تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الخامس الاستعارات الشعرية

من ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:

فما تركن بها خلدا له بصرتحت التراب ولا بازا له قدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
ولا هزبرا له من درعه لبدولا مهاة لها من شبهها حشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وهذا من بديع الاستعارة وغريبها واستعار الخلد لمن كان مختفيا تحت التراب خائفا، والباز استعاره لمن طار هاربا، والهزبر، والمهاة استعارتان للرجال المقاتلة، وللنساء من السبايا، وهذه مبالغة فى شدة الوقعة والهزيمة، ومن ذلك ما ورد عن بعض الشعراء فى صفة السيف فقال:

حملت حمائله القديمة بقلةمن عهد عاد غضة لم تذبل
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

وقال المتنبى أيضا:

فى الخد إن عزم الخليط رحيلامطر تزيد به الخدود محولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

فالبقلة استعارة للسيف، والمطر جعله استعارة للدمع، ومن ذلك ما قاله الشريف الرضى:

إذا أنت أفنيت العرانين والذرىرمتك الليالى من يد الخامل الذكر
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «تجاف عن الأعداء بقيا فربما»
وهبك اتقيت السهم من حيث يتقىفمن ليد ترميك من حيث لا تدرى
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «تجاف عن الأعداء بقيا فربما»

فالعرانين والذرى، استعارة لعظماء الناس وأشرافهم، ومن ذلك ما ورد عن امرىء القيس فى صفة الليل الطويل:

فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فلما جعل لليل وسطا ممتدا، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيا، استعارة لطوله، واستعار الأعجاز لثقله وبطائه، واستعار الكلكل لمعظم الليل ووسطه، أخذا له من كلكل البعير، وهو ما يعتمد عليه إذا برك. فصور الليل على صورة البعير، حيث جعل له صلبا يتمطى به أولا، وثنى بذكر العجز، وثلث بالكلكل حتى يكاد أن يخيل أنه كصورة البعير، وهو من بليغ الاستعارة ومحاسنها ومن ذلك ما قاله بعضهم.

نبل حباها من رؤوس بنانهريشا ومن حلل المداد نصولا
للشاعر التهامي، من قصيدة «بعثت إليك بطيفها تعليلا»
ففرت شواكل كل أمر مشكلورددن كل مفضل مفضولا
وترى الصحيفة حلبة وجيادهاأقلامه وصريرهن صهيلا
للشاعر التهامي، من قصيدة «بعثت إليك بطيفها تعليلا»

فهذا أيضا من جيد الاستعارة ومليحها فاستعار اسم النبل للأقلام، والريش للأنامل، والنصول لسواد المداد، واستعار اسم الحلبة للقرطاس، والجياد للأقلام وجعل الصرير كالصهيل فى الخيل، وهذا من التوشيح للاستعارة البالغ ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:

العيش نوم والمنية يقظةوالمرء بينهما خيال سارى
فاقضوا مآربكم سراعا إنماأعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادرواأن تسترد فإنهن عوارى
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

ومن غريب الاستعارة ما قاله بعضهم يرثى ولدا له:

وهلال أيام مضى لم يستدربدرا ولم يمهل لوقت سرار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
عجل الكسوف عليه قبل أوانهفمحاه قبل مظنة الإبدار
واستل من أترابه ولداتهكالمقلة استلت من الأشفار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

ولنكتف بهذا القدر فى أمثلة الاستعارات ففيه غنية.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.