من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف السابع عشر فى التفريع
وهو تفعيل من قولك فرّعت هذا إذا قررته على أصله، ومنه فروع الشجرة، لأنها ثابتة على أصولها، وكل ما كان مبنيا على غيره فهو فرع له، وأما مفهومه فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن إتيانك بقاعدة تكون أصلا ومقدمة لما تريده من المدح أو الذم ثم تأتى بعد ذلك بتفصيل المديح وتعيّنه بعد إجمالك له أولا، فالكلام الأول يؤتى به على جهة المقدمة، وبالآخر على جهة الإكمال والتتميم والتفريع لما أصلته من قبل، ثم يكون على وجهين، الوجه الأول منهما أن يصدر الكلام الأول بحرف النفى وهو «ما» وتجعله أصلا لما تريد ذكره من بعده، ثم تأتى بعد ذلك بأفعل التفضيل وهذا كقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبةغنّاء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرقمؤزّر بعميم النّبت مكتهل
يوما بأطيب منها طيب رائحةولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
فمجيئه «بما» فى أول الكلام «وبأفعل» فى آخره هو كمال التفريع، وكقول أبى تمام:
ما ربع ميّة معمورا يطوف بهغيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجلأشهى إلى ناظرى من خدّها التّرب
ولأمير المؤمنين المنصور بالله فى هذا ما يروق الناظر حيث قال مثنيا على امرأته متعة بنت ابن عمران اليامى:
وما شادن بالرمل يرعى وربماأشاح حذارا عند جرس العواصف
وما غصن بان نطّق الرمل حقوهبأحسن من بيض الملا والملاحف
وما بيضة بات الظّليم يحفهاوما لحنها من رقّة المترادف
وما دمية من زخرف فى رخامةيشابه متناها متون الصّحائف
وما بدرتمّ بعد عشر وأربعتردّى من الهالات خضر المطارف
وما عسجدىّ برمكىّ مشوّفخلاص تهاداه أكفّ الصيارف
وما درّة الغوّاص صبّر نفسهليغنم منها عرضة للمتالف
بأحسن من بنت ابن عمران فى الدّنايراع لها من هزّة كلّ واصف
فانظر إلى ما حوته هذه الأبيات من التشبيه الحسن، والتفريع اللائق.
الوجه الثانى ما يكون على خلاف هذه الصفة، وهو أن يأتى المتكلم بصفة يقرب إليها ما هو أبلغ منها فى معناها فيذكرها ليفرع عليها غيرها، وهذا كما قال بعض الشعراء:
أحلامكم لسقام الجهل شافيةكما دماؤكم تشفى من الكلب
ففرع عن وصفه لهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهالات، شفاء دمائهم من دماء الكلاب الكلبة، وكما قال ابن المعتز:
كلامه أخدع من لحظهووعده أكذب من طيفه
فبينا هو يصف خدع كلامه، إذ فرّع عليه وصف كذب وعده، وقوله أيضا:
وكأنّ حمرة لونها من خدّهوكأنّ طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صبّ المزاج تشعشعتعن ثغره فحسبته من ثغره
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع