تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

القانون الرابع فى جهة إضافة الكلام إلى من يضاف إليه

اعلم أن كل نثر ونظم من جميع الكلمات فله جهتان، الجهة الأولى أن يكون فاعلا له فى الحال، فإذا قال الواحد منا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

«وقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» فإن هذا الكلام يضاف إليه على جهة أنه فعله وأوجده بقدرته، ولهذا فإنه واقف على حسب قصده وداعيته كسائر أفعاله، فإنه لا فرق بين إيجاده لما قلناه بلسانه، وبين تحريك يده فى أن كل واحد منهما مضاف إليه على معنى أنه فعله واخترعه.

الجهة الثانية أن يكون مضافا إليه على معنى أنه ابتدأه وأنشأه أولا، فإن الحمد لله رب العالمين، مضاف إلى الله تعالى على معنى أنه أنشأه، وهكذا قوله «قفا نبك من ذكرى» فإنه مضاف إلى امرىء القيس، وكل واحد من هاتين الإضافتين حقيقة فى الإضافة؛ لأنهما يسبقان إلى الفهم فلا وجه لجعل أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإذا تمهّدت هذه القاعدة، فالبلاغة إنما تحصل بتأليف الكلام ونظمه وإعطائه ما يستحقه من الإعراب، وإعمال العوامل، وتوخى جميع معانى النحو ومجاريه التى يستحقها، وبيان ذلك هو أن وضع الكلم المفردة بالإضافة إلى واضع اللغة لا تغيير لها، والتصرف لأهل البلاغة إنما هو فى التأليف، ألا ترى أن أفراد قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

مقولة على ألسنة الناس، والإعجاز إنما كان من أجل نظمها وتأليفها بحيث كان الحمد مبتدأ، ولله متأخرا عنه خبره، ورب العالمين، مضاف، وإجراؤه صفة لما قبله فى الإعجاز من جهة الانتظام، فإذن حال أنفس الكلم مع المؤلف كحال الإبريسم مع ناسج الديباج، والذهب مع صائغ التاج، فحظه من ذلك إنما هو تأليفهما ونظمهما لا غير.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.