تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المذهب الثانى

منعه آخرون، وزعموا أن الأمور لها حدود ونهايات مما يدخل تحت الإمكان، فأما ما كان من الأمور ما لا يدخل تحت الإمكان ولا يعقل وجوده فلا وجه له، والمذموم من الإفراط ما لا يدخل له فى الوجود على حال، والمختار عندنا جوازه على كل أحواله، لأنه إذا كان جائز الوجود فهو معجب لا محالة، لاشتماله على المبالغة فى المدائح وأنواع الذم، وإن لم يكن جائز الوجود فالإعجاب به أشد، والملاحة فيه أدخل، وقد ورد مثل ذلك فى كتاب الله تعالى قال الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ

. على قراءة من قرأ بفتح اللام فى تزول؛ لأنها هى الفارقة بين المؤكدة والنافية، وعلى هذا يكون معنى الآية وإن مكرهم لتزول منه الجبال، فأمّا من قرأ بكسر اللام فإنها هى المؤكدة للجحد، وليس فيها دلالة، ولا شك أن من المحال فى العقول أن المكر يزيل الجبال ويزحزحها عن مستقرّاتها، وهكذا قوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ

، ومن المحال حصول الإرادة فى الجدار، وقوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ

ويستحيل الهدم فى الصلوات، وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ

ويستحيل فى القرية أن تذوق، وقوله:

وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ

، والدم لا يكون كذبا إلى غير ذلك من

الاستعارات الرائقة، فإن كان الإفراط كله يكون قبيحا فما هذا حاله مما ورد فى القرآن ليس إفراطا وإن كان الإفراط منقسما إلى حسن وقبيح، فهذا الذى ورد فى القرآن من أحسنه وأعجبه، ولنورد أمثلة الإفراط من المنظوم قال عنترة:

وأنا المنية فى المواطن كلّهاوالطعن منى سائق الآجال

ومن ذلك ما قاله بشار:

إذا ما غضبنا غضبة مضريّةهتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى:

إذا ارتعثت خاف الجبان ارتعاثهاومن يتعلّق حيث علق يفرق

يصف امرأة بطول عنقها، والرعاث جمع رعث وهو القرط المعلق بالأذن ومن ذلك ما قاله أبو نواس يمدح رجلا قال:

وأخفت أهل الشرك حتى إنهلتخافك النّطف التى لم تخلق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»

ويحكى أن العتّابى لقى أبا نواس فقال: أما خفت الله تعالى: واستحييت منه حيث تقول «وأخفت أهل الشرك» البيت فقال له أبو نواس وأنت ما راقبت الله حيث قلت:

ما زلت فى غمرات الموت مطّرحايضيق عنى وسيع الرأى من حيلى
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لىحتى اختلست حياتى من يدى أجلى

فقال له العتابى قد علم الله وعلمت أن هذا ليس من مثل قولك، ولكنك تعدّ لكل ناصح جوابا، وقد أورد أبو نواس هذا المعنى فى قالب آخر فقال:

كثرت منادمة الدماء سيوفهفلقلّ ما تحتازها الأجفان
حتى الذى فى الرّحم لم يك صورةلفؤاده من خوفه خفقان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

فانظر إلى هذه المعانى ما أكذبها وما ألطفها وأرقها وأرشقها، وكل من خرقت قرطاس سمعه فإنه يعجب منها غاية الإعجاب، فأما أبو الطيب المتنبى. فإن له فى الإفراط اليد

البيضاء، والطريقة المثلى قال:

كأن الهام فى الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»
وقد صغت الأسنّة من همومفما يخطرن إلا فى فؤاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

فانظر إلى هذه الاستعارة الرائقة التى أنافت على كل غاية، وجاوزت فى الحسن والديباجة كل نهاية، ومن ذلك ما قاله:

طوال الردينيات يقصفها دمىوبيض السّريجيات يقطعها لحمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

ومن ذلك ما قاله أيضا:

أمضى إرادته «فسوف» له «قد»واستقرب الأقصى «فثمّ» له «هنا»
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وارشق مما ذكرناه وأدق قوله:

عقدت سنابكها عليها عثيرالو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وأعجب من هذا وأدق، ما قاله أيضا:

كأنها تتلقاهم لتسلكهمفالطعن يفتح فى الأجواف ما تسع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

إلى غير ذلك من الرقائق الرائقة والعجائب الفائقة التى فاق فيها على نظرائه، وسبق إلى غايتها قبل وصول شعرائه ومن وقف على حكمه وأمثاله، عرف أن أحدا ممن كان فى عصره لم ينسج على منواله.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.