من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المرتبة الثانية ما يوردونه من غير مشاهدة حال
فيجرى عليها ولكن يقتضبونه اقتضابا ويخترعونه اختراعا، فمن ذلك قول على بن جبلة يمدح رجلا بالكرم والجود:
تكفل ساكنى الدنيا حميدفقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصىإليه أن يعولهم فعالا
قال ابن الأثير وقد حام الشعراء حول هذا المعنى، وفاز على بن جبلة بالإفصاح به، ومن ذلك قول أبى تمام:
يا أيها الملك النائى برؤيتهوجوده لمراعى جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لى أملاإن السماء ترجى حين تحتجب
ومن ذلك قوله:
رأينا الجود فيك وما عرضنالسجل منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمتفدلتنا على مطر قريب
ومن بليغ كلامه قوله:
وإذا أرد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
ومن ذلك قوله فى مديحه:
لا تنكروا ضربى له من دونهمثلا شرودا فى الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنورهمثلا من المشكاة والنبراس
ومن ذلك ما قاله ابن الرومى:
لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنهلأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنهبما هو لاق من أذاها يهدد
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
أجزنى إذا أنشدت مدحا فإنمابشعرى أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت بعد صوتى فإننىأنا الصائح المحكى والآخر الصدى
فانظر إلى ما أودعه فى هذين البيتين من المديح ما أرقه، ومن المعنى ما أدقه، ومن ذلك ما قاله ابن الرومى أيضا.
عدوك من صديقك مستفادفلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
ومن دقيق ما يورد فيما نحن بصدده قول بعض الشعراء:
بأبى غزال غازلته مقلتىبين الغوير وبين شطى بارق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق الناشق
وضممته ضم الكمى لسيفهوذؤابتاه حمائل فى عاتقى
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته شيئا وكان معانقى
أبعدته عن أضلع تشتاقهكيلا ينام على وساد خافق
ومن الفائق الرائق ما قاله أبو الطيب يمدح سيف الدولة:
صدمتهم بخميس أنت غرتهوسمهريته فى وجهه غمم
فكان أثبت ما فيهم جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
هذا وأمثاله من بدائع أبى الطيب وعجائبه فى معانيه التى فاق بها على نظرائه، وامتاز فيها على أقرانه من الشعراء، ومن جيد ما يقال فى هذا المعنى ما قاله بعض المغاربة:
غدرت به زرق الأسنة بعد ماقد كن طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومهإذ بان غدر مثالها بمثاله
فهذا وأمثاله من سحريات الشعر وعجائبه، ولنقتصر منه على هذا القدر.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع