من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
فأما الاستعارة المجردة
فإنما لقبت بهذا اللقب، لأنك إذا قلت: «رأيت أسدا يجدل الأبطال بنصله، ويشك الفرسان برمحه» فقد جردت قولك: أسدا، عن لوزم الآساد وخصائصها، إذ ليس من شأنها تجديل الأبطال ولا شك الفرسان بالرماح والنصال، ومن التجريد قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
ولو قال: كساها الله لباس الجوع والخوف، لكان توشيحا فبالغ فى شدة ما أصابهم بقوله «فأذاقها» لأن الذوق أبلغ فى الإحساس وأدخل فى الإيلام، من قوله كساها.
لا يقال فأراه لما قال «أذاقها» فلم لم يقل طعم الجوع والخوف ليلائم قوله «فأذاقها» ؟ ولم قال لباس الجوع وبين اللباس والطعام تنافر؟ لأنا نقول إن الطعم وإن كان ملائما للإذاقة، لكنه لو ذكره لما كان مقويا لبيان اشتمال الجوع والخوف لهم، وعموم أثرهما على جميع البدن، كما تعم الملابس وتغطى جميع البدن، فلا جرم حصل من لفظ الإذاقة المبالغة فى إدراك ألم الجوع والخوف بالإدراك بآلة الذوق، وحصل من لفظ اللباس المبالغة فى العموم والاشتمال، فلأجل هذا كان الأولى ذكر اللباس ليحصل المعنيان جميعا»،
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع