من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
فأما الحقيقية
فهى أن تذكر اللفظ المستعار مطلقا كقولك: رأيت أسدا. والضابط لها أن يكون المستعار له أمرا محققا، سواء جرد عن حكم المستعار له، أو لم يجرد بأن يذكر الاستعارة ثم يأتى بعد ذلك بما يؤكد أمر المستعار له ويوضح حاله، وهذا مثاله قولك:
رأيت أسدا على سرير ملكه، وبدرا على فرس أبلق، وبحرا على بابه الوفاد، وبحر علم لا
يحيف فى قضائه وحكمه، وبدر تم يتكلم بجميع الحقائق، فيأتى بهذه الأمور عقيب ذكر الاستعارة من أجل تأكيد أمرها، وإيضاح حالها لأنك إذا قلت رأيت أسدا، فقد حصل مطلق الاستعارة اختصاصه بالشجاعة التى هى خاصة الأسد، فهذه استعارة مطلقة، ثم لما قلت على سرير ملكه، فصلته عن حكم الآساد، إذ ليس الجلوس على السرر من شأنها، وإنما جىء بذلك من أجل تأكيد المستعار له، وهذه تسمى مجردة، وهكذا إذا قلت رأيت قمرا على فرس، وبدر تم يتكلم، فقد أثبت له ضوء الأقمار وتمام البدور، ثم فصلته عما لا يليق بالأقمار والبدور بقولك على فرس، وبقولك يتكلم، لأنه ليس الكون على الخيل والكلام من صفة الأقمار والبدور بحال، ولكن الغرض هو ما ذكرناه من توكيد أمر المستعار له وتوضيح حاله، ومن النمط العالى فى الاستعارة ما قاله بعض الشعراء:
وصاعقة فى كفه ينكفى بهاعلى أرؤس الأعداء خمس سحائب
فلما استعار الصاعقة لنصل السيف عقبه بقوله ينكفى بها، أى يتصل ويلابس رؤوس الأعداء خمس سحائب، أراد بها الأصابع، إيضاحا لأمر الصاعقة، وتبيانا أن ما ذكره من حكم المستعار له، وجعل قرينته دالة على ما أراده من وصف هذا الممدوح، ومن فائق الاستعارة ورائقها قول بعضهم:
ترى الثياب من الكتان يلمحهانور من البدر أحيانا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرهاوالبدر فى كل وقت طالع فيها
فلما استعار ذكر القمر، عقبه بذكر المعاجر وأنه يبليها بطلوعه فيها كل وقت، وذكره من أجل إيضاح أمر المستعار له، وبيان حقيقته.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع