من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
التنبيه الأول فى بيان معناه
واعلم أن لفظ البديع، فعيل بمعنى مفعول، كقولنا جريح وقتيل، أو فعيل بمعنى مفعل نحو حكيم بمعنى محكم وأنشد النحاة:
وقصيدة تأتى الملوك حكيمةقد قلتها ليقال من ذا قالها
وهو فى كلا وجهيه بمعنى مفعول، ولا يختلفان إلا فى أن أحدهما مأخوذ من الثلاثى المجرد فتقول بدع هذا يبدعه فهو بديع، أى مبدوع، والثانى مأخوذ من الثلاثى المزيد فتقول فيه أبدع هذا يبدعه فهو مبدع، والفاعل مبدع، قال الله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أى مبدعهما ومعنى البديع الموجد بالقدرة لا على جهة الاحتذاء، فالمبدىء والمبدع سيّان فى أن كل واحد منهما حاصل من غير مثال سابق ولا احتذاء متقدم، وأما فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن الكلام المؤلف على جهة الإسناد المجازى من حيث الاستعارة، ولنفسر مقصودنا بهذه القيود بمعونة الله، فقولنا عبارة عن الكلام، إعلام بأن البديع إنما هو خاص بالكلام دون سائر الأفعال كلها، فإنه لا مدخل له فيها، فلا يقال فى رشاقة القدّ وحسن الدلّ، إنه من البديع، فهو إنما يكون من عوارض الكلام لا غير، وقولنا «المؤلف» يحترز به عن الكلم المفردة بالإضافة إلى كل واحدة من أعدادها،
فإنه لا يقال له بديع، لأنه مخصوص بما كان مؤتلفا من أجزاء، وقولنا «على جهة الإسناد» يحترز به عما إذا كان التركيب حاصلا، لكن من غير جهة الإسناد، كقولك زيد، عمر، بكر، خالد، فإن ما هذا حاله وإن كان مركبا لكنه غير مسند، لأن الإسناد فى مثل قولك زيد قائم وعمرو خارج وغير ذلك، والبديع إنما يكون حيث تحصل الفائدة، فأما ما لا فائدة فيه فلا موقع لعلم البديع فيه، وإنما يزداد حسنا فيما كان تركيبه مفيدا، وقولنا «المجازى» يحترز به عن الحقائق فإنه لا مدخل لعلم البديع فيما كان جاريا على جهة الحقيقة، وإنما موضعه المجازات البليغة، وقولنا «من جهة الاستعارة» يحترز به عن أكثر أنواع المجازات، فإنه لا مدخل للبديع فيها، وهذا نحو مجاز الزيادة، ومجاز النقصان، وغير ذلك من المجازات، فالمجاز أعمّ من البديع، ولهذا فإن كل بديع فهو مجاز، وليس كل مجاز بديعا، بل هو مخصوص بمجاز الاستعارة دون غيرها من سائر المجازات، وهكذا القول فى التشبيه المظهر الأداة، فإنه لا يدخله البديع، لأنه ليس من جملة المجاز فيقال بأنه داخل فى علم البديع، وإذا لم يكن داخلا فى المجاز فلأن يمتنع دخوله فى البديع أولى وأحق، فهذا تقرير ماهية البديع لغة واصطلاحا.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع