تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الخامس فى أخذ المعنى والزيادة عليه معنى آخر

فمن ذلك ما قاله جرير:

غرائب ألّاف إذا حان وردهاأخذن طريقا للقصائد معلما

فأخذه أبو تمام وزاد عليه زيادة بديعة فأعجب كل الإعجاب:

غرائب لاقت فى فنائك أنسهامن المجد فهى الآن غير غرائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

فحاصل كلام جرير أن قصائده لا يماثلهن غيرهن، فإنهن مفردات عن أشكالهن، وحاصل كلام أبى تمام أن لهن أمثالا صادفنها فأنسن إليها، فكلاهما قد أورد الغرائب فى شعره، خلا أن ابا تمام زاد عليه بأن قرنها بذكر الممدوح، فلهذا كانت لائقة حسنة لذلك، ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح كريما:

يصدّ عن الدنيا إذا عنّ سؤددولو برزت فى زىّ عذراء ناهد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

وقد أخذه من قول بعض الشعراء:

ولست بنظّار إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء فى جانب الفقر
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

خلا أن أبا تمام زاد عليه قوله «برزت فى زىّ عذراء ناهد» ولم يتضمنه قول الشاعر الثانى، ومن ذلك ما قاله البحترى:

ركبوا الفرات إلى الفرات وأمّلواجذلان يبدع فى السّماح ويغرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

أخذه من قول مسلم بن الوليد:

ركبت إليه البحر فى ماخراتهفأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر

خلا أن البحترى زاد عليه قوله «جذلان يبدع فى السماح ويغرب» فهذه الزيادة زادته

حسنا إلى حسنه، وإعجابا إلى إعجابه كما تراه ههنا، ومن ذلك ما قاله جرير يمدح بنى تميم:

إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

فأخذه أبو نواس فى قوله:

وليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم فى واحد

وزاد عليه زيادة رشيقة، وذلك أن جريرا جعل الناس كلهم بنى تميم، وأبو نواس جعل العالم كلهم فى واحد، فلا جرم كان ما قاله أبلغ وأدخل فى المدح والإعظام، ومن ذلك ما قاله الفرزدق:

علام تلفّتين وأنت تحتىوخير الناس كلّهم أمامى
متى تأتى الرّصافة تستريحىمن الأنساع والدّبر الدّوامى

أخذه أبو نواس وزاد فيه زيادة صار بها فى غاية الحسن والإعجاب فقال:

وإذا المطىّ بنا بلغن محمدافظهورهنّ على الرجال حرام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»

فالفرزدق أراد أنها تستريح من الشد والرّحل فيدميها ذلك ويدبرها، وليس استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال وأعفاهن من الأسفار إعفاء مستمرا، فلهذا كان بليغا بهذه الزيادة كما ترى، ومن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح كتيبة:

أمام خميس أرجوان كأنهقميص محوك من قنا وجياد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

فأخذه أبو الطيب المتنبى وزاد عليه زيادة هى الغاية فى الكمال فقال:

وملمومة زرد ثوبهاولكنّها بالقنا مخمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

فانظر إلى حسن ما ذكره فى القنا حيث جعله خملا لثوب الزرد، فناسبه نهاية المناسبة، وكان ملائما غاية الملائمة، وهذا المعنى غير حاصل فى بيت أبى نواس وهو من عجائبه التى انفرد بها، وملحه الفائقة لمن نظر فيها، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يمدح رجلا بالكرم:

وإن جاد قبلك قوم مضوافإنّك فى الكرم الأوّل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

أخذه بعض الشعراء وزاد عليه فأجاد فيما قاله وأصاب فيه «أنت فى الجود أول وقضى الله أن لا يرى لك الدهر ثانى».

فما ذكره من المعنى الجزل والمدح العالى ليس حاصلا فى بيت أبى الطيب، ولنقتصر على هذا القدر من السرقات الشعرية وبيان أمثلتها ففيه مقنع وكفاية فى التنبيه على ما وراءه من ذلك، فإنه باب واسع من الفنون الشعرية، وفيه أودية، وله شجون وفنون، وفيما أوردناه غنية، وبتمامه يتم الكلام على النمط الثانى من بيان أنواع الفصاحة المعنوية من أنواع البديع، وقد نجز الكلام على الباب الرابع الذى رسمناه فى علوم البديع وأصنافه، والله الموفق للصواب.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.