من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
النوع الثانى السلخ
وهو أخذ بعض المعنى، ولا تعويل فيه على إيراد اللفظ واشتقاقه من سلخ أديم الشاة، وهو أخذ بعض جسم المسلوخ، ويرد على أوجه كثيرة وأنحاء متعددة، ولكنا نقتصر على
إيراد المهم منها، فهى كفاية وبالله التوفيق، ثم إنه يأتى على أوجه ثلاثة، الوجه الأول أن تكون السرقة مقصورة على المعنى لا غير، من غير إيراد لفظ ما سرق منه، وهذا من أدق السرقات مسلكا وأحسنها صورة، وأعجبها مساقا، ومثاله قول بعض أهل الحماسة:
لقد زادنى حبا لنفسى أنّنىبغيض إلى كلّ امرىء غير طائل
فقد أخذ المتنبى هذا المعنى واستخرج منه ما يشبهه من جهة معناه، ولم يورد شيئا من ألفاظه ولكنه عول فيه على المعنى وقصره عليه:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقصفهى الشهادة لى بأنّى كامل
فمن كثر عراكه للأشعار، وممارسته لها فإنه لا يغرب عن فهمه أن ما ذكره المتنبى مأخوذ معناه من بيت الحماسة، فصاحب الحماسة يقول إن نقص الدنىء إياى مما يزيد نفسى حبا عندى لكون الذى نقصها لا فضل له، فيعرف فضلى، والمتنبى يقول إنّ ذم الناقص إياى شاهد بفضلى، فذم الناقص له مثل نقص الذى هو غير طائل فهما متفقان من جهة المعنى.
الوجه الثانى: أن تكون السرقة بأخذ المعنى وشىء يسير من اللفظ، فمن ذلك ما قاله حسان بن ثابت يصف الرسول ﷺ ويمدحه:
ما إن مدحت محمّدا بمقالتىلكن مدحت مقالتى بمحمّد
فأخذه أبو تمام فأكمل معناه، واسترق شيئا من لفظه على القلة قال:
ولم أمدحك تفخيما لشعرىولكنّى مدحت بك المديحا
فانظر إلى تكريرهما لفظ المدح فى البيتين من غير زيادة، وكذلك قول ابن الرومى:
وما لى عزاء عن شبابى علمتهسوى أنّنى من بعده لا أخلّد
استرقه من بيت لمنصور النمرى قال فيه:
قد كدت أقضى على فوت الشباب أسىلولا تعزّىّ أنّ العيش منقطع
وهكذا قول أبى تمام يمدح رجلا بالجود والسخاء والكرم:
وإذا المجد كان عونى على المرء تقاضيته بترك التقاضى
استرقه منه ابن الرومى بأحسن استراق فى أخذ معناه قال:
ووكلت مجدك فى اقتضائك حاجتىوكفى به متقاضيا ووكيلا
فهذه السرقات كلها معنوية مع إعادة بعض اللفظ كما ترى.
الوجه الثالث: من السلخ أن يؤخذ بعض المعنى فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
عطاؤك زين لامرىء إن حبوتهببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لا مرىء بذل وجههإليك كما بعض السّؤال يشين
فأخذه أبو تمام ونقص من معناه بعض النقصان قال فيه:
تدعى عطاياه وفرا وهى إن شهرتكانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة زمناحتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا
فالأول أتى بمعنيين، أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير، وهو أن عطاءه زين، فهذا ما أردنا ذكره مما يتعلق بالسلخ، وفيه أوجه غير هذه تركنا ذكرها للاستغناء بما ذكرنا عنها، ومن عرف ما قلناه أمكنه إدراك ما عداه من هذا النوع.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع