تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الضرب الثانى فى مقابلة الشىء بضده من جهة معناه دون لفظه

ومثاله قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً

فقوله يهدى ويضل من باب الطباق اللفظى، وقوله يشرح صدره مع قوله يجعل صدره ضيقا حرجا من الطباق المعنوى، لأن المعنى بقوله يشرح يوسعه بالإيمان ويفسحه بالنور حتى يطابق قوله ضيقا حرجا وهكذا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى

فقوله كذب وصدق، وقوله اليسرى والعسرى من باب الطباق اللفظى، وقوله أعطى مع قوله بخل، فإنما هو من الطباق المعنوى، لأن المعنى فى أعطى، كرم، ليطابق «بخل» فى معناه دون لفظه، ومن ذلك ما قاله البحترى:

يقيض لى من حيث لا أعلم النّوىويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم

فقوله: لا أعلم مطابق لقوله «أعلم» من جهة معناه، لأن معناه من حيث أجهل، ومن التقابل فى الأضداد من جهة المعنى قول أبى تمام:

مها الوحش إلا أن هاتا أوانسقنا الخطّ إلا أن تلك ذوابل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

فأحد الإشارتين للحاضر، وهو قوله «هاتا» وأحدهما للغائب وهو قوله «تلك» فالضدية حاصلة فيهما من جهة معناهما، ومن ذلك ما قاله المقنّع الكندى من أبيات الحماسة:

لهم جلّ مالى إن تتابع لى غنىوإن قلّ مالى لم أكلفهم رفدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»

فهذا من الطباق المعنوى، لأن قوله: إن تتابع لى غنى، معناه إن كثر مالى، وعلى هذا يناقض قوله «قلّ مالى».

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.