من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصورة الثالثة: [حذف المفعول]
والحذف فيه قد يكون على وجهين، أحدهما أن يحذف على جهة الاطّراد، وينسى فعله، ويجعل كأنه من جملة الأفعال اللازمة، لأن الغرض هو ذكر الفعل دون متعلّقه، ومن هذا قولهم فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، ويحل ويعقد، وينقض ويبرم، وينفع ويضر، فلما كان المقصود ذكر الفعل على جهة الإطلاق لم يحتج إلى ذكر مفعوله ومتعلّقه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
وثانيهما أن يحذف من جهة اللفظ ويراد من طريق المعنى والتقدير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى مع بنتى شعيب، فإنه حذف المفعول فى
أربع جمل، فقال: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما
التقدير يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان أغنامهما فسقى لهما مواشيهما، بعد قولهما لا نسقى مواشينا، ومن هذا قوله تعالى:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
اى لو شاء أن يذهب لأذهب، وقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
وغير ذلك من آيات المشيئة والإرادة، فإن حذف المفاعيل فيها كثير الجريان والورود، ومن هذا قول أبى عبادة البحترى:
ولو شئت لم تفسد سماحة حاتمكرما ولم تهدم مآثر خالد
ولا تكاد ترد مفاعيل المشيئة إلّا فى الأشياء المستغربة المتعجّب من حالها كقوله تعالى:
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
وقوله تعالى لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع