من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الثانى من السنة الشريفة (٢)
وهذا كقوله ﷺ: فما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فإن السامع إذا وقف على قوله: فما بعد الدنيا من دار، فإنه يتحقق لا محالة أن ما بعده «إلا الجنة أو النار» لما بينهما من شدة الملائمة وعظيم المناسبة، ومن هذا قوله ﵇ لما سار لفتح خيبر، فلما رآها قال الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فإن السامع إذا وقف على قوله: نزلنا بساحة قوم، عرف أن ما بعده، فساء صباح المنذرين، لأن قوله إذا نزلنا بساحة قوم فيه وعيد عظيم لهم بالبوار والإهلاك فهو دال على قوله فساء صباح المنذرين، لأنه لا صباح أعظم فى البلاء من ذلك اليوم لما اشتمل عليه من القتل والأخذ، ونهب المال، ولا بلاء مثل هذا، وهذا وإن كان قد سبق به القرآن لكنه قد تكلم به فى ذلك اليوم، فلا جرم أوردناه فى أمثلة السنة، وإنما عظم موقع الآية وكان لها من الفخامة وعلو الشأن فى البلاغة، لما كانت واردة على جهة التمثيل، مثل حالهم فى عدم التفاتهم إلى ما أنذروا من العذاب الأليم بحال من أنذر بحصول الجيش فلم يلتفتوا ولا أخذوا أهبة الحذر منه حتى نزل بدارهم فقطع دابرهم واستأصل شأفتهم، فمن أجل هذا لاءم قوله فإذا نزل بساحتهم إلى آخر الآية، حتى فهم آخرها قبل ذكره، ومن هذا قوله ﵇ فى صفة القرآن: فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفّع وشاهد مصدّق من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل لى خير سبيل، من قال به
صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، فانظر إلى هذا الكلام ما أعجب تلاؤمه وأعظم تناسبه، فكان بعضه آخذا بأعناق بعض، فلو سكت على كل كلمة لكانت معربة بأختها قبل ذكرها، وهذا هو شأن الإرصاد وحقيقة أمره، فلو سكت على قوله «فإذا التبست عليكم الأمور» لأفهم بقوله «كقطع الليل المظلم» لأن اللبس هو أن لا يهتدى فيه للأمر، كما أن الظلمة لا يهتدى فيها للطريق وقوله «شافع» دال على القبول لأنه فى معرض المدح، وإعلام بكونه مشفعا وقوله «شاهد مصدق» لأن الصدق أحسن ما يعرض للشهادة عند الحكام، فإذا كانت المدح فأحسن أحوالها كونها صادقة وقوله «من جعله أمامه» لأن كل من كان أمامك فهو آخذ بزمامك كما يقاد الجمل بزمامه من قدامه، وهو كناية عن العمل بأوامره ونواهيه وقوله «ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» لأن من كان خلفك فهو يسوقك كما تساق الدابة من خلفها، وهو كناية عن إهماله وتضييع أحكامه وترك العمل بها، فلو سكت على قوله «أمام» و «خلف» لأفهما ما وراءهما من ذلك، ثم قال «وهو أوضح دليل» فأفهم خير السبيل من جهة أن الدليل لابد له من ثمرة وهو الهداية إلى الطريق، ثم قال «من قال به صدق» لأنه لا يعرض للقول الحسن إلا صدقه «ومن عمل به أجر» لأنه لا ثمرة للعمل إلا الأجر، وقوله «ومن حكم به عدل» لأنه لا جدوى للحكم إلا إذا كان عادلا فحصل من هذا أن الأمر على ما قلناه من أن هذه الكلمات كلها ملتئمة كأنها أفرغت فى قالب واحد وفى هذا كفاية ليقاس عليه غيره.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع