تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الكيفية الأولى

هو أن الغرض بالتشبيه ومقصوده، إنما هو الإبانة والإيضاح، ثم إما أن يكون بيانا لحكم مجهول، أو يكون بيانا لمقداره، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون بيانا لحكم

مجهول وهذا نحو أن يكون المدعى يدعى ما لا يتصور ثبوته ولا يعقل إمكانه، فيأتى بالتشبيه لبيان إمكانه وهذا كقول بعضهم:

فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

فإن الشاعر أراد أن يقول: إن الممدوح فاق الأنام بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار جنسا برأسه وأصلا فى نفسه، وهذا فى الظاهر كالممتنع، فإنه يبعد فى العقل أن تتناهى بعض آحاد النوع أو شىء من مفرداته فى الفضائل الخاصة والمناقب العالية إلى حد يصير كأنه ليس من ذلك النوع، فلما أطلق ذلك عقبه بقوله «فإن المسك بعض دم الغزال» محتجا به على تصحيح دعواه، وعلى إمكان ما قاله، وعلى أنه ليس محالا، وبيانه هو أن المسك قد خرج لا محالة عن صفة الدم وحقيقته، حتى لا يقال هو منه، ولا يعد من جنسه ولا يوجد فيه شىء من الصفات الشريفة التى للمسك، فلأجل هذا سيق التشبيه من أجل هذه الفائدة.

الوجه الثانى أن يكون بيانا لمقداره، وهذا نحو أن يحاول نفى الفائدة عن فعل بعض الناس، وأن يدعى فيه أنه لا يحصل منه طائل فيقول فيه: فلان كالقابض على الماء، ويخط فى الهواء، فالتشبيه فيما هذا حاله لم يكن مسوقا لبيان الإمكان، بل إنما سيق لمعرفة المقدار؛ لأن الفعل فى نفسه بالإضافة إلى ما يفيده على مراتب مختلفة فى الإفراط، والتفريط، والتوسيط، فإذا مثّل ما ذكرناه من المحسوس عرف قدره، ولهذا قد يقال: حجة واضحة كالشمس، وجهل أظلم من الليل، ومداد كحدقة الغراب، إلى مثل ذلك مما ذكرناه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.