من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
شروط فصاحة الكلام
ص: (قيل: ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات).
(ش): أى من الناس من شرط فى فصاحة الكلام أن يكون خاليا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، وأنشد على الأول قول أبى الطيب:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرةسبوح لها منها عليها شواهد
وقوله:
حمامة جرعا حومة الجندل
وفيه نظر!
ــ
وفى التمثيل بهذا البيت نظر سيأتى، وعلى الثانى قول ابن بابك:
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعىفأنت بمرأى من سعاد ومسمع
قال فى الإيضاح: (وفيه نظر)؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل فى اللسان، فقد حصل الاحتراز عنه، وإلا فلا يخل بالفصاحة. وقال عبد القاهر: لا شك فى ثقل ذلك فى الأكثر، إنما هو قد يحسن إذا سلم من الاستكراه. قال: ومما حسن فيه قول ابن المعتز:
فظلّت تدير الرّاح أيدى جآذرعتاق دنانير الوجوه ملاح
قلت: وأين الإضافات هنا فضلا عن تتابعها، وإنما هنا إضافتان.
وقد اعترض على المصنف فى قوله: (إن أدى إلى الثقل على اللسان) فقد احترز عنه بأنه إنما تقدم ما يحترز به عن تنافر الكلمات، وهذا ليس كذلك. قلت: والحق التفصيل، فالتنافر الحاصل من التكرار تقدم الاحتراز عنه؛ لأن الكلمات المتماثلة متنافرة. ألا ترى أن التنافر فى وقبر حرب البيت إنما هو تكرار المتماثلات، والتنافر الحاصل من الإضافات لم يتقدم ما يحترز به عنه، وادعى بعضهم التعقيد فى تكرار هذه الضمائر، وفيه نظر؛ لأن رجوعها إلى شئ واحد واضح. فإن فرض ذلك حيث تختلف الضمائر اختلافا لا يظهر معه المعنى، كان عدم الفصاحة للتعقيد، لا للتكرار، ثم قال فى الإيضاح: وقد قال النبى ﷺ:" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". وهذا الحديث رواه ابن حبان فى صحيحه فى النوع
ــ
الرابع من القسم الثالث، وليس كما ذكره المصنف؛ بل فيه ذكر الكريم أربع مرات، ونصه" الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" قلت: هذا لا تعلق له بالإضافات، فإن قصد أن يستشهد به لعدم كراهية التكرار، ففيه نظر؛ لأن كل اسم لمعنى غير الآخر، بخلاف الضمائر فى بيت المتنبى، فإنها ترجع لشئ واحد. ثم نقل عن الصاحب بن عباد، أنه كره الإضافات المتداخلة، وأنها لا تستعمل إلا فى الهجاء، كقوله:
يا علىّ بن حمزة بن عمارهأنت والله ثلجة فى خياره
قلت: وقد جعل المصنف نحو هذا البيت من أنواع البديع كما ستراه، وسماه بالاطراد. ولعل الجمع بين كلاميه أنه نوعان، ثم نقل المصنف، أن عبد القاهر قال: لا شك فى ثقله فى الأكثر إلا إذا لطف. قلت: فيما قالوه نظر. وأين تتابع الإضافات هنا؟
وأحسن ما يستدل به على فصاحة تتابع الإضافات قوله تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا وقد ينازع فيه فيقال: إن الإضافات هاهنا ترجع إلى إضافتين، أو إضافة فإن ذكر الرحمة رحمة، ورحمة الله صفته، ويؤيد ذلك قول النحاة: إنه يراد الحال من المضاف له، إذا كان المضاف جزأه، أو كجزئه؛ لأنه يصير وجود الإضافة كعدمها، ثم المضاف إليه ضمير. ومثله أيضا فى تتابع الإضافات قوله تعالى: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي وقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وقوله تعالى: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ إن جعلنا الكاف اسما، وقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ والحديث:
" قاب قوس أحدكم وموضع سوط أحدكم فى الجنة خير من الدنيا وما
ــ
فيها" وإذا اعتبرنا الإضافة المعنوية، كان فى (يوم يأتى) خمس إضافات؛ لأن تقديره: يوم إتيان بعض آيات ربك، وقوله ﷺ فيما يحكى عن ربه:" أنا عند ظن عبدى بى" وقد يستشهد لتتابع التكرار بقوله تعالى: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا وقوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا ويمكن الجواب بأن ذلك فى جملة، والآيتان فى جمل. لكن يرد حينئذ نحو قوله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ الآية، وقوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى آخره.
(تنبيه): قوله: (تتابع الإضافات) لم يتبين مقصوده فيه، وذكره لبيت ابن المعتز، دليل أنه يكتفى فى ذلك بإضافتين وفيه نظر، لأن فى القرآن والسنة ما لا يكاد يحصى من ذلك. وإذا أردت تحرير العبارة، قلت: قد يكره تتابع الإضافات بشروط: أن تكون ثلاثا فأكثر، وأن لا يكون واحد منها جزءا أو كالجزء، وأن لا يكون المضاف إليه الأخير ضميرا، وأن لا يكون فيها إضافة فى علم، كقول أبى سفيان:" لقد أمر أمر ابن أبى كبشة" فليس فى مثل ذلك استكراه، وإذا اعتبرت هذه الشروط حصل الجواب عن الآيات السابقة.
(تنبيه): إذا تأملت ما ذكره المصنف، علمت أن كل هذه الأمور غير مخلة بالفصاحة فى الكلام بل فى الكلمات المتعددة التى لا إسناد بينها وبه تبين أن مراده بالكلام ما زاد عن الكلمة.
(تنبيه): ذكر غير المصنف أمورا تعتبر فى فصاحة الكلام منها:
عدم تتابع الأفعال، وليس من ذلك قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
ــ
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ لتوسط الواو وتعلق كل بمفعول مع زيادات فى الابتداء والانتهاء.
ومنها: تتابع الصفات المترادفة.
ومنها: كثرة الألفاظ المصغرة، وكثرة التجنيس، أو الطباق، كما ذكره الخفاجى والتنوخى، وإن كان القليل من كل هذه الأمور حسنا.
بقى على المصنف أسئلة:
الأول: أن قوله: (الخلوص من كثرة التكرار وتتابع الإضافات) موضوعه الخلوص منهما معا، ومقصوده من كل منهما كما سبق.
الثانى: أن التكرار أقل ما يصدق عليه الاسم منه ذكر الشئ مرتين، فكثرة التكرار لا تصدق بذكره ثالثا فلا كثرة تكرار فى نحو: لها منها عليها، وقد يمنع ذلك، فإن الزائد عن الأقل وهو ثلاثة يصدق عليه اسم الكثرة.
الثالث: أن المصنف ذكر فى باب القصر أن التكرار من عيوب الكلام، وكلام السكاكى أيضا يشعر به، وذكر المصنف فى الإيضاح هنا أنه ليس بعيب، وكذلك فى باب الإطناب؛ بل جعله حسنا فإنه أحد أنواع الإطناب، وجعله فى باب الإيجاز عيبا، والجمع بين الجميع أن منه الحسن، ومنه القبيح. ونقل حازم عن جماعة، أن التكرار يحسن فى مواضع الشوق والمدح والهجاء. ويرد بأن هذه المواضع وغيرها سواء فى اختلاف ذلك باختلاف المقام والحال، وذكر من قول أبى تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورىمعى وإذا ما لمته لمته وحدى
قال: فإنه لا سبيل إلى التعبير عن هذا المعنى إلا بالتكرار. وقال: وكذلك كل ما لا يمكن التعبير عنه إلا بالتكرار فهو حسن. قال: فهذا بيت تكررت فيه حروف الحلق، وتكررت فيه ألفاظ، وهو يحسن. قلت: ومنه يعلم أن ما لعله يتخيل فيه من الثقل، إنما هو للتكرار، لا لاجتماع الحاء والهاء كما سبق، ألا ترى إلى قوله: (تكررت فيه حروف الحلق) ولم يقل: تعددت. قال: ومما لا يمكن التعبير عنه إلا بالتكرار فحسن، وإن خالف فيه بعضهم قول المتنبى:
وفى المتكلّم ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود، بلفظ فصيح ...
ــ
وحمدان حمدون وحمدون حارثوحارث لقمان، ولقمان راشد
فلعل ممدوحه كان له قصد فى ذكره الأسماء على هذا الترتيب. اه. وقال الخفاجى أيضا فى سر الصناعة: إنه حسن؛ لأنه لا يتم ذكر أجداد الممدوح إلا به.
وبالغ ابن رشيق فى ذمه، وقد وقع فى هذا البيت فائدة سأذكرها فى باب الاطراد من البديع، وشرط الخفاجى أيضا فى قبح التكرار عدم فصل كلمة بينهما، كقولك: (له به عناية) فلو قلت: له عناية به، لم يقبح. ونقل عن قدامة أنه أنكر قبح تكرار الرباطات - يعنى الضمائر - مثل:
سبوح لها منها عليها شواهد
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع