تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

التنبيه الأول فى أن التعريض ليس معدودا من باب المجاز

وبيانه هو أن المجاز ما دل على خلاف ما وضع له فى الأصل، والتعريض ليس حاله هكذا، فإنه دال على ما كان دالا عليه فى الأصل، خلا أنه أفاد معنى آخر بالقرينة، ومثاله قوله تعالى:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً

فهذا استفهام ورد على جهة الإنكار، وهو مجاز فيه، وهو دال على ما وضع له، لكنه تعريض بالكفار فى إنكار الرجعة، والمعاد الأخروى، وليس دالا عليه من جهة مجازه، ولا من جهة حقيقته، وإنما هو مفهوم من جهة القرينة، كما قررناه من قبل. ومن غريب ما جاء فى التعريض قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: «إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، وإن أكرم الموت القتل، والذى نفس ابن أبى طالب بيده، لضربة ألف سيف أهون على من ميتة على الفراش» فهذا كلامه، قاله على جهة التعريض لأصحابه فى تأخرهم عن الجهاد ونكوصهم عن قتال عدوهم، ثم قوله أيضا يخاطب به أصحابه: «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا للجهاد فولهوا وله اللقاح لأولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، وصفا صفا، بعضهم هلك، وبعضهم نجا» إلى آخر كلامه. فهذا كلام أخرجه مخرج التعريض بأصحابه، حيث لم ينقادوا لأمره، ولا استمعوا قوله.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.