من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصورة الأولى [حذف الفعل بانفراده]
إما على أن يبقى فاعله دليلا عليه، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
أعنى ولو ثبت أنهم صبروا، كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
والتقدير فيه، وإن استجارك أحد من المشركين، وغير ذلك، وإما على أن يبقى مفعوله دليلا عليه وهذا كقولهم: «أهلك والليل» أى بادر أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وكقوله تعالى: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها
الغرض احذروا ناقة الله، وما جاء فى حديث جابر رضى الله عنه لما سأله رسول الله ﷺ هل تزوجت، فقال له «نعم» فقال: بكرا أم ثيبا، فقال بل ثيب فقال: «هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك» ومن حذف الفعل حذفا لازما فى المصادر كقولك: حمدا وشكرا، وما ذاك إلّا لأنهم جعلوا هذه المصادر عوضا عن أفعالها، فلا جرم التزموا حذفها معا، وهذا يكون على طريقة السماع، ومن حذف الفعل على جهة القياس ما ورد على جهة التشبيه كقولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار وصراخ صراخ الثكلى، وما ورد على جهة التثنية كقولك: «لبيك، وسعديك ودواليك»، إلى غير ذلك من المصادر المثنّاة، إلى غير ذلك من الأمور القياسية، وقد فصلناها تفصيلا شافيا فى شرحنا لكتاب المفصّل، ومن حذف الفعل قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
لأنه لما قال: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
كأن قائلا قال متى يكون التفضيل الأكثر، قيل يوم ندعو كل أناس، ومن حذف الفعل قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
والتقدير فيه وادعوا شركاءكم، ويؤيد ما قلناه قراءة أبىّ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم وإذا كان ههنا قراءة لها تأويلان، وكان
أحد التأولين تعضده قراءة أخرى وجب حملها على التأويل المعضود بقراءة أخرى، ولا يكون. شركاءكم عطفا، لأنه لا يقال أجمعت شركائى وإنما يقال أجمعت أمرى، لأن معنى أجمع الأمر، نواه وعزم عليه، وحذف الفعل كثير فى القرآن وحذفه إنما يكون على جهة الإيجاز بالحذف من أجل البلاغة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع