من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الكيفية الخامسة
اعلم أن التشبيه كما يقع فى المفرد فهو واقع فى المركب فإذا قصدت إيقاع التشبيه بالمفرد، فإنما تقصد إلى نفس تلك الحقيقة المجردة مع قطع النظر إلى غيرها، وإذا قصدت التشبيه بالمركب. فإنما يؤول الأمر فيه إلى تشبيه مفردات بمفردات، فلا جرم حصل التركيب لا محالة، فأما تشبيه المفرد بالمفرد فمثاله فى الحركة، فإذا أوقعت التشبيه فأنت كما قال ابن المعتز فى صفة البرق.
وكأن البرق مصحف قارفانطباقا مرة وانفتاحا
فلم يقع التشبيه فى جميع أوصاف البرق ومعانيه، ولكن نظر إلى مجرد الحركة فى الانبساط والانقباض، وقد قصر تشبيهه على نفس الحركة، ثم إنه قدر فى نفسه لينظر أى أوصاف الحركة أخص، فوجد ذلك فى فعل القارىء بأوراق المصحف من فتحها مرة،
وإطباقها أخرى، فأما تشبيه المركب بالمركب، فإنه يجمع أوصافا مختلفة، كالشكل واللون والإضاءة والحركة، ومثاله ما قاله بعضهم: والشمس كالمرأة فى كف الأشلّ.
فإن هذا التشبيه يريك مع الاستدارة والإشراق الحركة التى تراها للشمس إذا تأملتها، وذلك أن الشمس لها حركة متلألئة دائمة، ولنورها بسبب ذلك تموج واضطراب ولا يحصل هذا التشبيه إلا بمرآة فى كف أشل، لأن حركتها تدوم وتتصل ويكون لها سرعة وتموج، وتلك حالة الشمس فإن ترى شعاعها كأنه يهم أن ينبسط، وأجود من هذا التشبيه فى اجتماع هذه الأمور قول المهلب الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدتمشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميتيجول فيها ذهب ذائب
ولنقتصر على هذا القدر من الكيفيات ففيه كفاية فيما نريده بمعونة الله تعالى.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع