوفِ التي لاحتْ بوارقُهافي أَنْمُلٍ هي سُحْبُ العارضِ الهَطِل
فجاءنا لبني رُزِّيكَ مُعْجِزُهابآيةٍ لم تكن في الأعْصُرِ الأُوَلِ
تبدو شموساً همُ أقمارُها وتَرَىشُهْبَ القَنَا في سماءِ النقع لم تَفِل
قد غايَرَت فيهمُ السمرَ الرقاقَ رقاقُ البيض خلفَ سُجوف النقع في الكلَل
إن عانقوا هذه في يوم معركةٍلاحتْ لهم بتلظّي تلك كالشُّعَل
وقد لقوا كلَّ من غاروا بمُشْبِهِهحتى لقوا النُّجْلَ عند العَرْضِ بالنُّجُلِ
وضارب الرومَ رومٌ من سيوفهمُوطاعَنَ العُرْبَ أَعْرابٌ من الأَسَلِ
وهزَّهم لصهيل الخيل تحت صهيلالبيضِ ما هزَّ أعطاف القَنَا الخَطِل
فالدمُ خَمْرٌ وأصواتُ الجيادِ لهمْأصوات مَعْبَد في الأَهزاج والرَّمَل
والخيلُ قد أَطرَبَتْها مثلما طربواأفعالُهمْ، فهي تمشي مِشْيَةَ الثَّمِل
من كل أجردَ مختالٍ بفارسِهِإلى الطِّعان جريحِ الصَّدْرِ والكَفَل
وكلِّ سَلْهَبَةٍ للريح نِسْبتُهالكنها لو بَغَتْها الريح لم تُنَل
أَفارسَ المسلمين اسمعْ فلا سَمِعَتْعِدَاك غيرَ صليل البيض في القُلَل
مقالَ ناءٍ غريبِ الدار قد عدم الأَنصارَ لولاك لم يَنْطِق ولم يَقُل
يشكو مصائبَ أَيامٍ قد اتسعتْفضاقَ منها عليهِ أوسعُ السُّبُل
يرجوكَ في دفعها بعد الإله وقديُرْجَى الجليلُ لدفع الحادث الجَلَل
وكيفَ أَلقى من الأيام مَرْزِئَةًجَلَّتْ ولي من بني رزِّيك كلُّ وَلي
لولاهمُ كنتُ أَفري الحادثات، إذانابت، بنهضة ماضي العزم مُرْتجل
وكيف أخلع ثوبَ الذلِّ حيث كَفِيلُالحرِّ بالعزِّ وَخْدُ الأيْنُقِ الذُّلُلِ
فما تخافُ الردى نفسي وكم رضيَتْبالعجز خوفَ الردى نفسٌ فلم تُبَل
إِني امرؤٌ قد قتلتُ الدهر معرفةًفما أَبيتُ على يأْسٍ ولا أَمَل
إِن يُرْوِ ماءُ الصِّبا عودي فقد عَجَمَتْمني طَروقُ الليالي عُودَ مُكْتَهِل
تجاوزتْ بي مَدَى الأشياخِ تجربتيقِدْماً وما جاوزتْ بي سنَّ مُقْتَبِل
وأولُ العمر خيرٌ من أواخرهوأين ضَوْءُ الضحى من ظلمة الأُصُل
دوني الذي ظنَّ أني دونَه فلهُتعاظمٌ لينال المجد بالحِيَلِ
والبدرُ تَعْظم في الأبصار صورتهُظنّاً ويَصْغُرُ في الأفهام عَنْ زُحَلِ
ما ضرَّ شِعْرِيَ أني ما سَبَقْتُ إلىأَجابَ دمعي وما الداعي سوى طلل
فإن مدحي لسيف الدّين تاهَ بهِزَهْواً على مَدْحِ سَيْف الدّولة البَطَل
للشعراء المهذبين المذهبين امذهب، على هذا الوزن المعجز المعجب، قصائد، فرائد، قلائد. وهذا مهذب مذهبهم إذ هو وحيد العصر، مجيد النظم والنثر.
واستعرت من الأمير عز الدين حسام جزءاً فيه قصيدة بخط المهذب بن الزبير مدح بها الصالح بن رزيك سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ويصف أسطوله ونصرته في البحر على الروم:
أَعَلِمتَ حين تجاورَ الحيانِأَنَّ القلوبَ مواقدُ النيران
وعرفْتَ أَنَّ صدورنا قد أَصبحتْفي القومِ وهْيَ مَرابضُ الغزْلان
وعيوننا عِوَضَ العيون أَمَدَّهاما غادروا فيها من الغُدْران
ما الوَخْدُ هزَّ قِبَابهم بل هَزَّهاقلبي عشيةَ سار في الأَظعان
وبمهجتي قمرٌ إذا ما لاح للسّاريتضاءَلَ دونه القَمَران
قد بانَ للعشاق أَنَّ قَوامَهُسَرَقَت شمائِلَهُ غصونُ البان
وأراك غصناً في النعيم تميل إِذاغُصْنُ الأَراك يميدُ في نَعْمَانِ
للرمح نصلٌ واحد ولقَدِّهِمن ناظريه إِذا رَنَا نَصْلانِ
والسيفُ ليس له سوى جَفْنٍ وقدأَضحى لصارم طَرْفه جَفْنَأنِ
والسهمُ تكفي القوسُ فيه وقد غدامن حاجبيه للحظهِ قوسان
ولربَّ ليلٍ خلتُ خاطفَ بَرْقهِناراً تَلَفَّعُ للدُّجَى بدخان
كالمائلِ الوسنان من طول السُّرَىجَوْزاؤهُ، والراقصِ السكران
ما بانَ فيه من ثُرَيَّاهُ سوىإِعجامِها والدَّالُ في الدَّبَران
وترى المجرةَ في النجوم كأَنَّهاتَسْقِي الرياضَ بجدولٍ ملآن
لو لم يكنْ نهراً لما عامت بهأبداً نجومُ الحوت والسرطان
نادمتُ فيه الفرقدين كأننيدون الورى وجَذيمةً أَخَوَان
وترفعتْ هِمَمِ فما أَرْضَى سوىشُهْبِ الدجى عِوَضاً من الخلاَّن
وأَنِفْتُ حين فُجعت بالأَحبابِ أنأَلْهُو عن الإخوان بالخَوَّان
واعتضتُ من جود الوزير مواهباًأَسْلَتْ عن الأَوطارِ والأَوطان
ومنها يحثه على قصد شام الفرنج:
يا كاسرَ الأصنام قُمْ فانهض بناحتى تصيرَ مُكَسِّرَ الصُّلبان
فالشامُ مُلككَ قد ورثت تُرَاثَهُعن قَوْمِك الماضين من غَسَّان
فإذا شككتَ بأنها أَوطانُهُمْقدماً فسل عن حادثِ الجَوْلانِ
أَوْ رُمْتَ أن تتلو محاسِنَ ذكرهمفاسندْ روايتها إلى حَسَّان
منها في وصف الزلزلة:
ما زلزلتْ أرضُ العِدا بل ذاك مابقلوبِ أَهليها من الخَفَقَان
وأَقولُ إنَّ حصونهم سجدتْ لِماأُوتيت من مُلْكٍ ومِنْ سلطان
والناسُ أَجدرُ بالسجود إذا غدالعُلاكَ يسجدُ شامخُ البُنْيَان
ولقد بعثتَ إلى الفرنج كتائباًكالأُسْدِ حين تصولُ في خَفَّان
لَبسوا الدروع ولم نَخَل مِنْ قَبْلِهِمْأَنَّ البحار تَحُلُّ في غُدْران
وتيمَّموا أرضَ العدو بقَفْرَةٍجرداءَ خاليةٍ من السكان
عشرين يوماً في المُغَار وليلةًيَسْرونَ تحت كواكبِ الخِرْصَأن
حتى إِذا قطعوا الجفارَ بجحفلهو في العديد ورمٍلُهُ سِيَّانِ
أغريتهمْ بحمى العِدَا فجعلْتَهُبسطَاكَ بعد العزِّ دارَ هوان
عَجَّلْتَ في تلك العجول قِراهُمُوهمُ لك الضيفانُ بالذِّيفَان
لما أَبَوْا ما في الجفان قَرَيْتَهُمْبصوارمٍ سُلَّتْ من الأَجفان
وثللتَ في يوم العريش عًروشَهُمْبشَبَا ضِرابٍ صادقٍ وطعان
أَلجأْتَهُمْ للبحر لما أَنْ جَرَىمِنْهُ ومن دمهمْ معاً بَحْرَان
مُدِحَ الورى بالبأسِ إِذْ خضبوا الظُّبَفي يومِ حربهمُ من الأَقران
ولأَنتَ تخضب كلَّ بحرٍ زاخرٍممن تحاربُ بالنَّجِيعِ القاني
حتى ترى دمهمْ وخضرةَ مائهكشقائقٍ نُثِرَتْ على الرَّيْحَان
في وصف الأسطول:
وكأنَّ بحرَ الرُّوم خُلِّقَ وَجْهُهُوطَفَتْ عليه منابتُ المَرْجَان
ولقد أتى الأسطولُ حين غزا بمالم يأتِ في حينٍ من الأحيان
أَحْبِبْ إليَّ بها شوانِيَ أَصْبَحَتْمن فتكها ولها العُدَأةُ شواني
شُبِّهْنَ بالغربانِ في ألوانهاوفعلن فعل كواسر العْقبان
أوقرْتَها عُدَدَ القتالِ فقد غَدَتْفيها القَنَا عِوضاً من الأَشْطَان
فأتتكَ مُوقَرَةً بسبيٍ بينهأَسْرَاهُمُ مغلولةَ الأذقان
حربٌ عَوَانٌ حَكَّمَتْكَ من العدافي كلِّ بكرٍ عندهمْ وعَوَان
وأعدتَ رُسْلَ ابنِ القسيم إِليه فيشعبانَ كي يتلاءَمَ الشعبان
والفالُ يشهد باسمه أَن سوف يغدوالشامُ وهو عليكما قِسْمَانِ
منها في مدح نور الدين:
وأَراكَ من بعد الشهيدِ أباً لهوجعلتَه من أَقربِ الإِخوان
وهو الذي ما زال يفْعَلُ في العداما لم يكنْ لِيُعَدُّ في الإمكان
ومنها في وصف قتله البرنس ويصف رأسه على الرمح بمعنى بديع:
قَتَلَ البِرِنْسَ ومن عَسَاهُ أَعانهلما عَتَا في البغي والعُدْوان
وأرى البريَّةَ حين عادَ برأسهمُرَّ الجَنَى يبدو على المُرَّان
وتعجبوا من زقةٍ في طرفهوكأنَّ فوق الرمح نصلاً ثاني
فليهنه أَنْ فازَ منك بسيدٍأَوْفَى برتبته على كيوان
قد صاغَ من أَرماحه لمسامع الأملاك أقراطاً من الخِرْصَانِ
والخيلُ تعلمُ في الكريهةِ أَنَّهقد حط هيكلها على الفرسان
عَجَباً لجودِ يديه إِذْ يبني العلاوالسيلُ يَهْدِمُ ثابتَ الأَرْكَانِ
ومنها يصف شعر الصالح:
وَلَنَارُ فظنته تُرِيكَ لشعرهعذباً يُرَوِّي غُلَّةَ الظمآن
وعقودَ درٍ لو تجسَّمَ لفظهاما رُصِّعَتْ إلا على التيجان
وتنزهتْ عن أن تُرَى أَفْرَادُهَالمواضعِ الأَقراط والآذان
من كل رائقةِ الجمال زَهَتْ بهابين القصائدِ عِزَّةُ السلطان
سيارةٌ في الأرض لا يعتاقهافي سيرها قَيْدٌ من الأَوْزَأن
يا مُنْعِماً ما للثناء ولو غلايوماً بما تُولي يداهُ يَدَان
قَلَّدْتَ أَعناقَ البرية كلَّهَامِنَناً تحمَّلَ ثِقْلَهَا الثَّقَلاَن
حتى تَسَاوَى الناسُ فيكَ أصْبَحالقاصي بمنزلةِ القريب الدَّاني
ورحِمْتَ أَهْلَ العجز منهمْ مثلماأصبحتَ تَغْفِرُ للمسيءِ الجانِي
وأنشدني الشريف إدريس الحسني للمهذب بن الزبير من قصيدة في مدح ابن رزيك أيضاً أولها:
أَمَجْلِسٌ في محلِّ العِزِّ أَمْ فَلَكُهذا وهل مَلِكٌ في الدَّسْتِ أَم مَلَكُ
منها في المدح:
أغنى عيانُ معانيه النواظرَ عنقولٍ يُلَفَّقُ في قومٍ ويُؤتَفَكُ
يا واحدَ الدهر لا ردٌّ عليَّ إذاما قلتُ ذلك في قولي ولا دَرَك
ما كان بعدَ أمير المؤمنين فتىًفيه الشجاعة إلا أنت النُّسُكُ
فالفعلُ منه ومنك اليوم مُتَّفِقٌوالنعتُ منه ومنك اليومَ مُشْتَرَك
يُدْعَى بصالح أهل الدين كلِّهِمُوأنت صالحُ من بالدين يَمْتَسِك
لم ترضَ أَسماءَ قومٍ أصبحوا رِمماًكأَنَّ أَلْقَابَهُمْ من بعدهم تُرُكُ
ومنها:
وَافَى فأَرْدَى رجالاً بعد ما نَعِموادَهْراً وأَحيا رجالاً بعد ما هَلَكوا
ليس في هذا البيت مدح ولا ذم، ولا له في الثناء والإطراءِ سهم، فإنه كما أحسن بالإحياء، أَساءَ بالإِرداء، فكفر بهلاك أولئك حياة هؤلاء، ولو قال: أردى لئاماً بعد ما نعموا، وأحيا كراماً بعد ما هلكوا، لوفى الصنعة حق التحقيق، وأهدى ثمرة المعنى على طبق التطبيق.
طلعتَ والبدرَ نصف الشهر في قَرَنٍفأشرقتْ بكما الأرضُونَ والفَلَكُ
وأسفرَ الجوُّ حتى ظَنَّ مبصرُهُبأنَّ لَمْعَ السَّنَا في أُفْقهِ ضَحِكُ
يقودُ كلُّ مُجِنٍ ضِغْنَ ذي تِرَةٍيكادُ من حَرِّه الماذيُّ ينْسَبِكُ
حتى أعادَ بحد السيفِ مُلْك بني الزهراءِواستُرْجِعَ الحقُّ الذي تَركوا
فلو يكونُ لهم أمثالُهُ عَضُداًفيما مضى ما غدت مغصوبةً فَدَكُ
لقد أبطل في هذا القول المؤتفك، وغفل عن سر الشريعة في فدك، وفضل ممدوحه على السلف في الشرف، وأدت به المبالغة في الضلال إلى السرف.
وأنشدني الأمير مرهف بن أسامة بن منقذ للمهذب بن الزبير من أبيات:
بالله يا ريحَ الشمال إذا اشتملتِ الليل بُرْدا
وحملتِ من نَشْرِ الخُزَامَى ما اغتدى للنَّدِ نِدَّا
ونسجت في الأشجار بينغصونهنَّ هَوىً ووُدَّا
هُبِّي على بَرَدَى عَساهُيزيدُ من مَسْراك بَرْدَا
أَحبابنا ما بالكُمْفينا من الأَعداءِ أَعْدَى
وحياةِ ودكمُ وتُرْبة وَصْلِكُمْ ما خُنْتُ عهدا
وأنشدني له من قصيدة أولها:
رَيعَ الفؤادُ خلالَ تلك الأَرْبَعِفكأنها أَولى بها من أضلعي
منها في المديح في ابن رزيك الصالح وكان يغري الشعراء بعضهم بالبعض:
يا أيها المَلِكُ الذي أوصافُهُغُرَرٌ تجلَّتْ للزمانِ الأَسْفَعِ
لا تُطْمِعِ الشعراءَ فيَّ فإنَّنيلو شئتُ لم أجبن ولم أَتَخَشَّع
إنْ لم أكن مِلْءَ العيون فإننيفي القول يا ابن الصِّيد ملءُ المسمع
فليمسكوا عني فللا أننيأُبْقي على عِرْضي إذنْ لم أَجْزَع
وأَهَمُّ من هجوي لهم مَدْحُ الذيرفعَ القريضَ إلى المحلِّ الأرفع
ولو انَّه نَاجى ضميريَ في الكَرَىطيفُ الخيال بريبةٍ لم أَهْجَع
وإذا بدا لِي الهجرُ لم أَرَ شخصهوإذا يقالُ ليَ الخنا لم أسمع
والناسُ قد علموا بأني ليس ليمذ كنتُ في أَعراضهم من مَطْمَع
ومنها في صفة الشعر:
فلأكسونّ عُلاكَ كلَّ غريبةٍوَلَجَتْ بلطفٍ سَمْعَ مَنْ لم يَسْمَعِ
خُتمت بما ابتُدِئَتْ به فتقابلتْأطرافها بمُوشَّعٍ ومُرَصَّع
والشعر ما إنْ جاء فيهِ مَطْلَعٌحَسَنٌ أُضيفَ إليه حُسْنُ المَقْطَع
كالوردِ: أوَّلهُ بزهرٍ مُونِقٍيأتي، وآخرهُ بماءٍ مُمْتِع
وأنشدني له القاضي الأشرف أبو القاسم حمزة بن القاضي السعيد بن عثمان، قال أنشدني والدي علي بن عثمان المخزومي، قال أنشدني المهذب بن الزبير لنفسه في ابن شاور المعروف بالكامل:
وخاصمني بدرُ السَّما فخَصَمْتُهُبقوليَ، فاسمعْ ما الذي أنا قائلُ
أتى في انتصاف الشهر يحكيك في البَهَاوفي النورِ لكن أين منك الشمائل!
فقلتُ له يا بدرُ إنك ناقصٌسوى ليلةٍ، والكاملُ الدهرَ كاملُ
وأنشدني بعض المصريين له من قصيدة أولها:
أَغارت علينا باللحاظِ عيونُلها الحسنُ من خَلْف النِّقابِ كمينُ
وسَلَّتْ علينا من غُمُودِ جفونِهاكذلك أسماءُ الغُمودِ جُفُونُ
ومنها:
أَعِرْ نظمَ شعري منك عَيْناً بصيرةًففي طيِّهِ للكِيمياءِ كُمُونُ
فقد شاركَتْنا فيه كَفُّكَ إذ غَدَتْعليه لنا عند العطاءِ تُعِين
تجودُ لنا بالبِرِّ ثم تردُّهُلها وهْوَ دُرٌّ بالمديحِ ثمين
وأنشدني له أيضاً:
لقد جَرَّدَ الإسلامُ منك مهنَّداًحديداً شَبَاهُ لا يُداوَى له جُرْحُ
إقامةُ حَدِّ الله في الخلقِ حَدُّهُإِذا سَلَّهُ، والصفحُ عنهمْ له صَفْحُ
وله
وذي هَيَفٍ يُدعى بموسى، بطرفِهِبقيةُ سحرٍ تأخذ العين والسمعا
وحيَّاتُهُ أَصداغه، وعِذَارُهُيُخَيِّلُ لي في وجهه أنها تَسْعَى
وله في غلام له خال بين عينيه:
ومهفهفٍ أَسيافُ مقلتهأبداً تُريق من الجفون دما
عيناهُ في قلبي تنازعتافسوادُهُ قد ظَلَّ بينهما
وله في غلام تغرغرت عيناه عند الوداع:
ومرنَّح الأعطاف تحسبُ أنَّهرُمْحٌ ولكنْ قدَّ قلبيَ قَدُّهُ
إن قلتُ إنّ الوَجْهَ منه جَنَّةٌأَضحى يكذِّبني هنالك خَدُّه
ولئن ترقرقَ دمعه يومَ النوىفي الطَّرْفِ منه وما تناثرَ عِقْدُهُ
فالسيفُ أقطعُ ما يكون إذا غدامُتَحَيِّراً في صفحتيه فِرِنْدُه
وله
هُمْ نصب عيني: أنجدوا أو غارواوَمُنَى فؤادي: أَنصفوا أو جاروا
وهمُ مكانَ السرِّ من قلبي وإنبَعُدَتْ نوىً بهمُ وشَطَّ مَزَار
فارقتهم وكأنهم في ناظريمما تُمَثِّلُهُمْ ليَ الأفكار
تركوا المنازلَ والديار فما لهمإلا القلوب منازلٌ وديار
واستوطنوا البيدَ القفارَ فأصبحتْمنهم ديارُ الإِنس وهْيَ قفار
فلئن غَدَتْ مصرٌ فلاةً بعدهمفلهمْ بأجواز الفَلاَ أمصار
أو جاوروا نجداً فلي من بعدهمْجاران: فيضُ الدمع والتذكار
أَلِفوا مواصلةَ الفلا والبيدِ مُذْهجرتهمُ الأوطان والأوطار
بقلائصٍ مثل الأهلَّةِ عندماتبدو، ولكنْ فوقها أقمار
وكأنما الآفاقُ طراً أَقْسَمَتْأَلاَّ يقر لهم عليه قرار
والدهرُ ليلٌ مذ تناءت دارهمْعنِّي، وهلْ بعد النهار نهار
لي فيهمُ جارٌ يمتُّ بحرمتيإن كان يُحْفَظُ للقلوبِ جِوَارُ
لا بل أَسِيرٌ في وَثَاقِ فائهلهمُ فقد قتل الوفاءَ إِسار
ومنها:
أمنازلَ الأحباب غيَّرَكِ البلىفلنا اعتبارٌ فيك واستعبار
سَقْياً لدهرٍ كان منك تشابهتْأَوقاتُهُ فجميعه أَسحار
قَصُرَتْ ليَ الأعوامُ فيه فمذ نأَوْاطالتْ بي الأَيَّامُ وهي قِصَار
يا دهرُ لا يَغْرُرْكَ ضَعْفُ تجلديإِني على غير الهوى صَبَّار
وله
كأنَّ قدودهمُ أَنبتتْعلى كُثُبِ الرَّمْلِ قُضْبَانَها
حججنا بها كعبةً للسرورِترانا نُمَسِّحُ أَرْكَانَها
فطوراً أعانقُ أَغصانهاوطوراً أُنادم غزلانها
على عاتقٍ إن خَبَتْ شَمْسُنَافَضَضْنَا عَنِ الشمس أَدْنَانَها
وإن ظهرَتْ لكَ محجوبةًقرأت بأَنْفِكَ عُنْوَانَها
كُمَيْتٌ من الراح لكنماجعلنا من الروح فرسانَها
إذا وجدت، حلبةٌ للسروروكان مَدَى السُّكر مَيْدَانها
يطوفُ بها بابليُّ الجفونِتفضحُ خَداهُ ألوانها
إذا ما ادَّعَتْ سَقَماً مُقْلَتَاهُأَقمتُ بجسميَ بُرْهَانها
بكأس إذا ما علاها المزاجُأَحالَ إلى التبر مَرْجَانها
كأنَّ الحَبابَ وقد قُلِّدَتْهُدُرٌّ يُفَصِّلُ عِقْيانها
ومُسْمِعَةٍ مثل شمس الضحىأَضافت إلى الحسن إِحسانها
وراقصةٍ رَقْصُها لِلُّحُونِعَرُوضٌ تُقَيِّدُ أوزانها
ولما طَوَى الليلُ ثوب النهاروجَرَّتْ دَيَأجيه أَرْدَانَها
جلونا عرائسَ مثل اللُّجَيْنِصنعنا من النار تيجانها
وصاغَتْ مدامعها حِلْيَةًعليها تُوَشِّحُ جُثْمَانَها
رماحاً من الشمع تفري الدجىإذا صقلَ الليلُ خُرِصانها
بها ما بأفئدةِ العاشقينَفليستْ تفارقُ نيرانها
وقد أشبهتْ رُقَبَاءَ الحبيبفما يدخل الغُمْضُ أَجفانَها
وفيها دليلٌ بأَنَّ النفوسَ تَبْقَى وتُذْهِبُ أَبْدَانَها
ومن شعره ما أورده أخوه في الجنان وهو قوله:
لم تنلْ بالسيوف في الحرب إِلامثلما نلتَ باللواحظ مِنَّا
وعيونُ الظِّبا ظُباً وبهذاسُمِّيَ الجفْنُ للتشابه جَفْنا
وقوله:
وقد أنكروا قتلي بسيف لحاظهولو أنصفوني ما استطاعوا له جحدا
وقالوا دع الدعْوى فما صحَّ شاهدٌعليها ولسنا نقبلُ الكفَّ والخدا
ولو كان حقاً ما تقولُ وتدعيعلى مقلتيه عاد نَرْجسها وردا
وما علموا أن الحسامَ بِسَفْكِهِدمَ القِرْنِ يوماً عُدَّ أَمْضَى الظُّبَا حَدَّا
وقوله:
لقد طال هذا الليل بعد فراقهوعهدي به لولا الفراقُ قصيرُ
وكيف أُرَجِّي الصُّبْحَ بعدهُمُ وقَدْتَوَلَّتْ شموسٌ منهمُ وبدور
وقوله:
ليت شعري كيفَ أنْتمْ بَعْدَناأَترى عندكم ما عندنا
بنتمُ والشوق عنَّا لم يَبِنْوظعنتمْ والأَسى ما ظَعَنا
ومنها:
قلْ لمسرورين بالبين وقدشفَّنَا من أَجلهمْ ما شفنا
لم يَهُنْ قطُّ علينا بُعْدُكُمْمثلما هانَ عليكم بُعْدُنا
ولقد كُنَّا نعزِّي النفسَ لوكنتمُ قبلَ التنائي مثلنا
لم تُبالوا إِذْ رحلتمْ غدوةًأيَّ شيءٍ صَنَعَ الدهرُ بنا
سهرتْ أَجْفَانُنَأ بعدكمُفَكَأَنَّا ما عَرَفْنَا الوسنا
لا رَأَتْ عينٌ رأتْ من بَعْدِكُمْغيرَ فيضِ الدمع، شيئاً حسنا
ومنها:
واخدعوا العينَ بطيفٍ مثلماتخدعُ القلبَ أَحاديثُ المُنَى
وقوله:
ويا عجباً حتى النسيمُ يخوننيويُضرمُ نيرانَ الأسى بهبوبِهِ
تُحَمِّلُهُ سَلْمَى إِلينا سَلاَمَهافيكتُمُهُ أَلاَّ يَضُوعَ بطيبه
وقوله من قصيدة:
أَترى بأيِّ وسيلةٍ أَتَوَسَّلُلمْ تُجْمِلوا بي في الهوى فتجمَّلُوا
أشكو وجَوْرُكُمُ يزيدُ وما الذييُغني المُتَيَّمَ أَن يقول وتفعلوا
إنْ أَصْبَحَتْ عيني لدمعي مَنْهَلاًفالعينُ في كل اللغات المَنْهَلُ
وقوله في المديح من قصيدة:
عَضَدْت النَّدَى بالبأسِ تُقْضي على العِدَاسيوفُكَ، أو تَقْضي عليكَ المكارمُ
سحائبُ جودٍ في يديك تضمَّنَتْصواعقَ ظَنُّوا أَنهنَّ صوارِمُ
إذا ما عَصَتْ أمراً لهنَّ قلوبُهُمْضَلالاً أَطاعتْ أَمْرَهُنَّ الجماجم
ومنها:
وغُرٍ على غُرٍ جيادٍ كأنماقوائمها يوم الطِّرَاد قَوَادِمُ
إذا ابتدروا في مَأْقِطٍ فَرِحَتْ بهمصدورُ المذاكي والقنا والصوارم
ومنها في صفة السيوف:
تريك بروقاً في الأكف تدلُّنَاعلى أَنَّ هاتيك الأَكفَّ غمائمُ
ومنها في صفة الرماح:
وسُمْرٍ عوالٍ زَيَّنَتْهَا أَكُفُّهُمْفقد حَسَدَتْ منها الكعوبَ اللهاذمُ
إذا عقلوها خِلْنَهُمْ مُتَوَشِّحِيسلوخٍ وفي الأَيْمَانِ منهمْ أَراقم
تلوحُ نجوماً، في النحور غروبهاإذا جَنَّها ليلٌ مع النقعِ قاتم
ومنها في المدح:
إذا صُلْتَ قال الدينُ والعدلُ: منصفٌفإن جُدْتَ قال الجودُ والمالُ: ظالمُ
وقوله:
مالُهُ من فَتْكِ راحتِهِكأعاديه على وَجَلِ
أبداً تتلو مواهِبُهُخُلِق الإنسان من عَجَلِ
وقوله في الوزير رضوان بن ولخشى:
إذا قابَلَتْهُ ملوكُ البلادِ خَرَّتْ على الأرضِ تيجانُها
ولله في أرضه جنَّةٌبمصرَ ورضوانُ رضوانها
وقوله من قصيدة في المدح:
وقَبْلَ كَفِّكَ لا زالتْ مُقَبَّلَةًما إنْ رأينا سحاباً قَطْرُهُ بِدَرُ
أَحْيَت وأَرْدَتْ فمن أَنوائها أبداًصوبُ الندى والردى في الناسِ مُنهمر
أُعْيَت صفاتُكَ فكري وهي واضحةٌكالشمس يَعْجِزُ عن إدراكها البَصَر
وقوله من قصيدة:
جَمَع الفضائل كلَّها فكأنماأَضحى لشخص المَكْرُماتِ مِثالا
ما كان يُبْقي عدلُهُ متظلِّماًلو كان يُنْصِفُ جُودُهُ الأموالا
لا يرتضي في الجُودِ سَبْقَ سؤال مَنْيرجوهُ حتى يَسْبِقَ الآمالا
وقوله من المراثي في كبير، عقب موته نزول مطرٍ كثير:
بنفسيَ من أَبكى السمواتِ موتُهُبغيثٍ ظَنَنّاهُ نوالَ يمينهِ
فما اسْتَعْبَرَتْ إلا أَسىً وتأسُّفاًوإلا فماذا القطر في غير حينه
وقوله:
فإن تكُ قد غاضَ بجودِ أَكُفِّكمْعيونٌ، وفاضتْ بالدموع عيونُ
وخانتكُمُ والدّهْرُ يُرْجَى ويُتَّقَىحوادثُ أَيامٍ تَفِي وتخونُ
فلا تيأسوا إِنَّ الزمان صَروفَهُوأَحداثَهُ مثل الحديثِ شُجون
وقوله من قصيدة:
هو الدهرُ، فانظرْ أَيَّ قِرْنٍ تحاربهْوقد دهمتنا دُهْمُهُ وأَشَاهِبُهْ
ليالٍ وأيامٌ يُغَرُّ بها الوَرَىوما هي إلا جُنْدُهُ وكتائبه
ومنها:
وما سُمُّهُ غيرُ الكرام كأنمامناقِبُهُمْ عند الفَخَارِ مثالبُهْ
ومنها:
لقد غابَ عن أُفْقِ العلا كلُّ ماجدٍله حاضرُ المجدِ التليدِ وغائبه
إِذا ذكرتْهُ النفسُ بتُّ كأنَّنِيأَسِيرُ عِداً سُدَّتْ عليه مذاهبه
وكم ليلةٍ ساهَرْتُ أَنْجُمَ أُفْقِهَاإذا غابَ عني كوكبٌ لاح صاحبه
يطولُ عليَّ الليلُ حتى كأنمامشارقُهُ للناظرين مغاربه
وقد أسلمَ البدرُ الكواكبَ للدجىوفاءً لبدرٍ أَسْلَمَتْهُ كواكبه
يُخَيَّلُ لي أَنَّ الظلامَ عجاجةٌوأَنَّ النجومَ السارياتِ مواكبه
وأَن البُروقَ اللامعاتِ سيوفُهُوأن الغيوثَ الهامعاتِ مواهبه
ومنها:
فقلْ لليالي بعد ما صَنَعتْ بناأَلا هكذا فليَسْلُبِ المجدَ سالبه
وقوله في العتاب والهجاء من قصيدة:
خليليَّ إن ضاقتْ بلادٌ بِرُحْبِهاورائي فما ضاق الفضاءُ أماميا
يظنُّ رجالٌ أنني جئتُ سائلاًفأسخطني أَنْ خابَ فيهمْ رجائيا
وما أنا ممن يُسْتَفَزُّ بمطمعٍفيُخْلِفُهُ منه الذي كان راجيا
ولكنني أَصْفَيْتُ قوماً مدائحيفأصبحَ لي تقصيرُهُمْ بيَ هاجيا
فإن كنتُ لا أُلْفَى على المَنْع ساخطاًكذلك لا أُلْفَى على البَذْلِ راضيا
محاسنُ لي فيهمْ كثيرٌ عديدُهَاولكنها كانتْ لديهم مساويا
تُقَلِّدُهُمْ من دُرِّ نحري قلائداًولو شئتُ عادت عن قليلٍ أفاعيا
ومنها:
ولو كنتُ أنصَفْتُ المدائح فيهمُلصيَّرْتُها للأَكرمينَ مراثيا
وقوله:
لا ترجُ ذا نقصٍ ولو أصبحتْمن دونه الرتبةِ، الشمسُ
كيوانُ أَعلى كوكبٍ موضعاًوهو إذا أَنْصَفْتَهُ نَحْسُ
وقوله في ذم الزمان:
كم كنت أسمع أن الدهرَ ذو غِيَرٍفاليومَ بالخُبْرِ أَستغني عن الخَبَرِ
ومنها:
تشابَهَ الناسُ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍتَشَابُهَ الناسِ والأصنامِ في الصُّوَرِ
ولم أَبِتْ قطُّ من خَلْقٍ على ثِقَةٍإلا وأصبحتُ من عقلي على غَرَر
لا تخدَعَنِّي بمرئيٍ ومُسْتَمعٍفما أُصُدِّقُ لا سمعي ولا بَصَري
وكيف آمَنُ غيري عند نائبةٍيوماً إذا كنتُ مِنْ نفسي على حَذَر
تأبى المكارمُ والمجدُ المؤثَّلُ ليمن أَنْ أُقيم، وآمالي على سَفَرِ
إني لأَشْهَرُ في أَهلِ الفصاحة مِنْشمسٍ وأَسْيَرُ في الآفاق من قمرِ
وسوف أَرْمي بنفسي كلَّ مهلكةٍتَسْرِي بها الشهبُ إن سَارَتْ على خَطَرِ
إِمَّا العُلاَ، وإليها مُنْتَهَى أَمليأَو الرَّدَى، وإِليهِ مُنْتَهَى البَشَرِ
وقوله:
لا تُنْكرَنَّ من الأَنَامِ تَفَاوُتاًإذ كان ذا عَبْداً وذلك سَيِّدَا
فالناسُ مثلُ الأرض منها بُقْعَةٌتَلْقَى بها خَبَثاً وأُخْرَى مَسْجِدا
وقوله:
ومن نكد الأيام أَنِّي كما تَرَىأُكابدُ عيشاً مثلَ دهريَ أَنْكَدَا
أَمِنْتُ عِداتي ثمَّ خِفْتُ أحبَّتيلقد صدقوا، إِنَّ الثقاتِ هُمُ العِدَا
ومن شعره في عدة فنون قوله:
لا تَطْمَعَنْ فيَّ أرضٌ أَنْ أُقيمَ بهافليس بيني وبين الأَرضِ من نَسَبِ
حيث اغتربتُ فلي من عفَّتي وَطَنٌآوي إِليه وأهلٌ من ذوي الأدبِ
لولا التنقلُ أَعْيَا أن يَبينَ علىباقي الكواكب فضلُ السَّبْعَة الشُّهُب
وقوله في شمعة:
ومصفرَّةٍ لا عن هَوىً غير أَنَّهاتحوزُ صفاتِ المستهام المُعَذَّبِ
شجوناً وسُقْماً واصطباراً وأَدْمُعاًوخَفْقاً وتسهيداً وفرطَ تَلَهُّبِ
إذا جَمَّشَتْها الريحُ كانت كمِعْصَمٍيردَّ سلاماً بالبَنانِ المُخَضَّب
وقوله:
لئن زادني قُرْبُ المَزَارِ تَشَوُّقاًللقياك، آذى فِعْلَهُ عَدَمُ الحسِّ
فما أنا إلا مثلُ ساهرِ ليلةٍبدا الفجرُ فازداد اشتياقاً إلى الشمس
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع