من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المرتبة الأولى أن يكون مقتضيها على جهة الابتداء من نفسه من غير أن يكون مقتديا بمن قبله
ويكون ذلك على ما يعرض من مشاهدة الحال، وما يعرض من الأمور الحادثة.
ولنورد من ذلك شواهد ما قلنا؟ من ذلك ما أغرب فيه أبو نواس وأبدع حين رأى كأسا من الذهب فيها تصاوير وأمثال، فقال حاكيا لها.
تدار علينا الراح فى عسجديةحبتها بأنواع التصاوير فارس
قراراتها كسرى وفى جنباتهامها تدريها بالقسى الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس
فهذا من المعانى البديعة فإنه أراد أنها مزجت بقليل من الماء حتى صار لقلته بقدر القلانس على رؤوس الكاسات.
قال ابن الأثير وما أعرف ما أقول فى هذا سوى أنى أقول: قد تجاوز أبو نواس حد الإكثار، ومن ذلك ما قاله ابن أبى الشمقمق حين قلد رجل ولاية على الموصل فانكسر لواؤه فتطير بذلك فقال ما قال يقرر خاطره ويؤسيه لما وقع فى نفسه من ذلك وقع عظيم لأجل التطير:
ما كان مندق اللواء بطيرهنحسن ولا سوء يكون معجلا
لكن هذا العود أضعف متنهصغر الولاية فاستقل الموصلا
فلقد أجاد فيما ذكره كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة فى وصف الخمر فأبدع فيه.
ثقلت زجاجات أتينا فرغاحتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخف بالأرواح
فهذا معنى بديع عجيب يفعل بالعقول فى الإعجاب كما تفعل الخمر فى الإسكار، فلهذا قاله على ما شاهد من حالها.
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى وقد صرعت الخيمة بسيف الدولة فوقعت فتطير بذلك فقال فيها قصيدة يذكر ذلك ويقرر نفسه عن الطيرة فمنها قوله:
وإن لها شرفا باذخاوإن الخيام بها تخجل
فلا تنكرن لها صرعةفمن فرح النفس ما يقتل
وكيف تقوم على راحةكأن البحار لها أنمل
فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
فانظر إلى هذه المعانى البديعة، وكفى بالمتنبى فضلا إتيانه بها، وإنه لصاحب كل غريبة ومنتهى كل أطروبة فى المعانى الشرعية، ومن ذلك ما قاله فى وصف حاله عند ورود الحمى عليه.
وزائرتى كأن بها حياءفليس تزور إلا فى الظلام
بذلت لها المطارف والحشايافعافتها وباتت فى عظامى
كأن الصبح يطردها فتجرىمدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوقمراقبة المشوق المستهام
فانظر إلى ما قاله، ما أشد موافقته لما حكى من حاله، وهذا أكثر ما يجرى على ألسنة أهل البلاغة عند مشاهدة ما يشاهدونه من أحوال الحوادث وفيه كفاية لغرضنا.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع