تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه (٣)

وهو جار فيما هو فيه على قانون النصفة، وسالك لطريق الحق والمعدلة، من ذلك ما قاله فى صفة المؤمنين وأهل التقوى: وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله فى أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة، وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا على غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون، فلو مثلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم: على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها، أو نهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة، وتنزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، وأعدت لهم مقاعد الكرامات، فى مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم، وحمد مقامهم، رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته، جرح طول

الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله يد قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون.

ومن كلام له ﵇ يصف فيه أهل النفاق قال فيه: أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق، فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون، يتلونون ألوانا، ويفتنون افتنانا، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية، وصفاتهم نقية، يمشون الحفا، ويدنون الضرا، وصفهم دواء وقلوبهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكدو البلاء، ومقنطو الرجاء، لهم بكل طريق صريع، وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع، يتقارضون الثناء، ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا، وإن عذبوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا، قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلا، ولكل حى قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل صباحا، فهم لمة الشيطان، وحمة النيران، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.

فانظر إلى كلامه فى الفريقين كيف أبرز من كل واحد منهما حقيقة حاله وميز أحدهما عن الآخر ومثله بأعجب مثاله، قد طابق بكلامه المراد، من غير نقصان فيه ولا ازدياد، وأقول لقد ضربت عليه البلاغة سرادقها، وأحاط من الفصاحة بمكنونها وأسرار حقائقها.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.