تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الضرب الثالث فى بيان المعاظلة بالصيغ المفردة من غير الأدوات

وهذا نحو توارد الصيغ المتماثلة من الأوامر الفعلية، وهو فى ذلك على وجهين، أحدهما: أن ترد مجردة عن العطف، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى:

أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعدزد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة وهى مثال الأمر، كأنه قال افعل افعل وهكذا إلى آخر البيت، فما هذا حاله فتكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرا لحروف المعانى، وفيها ما ترى من الثقل على المسموع من أجل تكريرها على هذا الوجه، وقد تضمن سياقها تركيبا وتداخلا مكروها، وثانيهما: أن يرد مع واو العطف، ومثاله ما يحكى عن عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن قال:

احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخشن ورش وأمر وانتدب للمعالى

فهذا كالأول فى التكرير، خلا أن هذا ليس فى الكراهة كالوجه الأول فى الثقل، وما ذاك إلا من أجل توسط الواو فأكسبته خفة ورقة، لا يقال فلو كان هذا مكروها لم يرد فى كتاب الله تعالى: وقد ورد كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ

لأنا نقول هذا فاسد فإنه لم يتكرر مع الواو إلا قوله: وخذوهم واحصروهم، فأما الجملة الأولى فهى مغايرة لتعلقها بقوله حيث وجدتموهم، وهكذا حال الرابعة، فإنها متعلقة بغيرها فلم يبق إلا قوله: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ

وقد تضمنا الواو، وفيهما من حسن السبك وجودة التأليف وخفته على الآذان ما لا يخفى، فأين هذا من ذاك.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.