من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
النابغة الزبياني
هو النابغة الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية: أحد فحول شعراء الجاهلية، وزعيمهم بعكاظ وأحسنهم ديباجة لفظ، وجلاء معنى، ولطف اعتذار ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، بعد أن امتنع عليه وهو صغير وهو من أشراف ذبيان إلا أن تكسبه بالشعر غض من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه ااتصل بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر، فأدناه منه إلى وشى به عند النعمان أحد بطانته فغضب عليه وهو بقتله. فأسر إليه بذلك حاجبه عصام، فهرب النابيغة إلى ملوك غسان المنافين للمناذرة في ملك العرب، فمدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان، غير أن قديم صحبته للنعمان جعله يحن إلى معاودة العيش في ظلاله، فتنصل مما رمي به. واعتذر إليه بقصائد عطفت عليه قلبه، وزعمر النابغة طويلاً ومات قبيل البعثة.
شعره يمتاز برشاقة اللفظ ووضوح المعنى، وحسن النظم، وقلة التكلف، حتى عد عند المرفقين من الشعراء جرير أنه أشعر شعراء الجاهلية، وأغراه تكسبه بالشعر أن يفتن في ضروب المدح ومن أبلغ شعره معلقته التي أولها:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدارماذا تحيون من نؤى وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيرههوج الرياح بها بي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألهاعن آل نعم أموناً معبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ماتكلمناوالفدار لو كلمتنا ذات أخبار
ومن جيد قوله في الاعتذار
آثاني (أبيت اللعن) أنك لمتنيوتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشتنيهراساً به يعلى فراشي وقشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلغت عني جنايةلمبلغك االواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جرانبمن الأرض فيه مستراد ومهرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم ترهم في شكرهم ذلك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأننيإلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سروةترى كل ملك دونها يتذبذب
وإنك شمسٌ والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ولست بمستبق أخا لا تلمهعلى شعث أي الرجال المهذب
فإن أك مظلوما فبعد ظلمتهوإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع