من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
النوع الرابع عكس المعنى
وما هذا حاله فهو بالغ فى المجد كل مبلغ، ومن لطافته ورقته ورشاقته يكاد يخرجه عن حد السرقة، فمن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح نكاح الصغار واللاتى لم ينكحن:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهمأشهى المطىّ إلىّ ما لم تركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبةنظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فعكس ما قاله مسلم بن الوليد فقال:
إن المطيّة لا يلذّ ركوبهاحتى تذلّل بالزمام وتركبا
والحبّ ليس بنافع أربابهحتى يفصّل فى النظام ويثقبا
ومن ذلك ما قاله ابن جعفر فى الوصل والقلى:
ولما بدا لى أنها لا تريدنىوأنّ هواها ليس عنّى بمنجلى
تمنّيت أن تهوى سواى لعلّهاتذوق صبابات الهوى فترقّ لى
فأخذ هذا المعنى بعضهم وعكسه على حسنه قال:
ولقد سرّنى صدودك عنّىفى طلابيك وامتناعك منّى
حذرا أن أكون مفتاح غيرىوإذا ما خلوت كنت التمنّى
فانظر إلى كلام ابن جعفر فلم يبال فى إلقاء رداء الغيرة عن منكبه ومشاركة غيره له فى مواصلة محبوبه، وأما الآخر فهو على الضد من ذلك، ومن ذلك ما قاله أبو الشّيص فى الغرام بمحبوبه:
أجد الملامة فى هواك لذيذةحبّا بذكرك فليلمنى اللّوّم
فأخذه أبو الطيب المتنبى وعكس ما قاله عكسا لائقا قال فيه:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامةإنّ الملامة فيه من أعدائه
وما هذا حاله فإنه من السرقات الخفية كما أشرنا إليه، وقد قال بعض الحذاق إن ما هذا حاله بأن يسمى ابتداعا أحق من أن يسمى سرقة، ومن هذا ما قاله بعض الشعراء فى صفة الكرام ومدحهم:
لولا الكرام وما استنّوه من كرملم يدر قائل شعر كيف يمتدح
وقد سبقه بهذا المعنى أبو تمام خلا أن أبا تمام جعله فى الكرم، وهذا جعله فى المدح، قال أبو تمام فى ذلك فأجاد كل الإجادة:
ولولا خلال سنّها الشّعر ما درىبغاة النّدى من أين تؤتى المكارم
فهذا ما تحصّل من الأمثلة فى العكس.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع