من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف الثامن عشر فى التوجيه
وهو تفعيل من قولك وجّهت هذا البرد، إذا جعلت له وجها يحسن لأجله ويرغب فيه، هذا فى اللغة، وأما فى مصطلح علماء البيان فهو أن يكون الكلام له وجهان، ثم إنه يرد فى البلاغة على استعمالين نذكرهما بمعونة الله تعالى.
الاستعمال الأول أن يؤكد المدح بما يكون مشبها للذم بأن تنفى عن الممدوح وصفا معينا ثم تعقبه بالاستثناء فتوهم أنك استثنيت ما يذم به فتأتى بما من شأنه أن يذم به وفيه المبالغة فى مدح الممدوح ومثاله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
ومن ذلك ما قاله ابن الرومى:
وما تعتريها آفة بشريّةمن النوم إلا أنها تتحيّر
كذلك أنفاس الرياض بسحرةتطيب وأنفاس الأنام تغيّر
وأحسن من هذا ما قاله بعض الشعراء يمدح قومه ويثنى عليهم:
ولا عيب فينا غير أنّ سماحناأضرّ بنا والناس من كل جانب
فأفنى الرّدى أرواحنا غير ظالموأفنى النّدى أموالنا غير غاصب
أبونا أب لو كان للناس كلهمأبا واحدا أغناهم بالمناقب
وكقول ابن الإصبع فى تأكيد الذم بما يشبه المدح:
خير ما فيهم ولا خير فيهمأنّهم غير مؤثمى المغتاب
وأراد وصفهم بقلة الخير والمعروف وما فيهم من الخير إلا أنهم لا ينكرون على من عاب أحدا فى مجالسهم ولا يمنعونه عن ذلك.
الاستعمال الثانى من التوجيه، وهو أن يمدح شىء يقتضى المدح بشىء آخر وهذا كقول المتنبى:
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنّئت الدّنيا بأنك خالد
فأول البيت دال على المدح بالشجاعة، وآخره دال على علو الدرجة، ومن هذا قول بعضهم من النثر، هم بحار العلى إلا أنهم جبال الحلسم، وكقول بعض الشعراء:
هو البدر إلّا أنه البحر زاخراخلا أنّه الضر غام لكنه الويل
ومما يحتمل المدح والذم على جهة الاستواء قولك للأعور «ليت عينيك سواء» فيحتمل أن تكون العوراء مثل الصحيحة فى الرؤية، ويحتمل عكس ذلك.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع