تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الوجه الثانى: [الانتقال من المضارع إلى الماضى]

وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ

لأن إيثار الماضى والعدول إليه دال على مبالغة فى الثبوت والاستقرار، ومن هذا قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ

ولم يقل: «ونحشرهم». وقد يعدل إلى لفظ اسم المفعول عن الفعل الماضى، إجراء له مجرى الفعل المضارع، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ

لأن التقدير فيه، «ذلك يوم يجمع فيه الناس»، ويؤيده قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ

ومما جاء فى الالتفاتات من الأبيات الشعرية قول جرير:

متى كان الخيام بذى طلوحسقيت الغيث أيّتها الخيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

فهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب. وكقول امرىء القيس:

تطاول ليلك بالإثمدونام الخلّى ولم ترقد
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»
وبات وباتت له ليلةكليلة ذى العائر الأرمد
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»
وذلك من نبأ جاءنىوخبّرته عن أبى الأسود
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

الأبيات، فتحصل من مجموع ما ذكرناه أن أهل البلاغة من العرب دأبهم الالتفات، ويستكثرون منه، وما ذاك إلا لأنهم يرون الانتقال من أسلوب إلى أسلوب أدخل فى القبول عند السامع وأكثر لنشاطه، وأعظم فى إصغائه، وإذا كانوا يستحسنون قرى الأضياف وهو دأبهم وعليه هجيرهم وعادتهم فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، أفلا يستحسنون نشاط الأفئدة وملاءمة القلوب بالمخالفة بين أسلوب. وأسلوب، بل يكون هذا أجدر فإن اقتدارهم على مخالفة أساليب الكلام أكثر من اقتدارهم على مخالفة الأطعمة؛ لأن البلاغة فى الكلام عليهم أيسر، وهم عليها أمكن وأقدر، فهذا ما أردناه من إيراد ما يتعلق بالالتفات من الخطاب.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.