من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
القانون الأول فى بيان منزلة اللفظ من معناه، وبيان درجته منه
اعلم أن الذى عليه علماء الأدب من أهل اللغة وعلم الإعراب وهو الذى عول عليه جماهير الأصوليين أن دلالة الألفاظ على معانيها، إنما هو من جهة المواضعة، وخالف فى ذلك طوائف. واستقصاء الكلام يليق بالمباحث الكلامية، فإذا قلت: قام زيد فإنه يفيد بالوضع أمورا ثلاثة، القيام، وزيد، واتصاف زيد بالقيام، فإذا كانت الألفاظ مفيدة للمعانى كما ترى لكونها موضوعة من أجلها، فاعلم أن الذى عليه أهل التحقيق أن الألفاظ تابعة للمعانى، وقد صار صائرون إلى أن المعانى تابعة للألفاظ، والذى أوقعهم فى هذا الوهم وقرر عندهم هذا الخيال، هو أنهم لما رأوا المعانى لا يرسخ معقولها فى الأفئدة إلا بعد أن تخرق الألفاظ قراطيس أسماعهم، فتوهموا من أجل ذلك أنها تابعة للألفاظ، والمعتمد فى بطلان هذه المقالة أوجه ثلاثة، أولها: هو أن معنى الفرس، والأسد، والإنسان، مفهوم عند العقلاء لا يتغير، والعبارات عن كل واحد من هذه الحقائق تختلف عليه بحسب اختلاف اللغات من العربية، والفارسية، والتركية، والرومية، والسريانية، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ كما زعموه لوجب أن تكون مختلفة لاختلاف هذه الألفاظ، فلما عرفنا خلاف ذلك دل على صحة ما قلناه، من كون المعانى أصلا للألفاظ، وثانيا: أن المعانى منها ما يكون معنى واحدا، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن يكون المعانى مختلفة أيضا، فلما كان المعنى واحدا والألفاظ متغايرة بطل ما قالوه، وثالثها أن المعانى لو
كانت تابعة للألفاظ للزم فى كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، وهذا باطل، فإن المعانى لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعا لما له نهاية، وإنما كانت الألفاظ متناهية، لأنها داخلة فى الوجود، وكل ما داخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لا نهاية له، وموضعه الكتب العقلية، وقد رمزنا إلى دليله هناك، وإنما كانت المعانى بلا نهاية؛ لأنها غير موجودة وإنما هى حاصلة فى الذهن، وما وجد فقد تناهى، فأما مالا يوجد فليس له غاية، كالحقائق الذهنية، والأمور المتصورة، فإنه لا نهاية لها قبل تعلق العلم بها، فأما بعد تعلق العلوم بها فهى منحصرة بانحصار علومها.
لا يقال فإذا كانت المعانى، سابقة على الألفاظ، وهى أصل لها، فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى وهذا يشعر بأن المعانى تابعة للألفاظ، لأنا نقول: هذا فاسد، فإنا قد أوضحنا أن الألفاظ تابعة للمعانى بما سبق من الأدلة فلا وجه لتكريره، قوله فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى، قلنا الغرض من قولنا إن الألفاظ دالة على المعانى، هو أن المعانى سابقة فى الثبوت والاستقرار على الألفاظ، وهى بلا نهاية لكن احتيج إلى معرفة بعض تلك المعانى التى بلا نهاية من أجل التصرفات، وإحراز مقاصد الخلق، فلأجل هذا وضعوا لما تمسّ الحاجة إليه من المعانى ألفاظا تدل عليها وتكون مشعرة بها، لتواضعهم على إفادتها ليمكن التخاطب بها ويسهل قضاء الأوطار بسبب ذلك، وما كان عنه غنية فلا حاجة إلى أن يضعوا له ألفاظا تدل عليه لوقوع الاستغناء عنه بما ذكرناه، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن الألفاظ تابعة للمعانى، وأنها بلا نهاية، وأن الألفاظ متناهية بما شرحناه والحمد لله.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع