تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الوجه الأول منهما أن يكون [كاملا]

وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثانى فى الأوزان والقوافى من غير مخالفة لأحدهما للثانى فى زيادة ولا نقصان، وما هذا حاله فإنه يعز وجوده، وقليلا ما يقع فى كلام البلغاء لصعوبة مأخذه، وضيق مسلكه ولم يوجد فى القرآن شىء منه، وما ذاك إلا لأنه جاء بالأخف والأسهل، دون التعمق النادر، مع أنه قد أخرس الجن والإنس، وأيس كل واحد منهم أن يأتى بلفظة من ألفاظه أو بأقصر سورة من سوره، وقد زعم بعض الناس أنه يوجد فيه شىء منه، ومثّله بقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

وهذا جهل بمعنى الترصيع وتركيبه، فإن الفجار لا يماثل الأبرار فى وزنه، وهكذا قوله «لفى» فإنه كررها فى الفقرتين جميعا، فما هذا حاله فإنما هو تجنيس، وليس ترصيعا، وإنما يكون من الترصيع لو قال: إن الأبرار لفى نعيم وإن الأشرار لمن جحيم، فيكون الأشرار مقابلا للفظ الأبرار، والجحيم مقابلا للنعيم، «ومن» مقابله «لفى» فى الوزن والقافية، فهو إنما يؤثر على جهة النّدرة على الشرط الذى ذكرناه، فمن ذلك ما وقع فى الحريريات من قوله: يطبع الأشجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فجميع ما وقع فى السجعة الثانية مطابق لما وقع فى السجعة الأولى فى الوزن والتقفية من غير زيادة ولا نقصان «فيقرع» بإزاء «يطبع» والأسماع فى مقابلة «الأسجاع» «وزواجر» بإزاء «جواهر» و «وعظه» فى مقابلة «لفظه». ومن ذلك ما قاله الشيخ عبد الرحيم بن نباتة الخطيب: الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور

بقواصم مكره، ثم قال فى أثناء هذه الخطبة أولئك الذين رحلوا فأقمتم، وأفلوا فنجمتم، فما هذا حاله ترصيع بالمعنى الذى ذكرته من غير مخالفة، ومن ذلك ما حكى عن ابن الأثير فى كلام له قال فيه: والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما حسّنته فكرة التزوير، ومن كلامه قوله من قوّم أود أولاده، ضرّم كمد حسّاده، وفى كلام ابن الأثير ههنا نظر، لأن الأولاد ليس مماثلا للحساد، ومن ذلك ما قاله بعض العرب: من أطاع غضبه، أضاع أدبه ومن المنظوم ما قاله بعض الشعراء:

فمكارم أوليتها متبرعاوجرائم، ألغيتها متورّعا

فقوله مكارم، بإزاء جرائم، وأوليتها فى مقابل ألغيتها، ومتبرعا فى مقابلة متورعا، فما هذا حاله لا يقع فيه نزاع بين أهل البلاغة فى كونه معدودا من باب الترصيع، لاجتماع الفقرتين فى الوزن والقافية.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.