تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

وأما الاستعارة الخيالية الوهمية

لهى أن تستعير لفظا دالا على حقيقة خيالية تقدرها فى الوهم، ثم تردفها بذكر المستعار له، إيضاحا لها وتعريفا لحالها كما قال بعضهم:

وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

وقد يجتمع التجريد والتوشيح فى الاستعارة كما قال زهير:

لدى أسد شاكى السلاح مقذفله لبد أظفاره لم تقلم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فلما صوره بصورة الأسد جرد الاستعارة بأن عقبه بكونه حديد الشوكة فى سلاحه، تقريرا لحال الاستعارة، وتوكيدا لأمرها، ثم وشحها بقوله: «له لبد أظفاره لم تقلم» وكما لو قال فى هذا «رأيت أسدا دامى الأنياب وافر البراثن» لكان من باب الاستعارة الموشحة،

ومن الخيالية قولهم: «فلان أنشبت المنية فيه مخالبها» كان تخييلا للاستعارة، لأنه لما شبه المنية بالسبع فى عدوانها وتضريتها على الإنسان، جعل لها مخالب، ليزداد أمر التخييل ويكثر، ومن الاستعارة التخيلية، الآيات الدالة على التشبيه كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ

وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَ

وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ

ومن أجل ذلك زل كثير من الفرق فى اعتقادها جواز الأعضاء على الله تعالى وحلول المكان، والجهة، وغير ذلك من الظواهر النقلية التى يشعر ظواهرها بذلك، فإنهم لما لم يفهموا هذه الاستعارة وجهلوا حالها، وقعوا فى أودية التهويس من اعتقاد التشبيه وتوهم كل ضلالة فى ذاته تعالى، فمن ههنا كان السبب فى ضلال المشبهة، فأما المنزهة فلهم فيها تأويلات ركيكة بعيدة، والذى حملهم على ذلك تقرير القواعد العقلية، فلا جرم اغتفروا بعدها حذرا من المناقضة للقضايا فى البراهين، ولو تفطنوا لهذه الاستعارة لكانوا فى غنية عن أكثر هذه التأويلات الركيكة، فأما التفرقة بين الاستعارة الحقيقية والاستعارة الخيالية، فسنذكرها فى أحكام الاستعارة بمعونة الله تعالى:

وقد يجتمع التحقيق والتخييل فى الاستعارة كما فى بيت زهير:

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلهوعرى أفراس الصبا ورواحله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

فيمكن جعله من باب التخييل، وتقريره هو أنه لما تحقق من حاله أنه أمسك عما كان عليه فى عنفوان الشباب وغضارته من سلوك جانب الغى وركوب مراكب الهوى، استعار له قوله: «عرى أفراس الصبا ورواحله» على جهة التخييل وطريقه، كأنه شبه الصبا فى حال قوة دواعيه وميلانه إلى اللهو والطرب، بالإنسان الذى يقدر على تصريفك على ما تريد، ثم بالغ فى الاستعارة حتى صوره بصورة الإنسان واختراع ما له من الآلات والأدوات، وأطلق اسمها عليه تحقيقا لحال الاستعارة المتخيلة، ويمكن جعله من باب التحقيق، وتقريره أنه استعار الأفراس والرواحل لما يحصل من دواعى النفوس والقوى الإنسانية عند الصبا وميل القلوب إلى الهوى فلهذا قال: عرى عن هذه الأشياء بعد مفارقة الصبا. ومما يمكن تنزيله على هذين الوجهين فى الخيال، والتحقيق، قوله تعالى:

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ

فإذا جعلته من باب التخييل، فتقريره هو أن الله تعالى أمر الولد بأن يلين لهما جانبه، ويتواضع لهما، فاستعار لفظ الجناح، منبها به على التخييل فى الاستعارة بطريق المبالغة فى طلب أن يكون الولد لأبويه،

كالطائر لفرخه فى فرط حنوه عليه وتعطفه على محبته، فجعل الذل طائرا على طريق الاستعارة، ثم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار من الآلات والجوارح، ثم أضاف اسم الجناح إلى الذل، رعاية لمزيد البيان، وإفراطا فى تحصيل البلاغة. وإذا جعلته من باب التحقيق فتقريره أنه لما أراد المبالغة فى لين الجانب للأبوين من جهة الولد، استعار لفظ الجناح للتذلل والتواضع، ونزله منزلة الجناح فى التصاقه بالتراب وإسباله فى التغطية للفرخ، مبالغة فى لين العريكة، وحسن التذلل للوالدين.

ومن ألطف ما نوجهه على هذين التوجيهين قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ

والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين، ولما استعار اللباس ههنا مبالغة فى الاشتمال عليهم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال، رعاية لمزيد البيان فى ذلك، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة، فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال، وانتقاع اللون، وعلو الصفرة، ورثاثة الهيئة، وركة الحال، وحصول القلق والفشل، يضاهى الملابس فى اختلاف أحوالها وألوانها.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.