تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

تنبيه (٩)

اعلم أن من جملة الآداب الحسنة، واللطائف المستحسنة، أن تترك الخطاب لأهل المدائح بالأمر له بكذا وكذا، وإنما تخرجه مخرج الاستفهام، إعظاما للممدوح وإجلالا له، عن أن يكون مأمورا، وما حاله إذا فعل فإنه يكسب الكلام جمالا ويزيده أبّهة ويعطيه كمالا، كما فعل البحترى فى قصيدة أنشدها قال:

فهل أنت يا بن الراشدين مختّمىبياقوتة تبهى علىّ وتشرق

ولو قال ختّمنى يابن الراشدين بياقوتة، لم يكن فى الرشاقة والإجلال للخليفة كالأول، ومن هذا قول بعضهم يمدح بعض خلفاء بنى العباس:

أمقبولة، يابن الخلائف من فمىلديك بوصفى غادة الشعر روده

فهكذا يصلح خطاب الملوك والخلفاء على هذا الوجه من حسن الأدب، ولقد غلا بعض من يدعى البلاغة، وزعم أنه لا ينبغى مخاطبة الملوك والخلفاء والأكابر بكاف الخطاب، وهذا فاسد، فإن الله تعالى هو مالك الملك والمتعالى بصفات الكمال، قد خوطب بكاف الخطاب كقوله تعالى لرسوله ﷺ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً

، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ

وقد جاء ذلك على ألسنة الفصحاء كثيرا ومنه قول النابغة:

وإنك كالليل الذى هو مدركىوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

ومن هذا قوله أيضا:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

نعم إنما يكره ذلك فى المكاتبات، دون الأقوال، وإنما يؤتى فى الكتابة على جهة الغيبة فى مخاطبة الملوك وأهل الرفعة لا غير، ومن الآداب الحسنة أن لا تخاطب الملوك بأسماء أمهاتهم وجدّاتهم، وقد عيب على أبى نواس ما أورده فى قصيدته الميمية التى امتدح بها الأمين محمد بن هارون الرشيد حيث قال:

أصبحت يا بن زبيدة ابنة جعفرأملا لعقد حباله استحكام

فإن ذكر الله الخليفة فى هذا الموضع قبيح، وكان له مندوحة عن ذكر مثل ذلك بأبيه أو بجده أو غير ذلك من سائر المدائح المعروفة عند الشعراء المفلقين، وقد أخذ عليه أيضا قوله فى قصيدة اخرى:

وليس كجدّتيه أم موسىإذا نسبت ولا كالخيزران
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رضينا بالأمين عن الزمان»

فإن مثل هذا يعد فى الركيك من الشعر فضلا عن أن يكون معدودا من فصيحه، وهكذا فإنه قد أخذ على جرير فى مدح عمر بن عبد العزيز بذكر أمه حيث قال:

وتبنى المجد يا عمر بن ليلىوتكفى الممحل السّنة الجمادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»

فهذا وأمثاله مما يعاب ذكره، وينبغى للشاعر والخطيب تجنّبه كما أشرنا إليه، لا يقال فكيف قال رسول الله ﷺ فى الزبير لما أخبر أنه سيقتل: بشّر قاتل ابن صفية بالنار، فنسبه

إلى أمه، لأنا نقول هذا مخالف لما نحن فيه، فإنه لا مدح بذكر أمهات الخلفاء والملوك، لأنه لا فضل فيهن، بخلاف حديث الزبير، فإن الرسول ﷺ ما قال ذلك إلا ليرفع قدره فى قرب نسبه منه، لكونه ابن عمته وهكذا العذر فى قوله تعالى: يا عيسى بن مريم، فإن الله تعالى إنما خاطبه بذكر أمه، لمّا كان لا أب له، فيذكر باسم أبيه فكان ذكر الأم ضرورة فى حقه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.