من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
مقدمة المصنف لعروس الأفراح
قال الشيخ الإمام، العالم العلامة، حجة الإسلام، مفتى الأنام أوحد الفصحاء والبلغاء، شيخ النحاة والأدباء، كنز المحققين وسيف المناظرين بهاء الملة والدين: أبو حامد أحمد ابن سيدنا ومولانا قاضى القضاة بقية المجتهدين ولسان المتكلمين تقى الدين السبكى، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته:
الحمد لله الذى فتق عن بديع المعانى لسان أهل البيان، ورتق الأفواه عن تفسير المثانى إلى أن فتحتها بلاغة آل عدنان، ومحق ببراعة كتابه العربى، وأسنة دينه القوى ما خالفهما من جدال اللسان، وجلاد السنان، ورزق الفصاحة المحمدية من الحكمة البالغة ما مزق حكم اليونان.
نحمده على نعمتى الإنشاء والإعادة، ونشكره شكرا ورد به الخبر المسند فنصدر عن مبتداه بمنتهى السعادة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشتمل على جناح القلب فتسكن بمد النصر لها يرمى بشرر كالقصر، وتنكس حصون الشرك بملائكة السبع الطباق لما شيد لها النفى والإثبات من القصر، وتفتح عند موازنة الأعمال باب الغفران بعد المعاضلة، وتتحف بالجبر إذا بدت من كتاب السيئات تخاريج المقابلة، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صاحب الفصل والوصل فى الواقعة إذا وقف الصف يوم الحشر، والمسند إليه الشفاعة إذا التفت الساق بالساق، واشتد كرب ذلك اللف والنشر ﷺ وعلى آل محمد وصحبه، الذين اغتدوا باستخدامه لهم ملوكا يستعبدون معالى الصفات، وارتدوا ملابس التقوى بتجريد قلوب لم يكن لها إلى غيره التفات، واقتدوا به فهم فى التشبيه كالنجوم، لأن محاسن الأمة منهم استعارة، وإليهم إضافات صلاة جارية على الخطاب المنصف والأسلوب الحكيم، حاوية لتمام الاتصال بالصراط المستقيم، وسلم تسليما يعلن به اللسان الطاهر، ويبطن القلب من اعتباره المناسب ما يساعده مقتضى الظاهر، ما خفقت للبلاغة راية مجد فى بنى غالب بن فهر، وتعلقت بأزمة الفصاحة أهل مصر، لما لهم من نسب وصهر.
ــ
(أما بعد) فإن تلخيص المفتاح فى علم البلاغة وتوابعها بإجماع من وقف عليه، واتفاق من صرف العناية إليه أنفع كتاب فى هذا العلم صنف، وأجمع مختصر فيه على مقدار حجمه ألف، ولم أزل مشغوفا بهذا الفن وله محبا، مشغول الخاطر بالعزم على التجرد إليه وإن كنت على غيره من العلوم مكبا، منذ أبرزتنى الإرادة إلى الوجود إبراز الهلال، وبشرتنى حال المولد بالبلوغ لهذا العلم براعة الاستهلال، وآذنتنى الفراسة أن حسن التخلص حينئذ إنما كان كناية عن مقتضى الحال، وتعريضا بحقيقة ما سيكون من إدراك الآمال.
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكّنا
إلى أن أعربت عن حال التمييز، وبلغت ما تنازع إليه النفس من الاشتغال بمصنفاته ما بين مطنب ووجيز، فلم أطلع للمتأخرين فيه على تصنيف محكم تقر بتهذيبه العين، ولا وقفت لهم فيه على تأليف مجمل أو مفصل أشاهد صحاح معانيه فلا أطلب أثرا بعد عين، أما أهل بلادنا فهم مستغنون عن ذلك بما طبعهم الله تعالى عليه من الذوق السليم، والفهم المستقيم، والأذهان التى هى أرق من النسيم، وألطف من ماء الحياة فى المحيا الوسيم، أكسبهم النيل تلك الحلاوة، وأشار إليهم بأصبعه فظهرت عليهم هذه الطلاوة، فهم يدركون بطباعهم ما أفنت فيه العلماء فضلا عن الأغمار الأعمار، ويرون فى مرآة قلوبهم الصقيلة ما احتجب من الأسرار خلف الأستار.
والسيف ما لم يلف فيه صيقلمن طبعه لم ينتفع بصقال
فيا لها غنيمة لم يوجف عليها من خيل ولا ركاب، ولم يزحف إليها بعدو عديّة ولا بلحاق لا حق وانسكاب سكاب، فلذلك صرفوا هممهم إلى العلوم التى هى نتيجة أو مادة لعلم البيان، كاللغة، والنحو، والفقه، والحديث، وتفسير القرآن. وأما أهل بلاد المشرق، الذين لهم اليد الطولى فى العلوم، ولا سيما العلوم العقلية والمنطق، فاستوفوا هممهم الشامخة فى تحصيله،
ــ
واستولوا بجدهم على جملته وتفصيله، ووردوا مناهل هذا العلم فصدروا من عندها بملء مسجلهم، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، فلذلك عمروا منه كل دارس، وعبروا من حصونه المشيدة ما رقد عنه الحارس، وبلغوا عنان السماء فى طلبه" ولو كان الدين بالثريا لناله رجال من فارس"، إلى أن خرج عنهم المفتاح فكأن الباب أغلق دونهم، وظهر من مشكاة بلاد المغرب المصباح، فكأنما حيل بينه وبينهم وأدارت المنون على قطبهم الدوائر، فتعطلت بوفاته من علومه أفواه المحابر، وبطون الدفاتر، وانقطعت زهراتهم الطيبة عن المقتطف، وتسلط على العضد لسان من يعرف كيف تؤكل الكتف، فلم نظفر بعد هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - من أهل تلك البلاد بمن مخض هذا العلم فألقى للطالب زبدته، ومخض النصح فنشر على أعطاف العارى بردته، ولا حملت قبول القبول إلينا عنهم بطاقة، ولا حصلت للمتطلعين لهذا العلم على تلك الأبواب طاقة، ولا رأينا بعد أن انطمست تلك الشموس المشرقة، واندرست طبقة تحرى الفرقة، ولم يبق إلا رسوم هى من فضائلهم مسترقة، من أطلع غصن قلمه من روض الأذهان زهرة على ورقه، ولا من علق شنه بطبقتهم فيقال: وافق شن طبقة، بل ركدت بينهم فى هذا الزمان ريحه، وخبت مصابيحه، وناداهم الأدب سواكم أعنى، ورب كلمة تقول دعنى.
وما بعض الإقامة فى دياريهان بها الفتى إلّا بلاء
فعند ذلك أزمع هذا العلم الترحل، وآذن بالتحول:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيلهفى منزل فالرّأى أن يتحوّلا
وفزع إلى مصر فألقى بها عصا التسيار، وأنشد من ناداهم من تلك الديار:
ــ
أقمت بأرض مصر فلا ورائىتخبّ بى الرّكاب ولا أمامى
ولقد وصل إلينا من تلك البلاد على التلخيص شروح رحم الله مصنفيها؛ فإنهم ماتوا وهم أخيار وبيض وجوههم
فى الآخرة كما سودهم بالمعالى فى هذه الدار، لا تنشرح لبعضها الصدور الضيقة، ولا تنفتح عندها مغلقة، ولا ينقدح فيها زناد الفكر عن مسألة محققة. يتناولون المعنى الواحد بالطرق المختلفة، ويتناوبون المشكل والواضح على أسلوب واحد كلهم قد ألفه، لا يخالف المتأخر منهم المتقدم إلا بتغيير العبارة، ولا يجد له على حل ما أشكل على غيره أو استشكال ما اتضح جسارة. ولا يطمع أن يذوق ما فى الاستدراك من اللذة، ولا تطمح نفسه لأن يقال برز على من سبقه وبزّه، بل يسرى خلف من تقدمه حتى فى الكلمة الفذة، ويسير أثره حذو القذة بالقذة، قصارى أحدهم أن يعزو أبياتا من الشواهد لقائليها، ويوسع الدائرة بما لا يقام له وزن من تكميل ناقصها وإنشاد ما قبلها وما يليها، وينشر للراغب مفردات الألفاظ من واضح كلام العرب، ويذكر ما لا حرج على مخالفه من اصطلاحات لبعض أهل الأدب، ولا يزيد فى شرح عبارة المصنف على الإيضاح زينا وجد فيه أم شينا، فلو نطق التلخيص لتلا ما جئتم به هذه بضاعتنا ردت إلينا، هذا والشرح يطول، والوقت ينفق ولم يكتب لطالب البيان وصول، قد استفرغوا فى ذلك قوى أفكارهم واستوعبوا مدى أعمارهم فليت شعرى وقد انقضى العمر متى يسبحون فى اللجة، ويجنحون إلى بياض المحجة. أبعد أن يشيب الغراب ويرجع الشباب الحائل. أم يصيرون إلى أن تعود إلى الدنيا القرون الأوائل؟
وحتّى يئوب القارظان كلاهماوينشر فى القتلى كليب لوائل
ــ
وفى أية مدة يصلون إلى تلك اللطائف، ويحصلون على تلك الحقائق التى طاف بأركان بيتها ممن له حجر سليم ومقام كريم كل طائف.
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
فكم من معضلة فى الكتاب يمرون عليها وهم عن حلاوة حلها معرضون، ومشكلة يصححون ألفاظها وهم للمعانى ممرضون، وكم أوردوا أسئلة وصارخ من التوفيق يناديهم: لو قبل ما هكذا تورد يا سعد الإبل. وكم هتف بطائرهم هاتف من العقل بصوت شجى:
هيهات ما هذا بعشك فادرجى، وكم عاود النظر فى شئ من هذه الشروح على سبيل التنزل مطالع، ثم ثنى طرفه وهو يقول: يا خيبة المطامع، ويحلف صادقا أنها لم تكن تكتب إلا بأطراف الأصابع، هنالك يعلم الطالب أنه أملى له فيما أملى عليه، وأنه فى مهمه مهمل لا يجاب داعيه ولا يلتفت إليه.
فلو أنشدت نعشا هناك بناتهلمات ولم يسمع لها صوت منشد
وإنما أحلت ذلك كله على سوء تصرف من لسان الناقل أو يد الناسخ وأحلت أن يصدر شئ منه عن المصنفين فإنهم أرباب قدم فى العلم راسخ. ولله در القائل:
أخا العلم لا تعجل بعيب مصنّفولم تتيقّن زلّة منه تعرف
فكم أفسد الرّاوى كلاما بعقلهوكم حرّف المنقول قوم وصحّفوا
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيّراوجاء بشئ لم يرده المصنّف
فحدانى ذلك على أن أشد جياد الحزم، وأمد ركاب العزم، إلى شرح للتلخيص يحيى من هذا العلم الرفات، ويدرك منه ما فات، ويمتطى من معاليه أقصاها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعمال مصنفيه إلا أحصاها، ويجمع من شتاته ما تفرق شغر بغر، ويضم من شذوره
ــ
الذهبية ما ذهب أيدى سبا وتمزق شذر مذر، ويقتض من أبكاره ما مضت عليه القرون، ويفتض من ختامه ما انطوى على كل در مكنون، وينسج على منوال التفهيم تفاصيل محرره، ويحوى من القصب ما أحرز المدى وأطرب، وسكرت عن تبعه أبصار قوم لم يذوقوا حل ألوانه المكررة، ويقدم للطلاب معمولا على نمط ما قلاه من
المتحلين باستعمال الأدب عام ولا خاص، محشوا بتأليف حبات من القلوب تصلح مسيرا طبقا عن طبق لدست الخواص، مختصا بصواب من مختار القول لأنه معمول ومقدم وتقديم المعمول مفيد للاختصاص. ويكون واسطة بين مفتاح المشرق ومصباح المغرب، خليا من العصبية حريا بالنسبة إلى مصر فإنها بقعة من عند الله مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية فسبحان فالق إصباحها عن اعتدال يكون بين الحق والباطل فيصلا.
وجاعل الشّمس مصرا لا خفاء بهبين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
وكيف لا يدرك الفسطاط من هذا العلم المدى ويسلك فى إبراز حقائقه طرائق قددا، ويستخرج من ركابه أفلاذ الأكباد، ويضم من جياده ما سرح فى البلاد بداد، وهو قد اقتلع من تخوم خوارزم أساس البلاغة وأخذ زهرة أصفهان وأخلى ابن داود منها باعه وزفت إليه من ثم الخريدة بالأغانى وكفل لنيسابور اليتيمة فكان كما دل عليه الخبر خير المغانى، واقتطع من جيد المغرب عقده، ورشق مصنفاته بسهام النقد فما أغنت عن ابن رشيق العمدة. ونشر قلائد
ــ
عقيانه، ونثر زهر آدابه عن أفنانه. واستولى على الذخيرة. واستوفى محاسن أهل الجزيرة، فلذلك رجوت أن تخرج طينته فى هذا العلم كتابا يملى على المغترين من العلم فيملأ صدورهم ملاءة، وأن يرد ما أخذه عباءة ملاءة. ثم أحجمت عن سلوك هذا المسرى فصرت أقدم رجلا وأؤخر أخرى لعلمى أن الباع قصير والمتاع يسير، والبضاعة مزجاة، والصناعة لا تسعف الآمل كل وقت بما رجاه. هذا موضع ضيق الوقت بأعداء ندرأ بالله فى
نحورهم، ونعوذ به من شرورهم: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها. ويمكرون ويصدفون عما انتهى إليهم منا فنتلو: ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ.
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحامنّى وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاما ومقدرةلو يوزنون بزفّ الرّيش ما وزنوا
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
يتناهبون من العمر الأيام والليالى، ويحولون لو قدروا بين القلب وما يحاوله من العلوم والمعالى، لا تصدع المواعظ قلوبهم فتردعهم، ولا يسمعهم المذكر بأيام الله ولو أسمعهم، ولم يرد الله نفعهم فما نفعهم، هذا مع غشيان الفتنة لهم فى كل عام، وإتيان دائرة السوء عليهم بما ينحرهم كالأنعام، وأن أحدا منهم لا يصل إلى ما يتمناه. فإنا حول مائدة الكرم نستبشر بقوله تعالى كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ.
وأيّامنا مشهورة فى عدوّنالها غرر معروفة وحجول
ــ
وأسيافنا ألطاف رب دفاعهمنيع يردّ الطّرف وهو كليل
معوّدة نصرا من الله غالبايعزّ على من كاده ويطول
هو الصّمد الفرد الّذى مستجيرهعزيز وجار المعتدين ذليل
سلى إن جهلت النّاس عنّا وعنهمفليس سواء عالم وجهول
فإنّ رسول الله قطب رحائناتدور رحانا حوله وتجول
ألهم الله كلا منا ومنهم توبة تضع من الأوزار عن الظهور كلا. وكفانا وإياهم حصائد الألسنة" وهل يكب الناس فى النار على وجوههم إلا". وحساد على نعم الله تعالى لا فى اثنتين، ولا يتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، لا أقول حان حينهم، بل كفينا عينهم ومينهم، وحال الله بين مناهم وبينهم، يريدون إطفاء العلم بأفواههم، فلا يحصلون إلا على إتعاب شفاههم وتسويد جباههم.
وفى تعب من يحسد الشّمس نورهاويجهد أن يأتى لها بضريب
نسأل الله أن يجعلنا من قوم عرفوا نعمته فحمدوا.
محسّدين على ما كان من نعملا ينزع الله منهم ما له حسدوا
ــ
إلى ما انضم إلى ذلك من فراق لذلك الوالد استولى على الجسد فهد قواه، ورمى القلب بسهام الوجد فأصماه، وشارفه باستيفاء أقسام الحزن عاملا على مباشرة سهمى رقيبه ومعلاه. فانصرفت آمال النفس عن الأمانى وانحرفت عما كان يعز عليها من معالى المعانى.
قد كنت أشفق من دمعى على بصرىفاليوم كلّ عزيز بعدهم هانا
إلى استغراق الزمان بذكر الدروس التى هى لغير هذا العلم موضوعة، والأخذ فى تصانيف فى الفقه وأصوله نرجو إكمالها إن شاء الله تعالى وتكميل ما شرع فيه من الخير سنة مشروعة، فليت شعرى هل تفضل من العمر
عن هذه الشواغل بقية؟ وهل دون هذه السهام القواتل من تقية؟ غير أنه قد أسعفت الألطاف الإلهية، وأسعدت العناية المحمدية حتى وضعت لهذا الكتاب شرحا ليس غائب الرسم فأعرفه بالحد، ولا مجانب الوسم فأصفه بما يوجب القبول أو الرد، بل هو بادى الصفحة، مدرك باللمحة، وها أنا قد أخرجته عن يدى وجعلته موقوفا فى سوق الاعتراض، مصروفا لمن يستحق منافعه وهو المبرأ من أمراض الأغراض، فمن نظر بعين الإنصاف، واعتبر وهو مصاف، وله بصحة الذهن اتصاف، علم أهو جدير بأن ينبذ بالعراء ويهجر هجر واصل للراء؟ أم هو حقيق بأن تضرب له أيدى النجباء آباط النجائب، وتعقد الخناصر على ما فيه من عجائب المحاسن ومحاسن العجائب؟ فإن تصفح الناظر فيه الغلط فليصفح ولا يكن من أناس بالأغاليط يفرحون، وليصلح ما يجده فاسدا فإن الله تعالى ذم رهطا قال فيهم: يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ، وإن رآه أمثل مما فرح الطلاب بجمعه من كلام كثيرين فليعوذه بقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وكأنى بمن لا يعرف من التحقيق قبيلا من دبير، ولا هو من التدقيق فى العير ولا فى النفير، ولا تملك يده من هذا العلم قطميرا، وإن بسط ذراعيه بوصيد كهف العلم كأنه قطمير، يجد فى كتابى هذا قواعد مخترعة، ومعاقد هى فى بادئ الرأى هاذمة لقواعد المتقدمين وإنما هى عند التأمل والتحقيق من كلامهم منتزعة، وركوب لجة ما ركبها السابحون،
ــ
وسلوك محجة ما طرقها الشارحون، ولا سلكها الغادون والرائحون، أو ينظر أول كلامى دون آخره، ويقصر عن درك دقائقه حتى تمضى ساعاته حول ظواهره، فيظن أنه قد وجد تمرة الغراب، أو أنه قد سبق الهجين العراب.
عذرت البزل إن هى خاطرتنىفما بالى وبال بنى لبون
هيهات لا يدرك شأوى الضليع هذا الضالع، ولا يملك ما طمع فيه وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع، فليعلم هذا القصير الباع المبطن من مكيدته ما استطاع، أنه لم يبق وجهه بل فضح نفسه وصنفه، ولأمر ما جدع قصير أنفه، وأنه لا يزال يتقلب من كمده على الجمر، ويأمر من اجتناب هذا الكتاب بالفحشاء ولا يطاع لقصير أمر:
وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السّقيم
ولكن تأخذ الآذان منهعلى قدر القرائح والعلوم
أيحسب أن ما فقده من كلام الشارحين صار الكتاب منه غفلا؟! أم يظن أن التقصير أغلق على خزائنهم دونى قفلا؟! ولا يدرى أننى وردت حياضهم فرشفت صفوا وقذفت ثفلا، وجبت أنجادهم وأغوارهم فتخيرت منها ما يصلح علوا وسفلا. أولى له فأولى إن لم يعط القوس باريها، لقد كان الأحرى به والأولى أن ينظر آخر الكلام أو يرجع من كتب المتقدمين ما فيها، فالاستيعاب لأطراف الكلام الموطأ يرشده ويوقظه من سنة الكرى، والاستذكار لما أسسه السلف من تمهيد القواعد ينشده:
أطرق كرا، أطرق كراإنّ النّعام فى القرى
كأنما ضرب بينه وبين العلم بسور من الشدائد، وجعل عليه دون هذا الكتاب سدّا من حديد فهو يضرب فيه بذهنه الكليل الشارد، وقيل ارجع وراءك فالتمس نورا فإنما أنت تضرب فى حديد حتى يرجع بخفى حنين، ويسمى بحسده أشغل من ذات النحيين، ولو
ــ
أوتى رشده لأنف أن يسخر منه الساخر، واغترف من هذا البحر الزاخر، واعترف بأنه الذى يلتقط منه جواهر المفاخر، وترى الفلك فيه بشراع العلم مواخر، ويقول من تقرع أسماعه: كم ترك الأول للآخر؟ وهب أنه ظفر بزلات معدودة، وعثر على هفوات ليست أمثالها عن جهابذة هذا الفن مردودة، ألم يعلم أن السعيد من عدت غلطاته، وردت إلى استقصاء الإحصاء سقطاته؟!
فمن ذا الّذى ترضى سجاياه كلّهاكفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
ولكن لأمر ما يسود من يسود، وعسى أن يكره الإنسان من ذم الحاسد ما تسفر عقباه عن محمود السعود:
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
أعاذنا الله تعالى من هوى يرمى بالخرس لسان الاعتراف، ويعمى أبصار البصائر عن جميل الأوصاف، ويصمى القلوب فلا يصل إليها نور الإنصاف، ولما أوصلتنى السرى منه إلى صباح قدر صدته فلاح، وأسفر صبحه فأجاب من سمع من مناديه حى على الفلاح، وشرح طائره الميمون ببطاقة بالحتم مبشرة بالقدوم يخفق بها جناح النجاح، ووصلت فيه إلى اجتناء غروس ثمارها على أفنان الفنون مرتصة، وحصلت منه على اجتلاء عروس فى حلى الأفراح
ــ
على منصة حمدت الله تعالى على إتمام نعمتى الإتمام والافتتاح، وسميته: (عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح) ولقد احتوى هذا الشرح بحمد الله تعالى من المباحث التى هى من بنات فكرى فلم أسبق إليها، ومن هبات ذكرى فما عثر أحد فيما علمت من أهل هذا الفن عليها، على جملة لا أعقد لها عددا حتى أفرغ من عدّ النجوم، ولا أعهد لها مددا سوى إلهام الحى القيوم، وكأين فيه من شاهد يردّ على هذا العلم ما يدعيه عن حق ضائع، ويثبت له عرفا يحفظ طيب الثناء بعرف ضائع، ويأمن من الإسقاط فإنى استخرجته بالفكرة، وعدلته بتزكيتى العقل والنقل عند قاض من التأمل ليست عنده فترة، وأجلسته فى مجالس العلماء فأثبتوا فخره، وأطلت البحث عنه ولم أجده فى كتاب ولم أسمعه من ذى فطرة.
واعلم أنى مزجت قواعد هذا العلم بقواعد الأصول والعربية، وجعلت نفع هذا الشرح مقسوما بين طالبى العلوم الثلاثة وأكاد أقول بالسوية، وأضفت إليه من إعراب الآيات الواقعة فيه ما هو محرر وإن كان رقيق الحاشية، ومن
ضبط ألفاظ أحاديثه النبوية ما كانت خباياه من الجامع الأزهر الصحيح فى زاوية، وضمنته شيئا من القواعد المنطقية والمقاعد الكلامية والحكمة الرياضية أو الطبيعية، وأتحفته من فوائد الوالد وتحقيقه، ومن فوائد علمه الطارف والتالد وتدقيقه، ما هو تاج على هام الكواكب، وسراج إذا ادلهمت الغياهب، وطراز على حلة الطالب، وغرة فى جبهة العلوم ترفع عن عين اليقين الحاجب، وهو الذى تلقفت عنه علم البيان، وتكيفت منه بكل ما منحنى الله من المواهب الحسان، وأنا أسأل الله تعالى وأتضرع إليه، وأتوسل إليه بمحمد ﷺ فإنه أكرم خلقه عليه أن يسكنه وإياى وسائر ذريته فى الجنة مكانا مرفوعا، وأن يجعل المحمول على ظهورنا من مقدمات سوء المنطق وغيره من أشكال للأعمال المنتجة للأصغر والأكبر من الأوزار موضوعا.
واعلم أننى لم أضع هذا الشرح، حتى استعنت عليه بنحو من ثلاثمائة تصنيف، وأنه تضمن الخلاصة من مائة تصنيف فى هذا العلم، منها ما وقفت عليه، ومنها ما وقفت على كلام من وقف عليه، وقال: إنه جمع بين طرفيه وإنى اختصرت فيه أكثر من خمسين مصنفا فى علم البلاغة وقفت عليها، لم أترك منها إلا ما هو خارج عن هذا العلم، أو قليل الجدوى فيه، أو هو فى غاية الوضوح، أو شواهد لا حاجة لها لكثرتها، أو ما زاغ البصر عنه، أو ما إن تأملته علمت أنه فاسد لا ترتضيه فمن
ــ
ذلك: دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجانى، والبديع لابن المعتز وإعجاز القرآن للرمانى، والواسطة لعلى بن عبد العزيز الجرجانى، والبديع لابن المنقذ، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجى، والعمدة لابن رشيق القيروانى، والعدة فى اختصار العمدة للصقلى، وكنايات البلغاء لأحمد بن محمد الجرجانى، والنصف من حلية المحاضرة للحاتمى، ومنهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم، والصناعتان للعسكرى،
ــ
ونهاية الإنجاز فى الإعجاز للإمام فخر الدين الرازى، والمعيار للزنجانى، وقوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادى، والمفتاح للسكاكى، وشرحه للإمام قطب الدين الشيرازى، وشرحه للشيخ ناصر الدين الترمذى، وشرحه للشيخ شمس الدين الخطيبى الخلخالى، وشرحه أيضا للشيخ عماد الدين
الكاشى، وشرحه أيضا للقاضى حسام الدين قاضى الروم، وتنقيح المفتاح للشيخ تاج الدين التبريزى، وروض الأذهان للشيخ بدر الدين بن مالك، والمصباح أيضا له، وضوء المصباح مختصر المصباح لابن النحوية، وشرحه له، والأقصى القريب للشيخ زين الدين
ــ
محمد بن محمد بن محمد بن عمرو التنوخى، والمثل السائر للصاحب ضياء الدين نصر الله بن الأثير، والجامع الكبير لأخيه، ومختصر المثل السائر لابن العسال، والنصف الأول من كنز البلاغة لعماد الدين إسماعيل بن الأثير، ومختصر كنز البلاغة المذكور لولد مصنفه، وروضة الفصاحة لزين الدين الرازى الحنفى، والفلك الدائر على المثل السائر لعز الدين بن أبى الحديد، وقطع الدابر عن الفلك الدائر لعبد العزيز بن عيسى، وتحرير التحبير لابن أبى الإصبع، وموارد البيان لأبى الحسن على بن خلف بن على بن عبد الوهاب الكاتب، وبديع
ــ
القرآن والتبيان لابن الزملكانى، والبرهان له، والتبيان للشيخ شرف الدين الطيبى، وشرحه له، والإيضاح للمصنف، وحواشى الإيضاح للجزرى شيخ والدى فى علم الكلام، وشرح التلخيص للإمام الزاهد ولى الله شمس الدين القونوى، وشرحه أيضا للخطيب، وشرحه للشيرازى، وشرحه للزوزنى، وشرح البديعية للصفى بن سرايا الحلى، والطريق إلى الفصاحة للشيخ الرئيس علاء الدين بن النفيس شيخ والدى فى الطب، والمقدمة فى علم
ــ
البيان لشيخنا شمس الدين الأصبهانى الموضوعة فى أول تفسيره، والمقدمة فى البيان والبديع الموضوعة فى أول تفسير ابن النقيب، والنظم فى علم البديع لابن معط، والفوائد الغياثية للشيخ عضد الدين. وإذا أردت أن تعلم مقدار ما زادته القريحة من المباحث والفوائد، فراجع هذه الكتب فإنك تعلم أن غالب ما عندك عنها رائد وبالله تعالى أستعين، وهو حسبى، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وأفوض أمرى إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وحسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وما شاء الله لا قوة إلا بالله لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم كلمة الافتتاح للخطيب القزوينى
الحمد لله على ما أنعم، ...
ــ
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع