من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف الثانى التنبيه
وحاصله أن تطلق كلاما ثم تردفه بما يؤيده ويقرر معناه، ومثاله قول من قال:
هو الذئب أو للذئب أوفى أمانةوما منهما إلّا أذلّ خؤون
فأطلق قوله هو الذئب للإخبار عنه بالغدر والمكر، ثم أردفه بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» تنبيها على قول من يقول وأى أمانة للذئب، فقال مستدركا مقررا للمعنى «وما منهما إلا أذل خؤون» فالتنبيه إنما كان بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» ليستدعى قوله «وما منهما إلا أذل خؤون» ومنه قول الآخر:
وقد أعددت للحدثان حصنالو انّ المرء تنفعه العقول
فقوله «أعددت للحدثان حصنا» تنبيه على قول قائل: وهل يمنع من الحدثان حصن؟
فتلافاه بقوله «لو أن المرء تنفعه العقول» وقال بعض الشعراء:
إذا ما ظمئت إلى ريقهاجعلت المدامة عنها بديلا
وأين المدامة من ريقهاولكن أعلّل قلبا عليلا
فنبه بقوله: «وأين المدامة من ريقها» على قول قائل: هل تكون المدامة بدلا عن ريقها، فاستدرك عند ذلك بقوله: «ولكن أعلل قلبا عليلا».
ومما هو منسحب فى أذيال التنبيه «التتميم» وهو أن تأخذ فى بيان معنى فيقع فى نفسك أن السامع لم يتصوره على حد حقيقته وإيضاح معناه فتعود إليه مؤكدا له فيندرج تحت ما ذكرناه من خاصة التنبيه، وهذا كقول ابن الرومى:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفى الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصباحتجلو الدّجى والأخريات رجوم
فقوله «نجوم» ورد غير مشروح، لأنه لا يفهم منه ما ذكره من التفصيل فى البيت الآخر، فلهذا كان مبهما، فلما شرح تقاسيم النجوم فى البيت الثانى جاء متمما له ومكملا لمعناه فلا جرم كان معنى التتميم فيه حاصلا، وكان فيه التنبيه على ما ذكرناه، فلهذا أوردناه على أثر التنبيه لما كان قريبا منه وملتصقا به فكان أحق بالإيراد على أثره وبالله التوفيق.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع