تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

تذنيب (٢)

وأما المنفىّ: فلدلالته على المقارنة دون الحصول:

أما الأول: فلأنّ (لمّا): للاستغراق، وغيرها: لانتفاء متقدّم مع أن الأصل استمراره، فيحصل به الدلالة عليها عند الإطلاق؛ بخلاف المثبت: فإنّ وضع الفعل على إفادة التجدد، وتحقيقه: أنّ استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود.

وأما الثانى: فلكونه منفيّا.

ــ

على أنا لا نسلم أنهم أرادوا ذلك، بل أرادوا موصوفا بذهاب سابق أو بمكث سابق، ولا يصح حمله على الماضى فى الجملة الشرطية نحو: جاء زيد إن أكرمته أكرمنى؛ لأنا إن جوزناه وجبت الواو، وأيضا فالذى يجعل حالا فى المعنى هو الارتباط لا مضمون الماضى لفظا.

(قوله وأما المنفى) دخل فيه الماضى لفظا ومعنى وهو منفى، مثل: جاء زيد ما ضرب عمرا، ودخل فيه الماضى معنى فقط، وهو الذى مثل له بنحو وَلَمْ يَمْسَسْنِي ويرد عليه أيضا الماضى لفظا فقط وحاصل ما ذكره أن ما قرره من كون المنفى ليس فيه حصول، والماضى ليس فيه حال يقتضى وجوب الواو فى الماضى المنفى لانتفاء المعنيين؛ لأنه لم يشابه الحال المفردة فى واحد من معنييها بخلاف المثبت فإنه يشابهها فى الحصول فاستحق عدم الواو، ولم يشابهها فى الدلالة على المقارنة فاستحق الواو بخلاف المضارع المنفى فإنه شابهها فى المقارنة، ولم يشابهها فى الدلالة على الحصول؛ فجاز الأمران فيه أما الماضى المنفى فقد بعد كل البعد عن الحال المفردة، فينبغى أن تجب الواو لكنه لم يجب فيه ذلك، بل كان مثله، أما المنفى بلما فلأنها لاستغراق الأزمنة؛ لأنها تدل على

اتصال نفيها بالحال، وأما المنفى بغيرها كقولك: جاء زيد ولم يضرب عمرا، وقولك: وما ضرب عمرا؛ فلأنه وإن دل على الانتفاء فى زمن متقدم فالأصل استمرار ذلك الانتفاء فصار كالدال على الانتفاء المتصل مثل" لما" فحصلت فى كل من الثلاثة الدلالة على المقارنة فصار كالمضارع المنفى. قال: (وأما الثانى) أى: وأما أنه لا يدل على الحصول (فلكونه منفيا) كما تقدم تقريره فى المضارع المنفى.

ــ

(قلت) ما ذكره فى الماضى معنى نحو: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ هو الصحيح خلافا لابن خروف فإنه أوجب الواو على حذف المبتدأ والمنفى بلما كذلك كما قاله يجوز بالواو وغيرها، ومجيئه بالواو هو الكثير، وأما بغير واو فقال ابن مالك فى باب الحال: إنه لم نجد له مثالا. وقد أنشد هو فى أول شرحه للتسهيل:

فقالت له العينان سمعا وطاعةوحدّرتا كالدّرّ لما يثقب

وأما كون" لما" تدل على الاستمرار فإنما كان لأن النكرة فى سياق النفى للعموم، وذلك موجود فى جميع أدوات النفى، غير أن" لما" تدل على اتصال النفى بالحال فنفيها بالنسبة إلى الحال أظهر من نفيها بالنسبة إلى ما قبله بخلاف" لم" فإن دلالتها على جميع الأزمنة على السواء، فقولهم: إن" لم" تدل على نفى الفعل فى زمن ما، والأصل عدم استمراره ليس بجيد، بل تدل على النفى فى جميع الأزمنة، ثم لو سلمناه فقولهم: إن" لما" يشترط اتصال نفيها لا يقتضى الاستغراق، بل يقتضى تقييد مطلق النفى بما قبل الحال وذلك لا يقتضى الاستغراق، والحق أن أدوات الشرط كلها موضوعة للاستغراق غير أن" لما" دلالتها على نفى ما اتصل بالحال أقوى من دلالتها على غيره، وقد قال ابن الحاجب فى مقدمته للنحو: إن" لم يقم" لا يدل على الاستمرار بخلاف" لما" وما ذكره ممنوع ومخالف لما ذكره هو فى أصول الفقه، فإن قلت نحو قوله تعالى:

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ لم يعم الأزمنة. قلت: عام مراد به الخصوص، ثم بعد تسليم ذلك مقصوده غير حاصل فإن الماضى المنفى يدل على اتصال النفى بالحال، ولا تلزم المقارنة فإن الاتصال يستدعى استمرار ذلك إلى وقت العامل، وأما المقارنة فتستدعى أن يكون معه وليس فى الفعل ما يدل عليه إلا بضميمة أن الأصل الاستمرار

فحينئذ استوت" لما" و" لم".

(قوله: والتحقيق) أى: تحقيق الفرق بين الماضى المثبت، والماضى المنفى - أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب؛ لأن استمرار العدم عدم، والعدم لا يفتقر إلى سبب

وإن كانت اسمية: فالمشهور جواز تركها؛

ــ

فإذا حصل فالأصل استمراره بخلاف استمرار الوجود، فإنه يفتقر إلى سبب لأن أصله وهو الوجود يحتاج إلى سبب، وأورد عليه أنه إن أراد أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب أصلا فذلك باطل؛ لأن عدم الممكن يفتقر إلى انتفاء علة الوجود؛ إذ لو تحققت لتحقق الوجود فاستمرار العدم يفتقر إلى استمرار انتفاء علة الوجود. (قلت): عدم المانع لا يكون مقتضيا، فعلة الوجود مانع من العدم فكيف يقال: انتفاء علة الوجود سبب للعدم؟! قال: وإن أراد أنه لا يفتقر إلى سبب جديد غير سبب العدم فذلك باطل فيما يكون عدمه على سبيل التجدد.

(قلت): هذا صحيح وقد تقدم ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم الشئ بعد وجوده لا يتوقف على سبب بل الوجود يزول بزوال المقتضى له، وهو الإيجاد، فيحصل العدم لا لحصول سببه، بل لزوال مقتضى الوجود. قال: وأما الثانى: وهو عدم دلالته على الحصول فلكونه منفيا كما تقدم فى المضارع المنفى.

ص: (وإن كانت اسمية إلى آخره).

(ش): إذا كانت الحال جملة اسمية، قال: فالمشهور جواز تركها، يشير إلى أنه يجوز الأمران وهو المشهور وهما فصيحان، وذهب الفراء إلى أن ترك الواو نادر وتبعه ابن الحاجب، والزمخشرى، وقال: إن تركها خبيث. وقال الشيخ أبو حيان: إنه رجع عنه، ومستند الشيخ فى ذلك أنه جوز فى قوله تعالى: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أن تكون جملة حالية وأيضا قال فى سورة الأعراف: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فى موضع الحال أى متعادين إلا أن هذه الآية قد لا تنقض قاعدته؛ لأنها كقولهم كلمته فوه إلى فىّ. وقد قال ابن الحاجب: معناه مشافها، والوجه أنه لما كثر استعمالها حتى علم منه معنى المشافهة من غير نظر إلى التفصيل، حتى يفهم ذلك من لا يحضر بباله مفرداتها صارت كالمفرد. قال الطيبى: قلت: وهو يؤدى إلى أنه إن صح أن تنتزع من طرفى الجملة هيئة تدل على مفرد جاز، وإلا فلا

مثل: جاءنى زيد هو فارس، ثم نقول: كل جملة حالية لا بد أن ينحل منها مفرد، لكنه قد يقرب وقد يبعد. وأما قوله تعالى:

أَوْ هُمْ قائِلُونَ فسيأتى - إن شاء الله تعالى، وذهب الأخفش إلى أنه إن كان خبر

لعكس ما مرّ فى الماضى المثبت؛ نحو: كلّمته فوه إلى فىّ.

ــ

المبتدأ اسما مشتقا وقد تقدم وجب تركها كقولك: جاء زيد حسن وجهه، فلا يجوز، وحسن وجهه، وإن تأخر اكتفى بالضمير نحو: جاء زيد وجهه حسن، وتجوز الواو، وقد تمتنع الواو فى الاسمية إذا عطفت على حال نحو: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ.

(قلت): قال الزمخشرى هنا: إن ترك الواو خبيث، وإنما حسن هنا حتى لا يجتمع حرفا عطف يعنى أن واو الحال أصلها العطف كما سبق تقريره، وإنما تركت هنا حتى لا يجتمع حرفا عطف، وما ذكره إنما أحوجه إليه إنكاره ترك الواو، وليس بصحيح. قال بعضهم: وفى العلة التى قالها نظر؛ فإنه لا يقبح الجمع بين حرفى عطف مختلفى المعنى، ولا يقبح أن تقول: سبح الله وأنت راكع أو وأنت ساجد، ثم علل المصنف جواز دخول الواو وتركها بقوله: (لعكس ما مر فى الماضى المثبت) يعنى أنها عكس كعكس الماضى المنفى فإن الجملة الاسمية تدل على المقارنة لأنها ليست ماضية، ولا تدل على الحصول لأن الدال على الحصول أى التجدد إنما هو الفعل المثبت، وهذه منفية، وليست فعلا وهذا يلجئ إلى أن المقارنه المستفادة من المضارع إذا كان حالا من كونه لا لكونه مضارعا وهو خلاف ما مر، ثم هو منتقض بالاسمية إذا كان خبرها فعلا نحو: جاء زيد وأبوه يقوم، فإنها دالة على الحصول والمقارنة فيلزم أن تمتنع الواو، والمصنف قد مثل بجملة اسمية خبرها فعل وهى قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ويرد عليه أيضا نحو: بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ فإنه يجب فيه ترك الواو مع العلة المذكورة، وسيأتى وينتقض بنحو: جاء زيد وهو ما ضرب عمرا؛ فإنه لا يدل على حصول ولا مقارنة على ما زعم المصنف.

(تنبيه): لك فى نحو قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أن تجعل الواو فى" ولكم" عاطفة، ويكونان حالا واحدة، وأن تجعلها واو الحال ويكونان حالين مستقلين، كقولك: جاء زيد راكبا لابسا.

وأنّ دخولها أولى؛ لعدم دلالتها على عدم الثبوت، مع ظهور الاستئناف فيها، فحسن زيادة رابط؛ نحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ ضمير ذى الحال، وجبت، نحو: جاءنى زيد، وهو يسرع أو وهو مسرع خ خ، وإن جعل نحو: على كتفه سيف حالا كثر فيها تركها؛

ــ

(قوله: وأن دخولها أولى) أى: والمشهور أن دخولها أولى من تركها (قوله: لعدم دلالتها على عدم الثبوت) تعليل لجواز الواو، أى لكونها ليست فعلا؛ لأن الدال على عدم الثبوت هو الفعل، وقوله: مع ظهور الاستئناف فيها تعليل لكون دخولها أولى، فإنه لما قرر أنها دالة على المقارنة دون الحصول، وقدم أن الفعل المضارع المنفى كذلك لزمه أن يكون الأمران على السواء، كما هما فى الفعل المضارع، ففرق بينهما بأن هذه الجملة الاسمية الاستئناف فيها ظاهر لاستقلالها بالفائدة، وعلل هذا بأن الجملة الأولى فعلية أو فى حكمها، وهذه اسمية فلا تناسبها؛ فلذلك كان ذكر الواو فيها أولى؛ لأنها لما استقلت حسن زيادة ربطها بالواو والضمير معا.

(قلت): قد يعارض هذا بأن نوع دلالة المضارع على المقارنة باللفظ إذا قلنا بما فرع عليه من كونه موضوعا للحال فهو يدل على المقارنة تضمنا بخلاف دلالة الجملة الاسمية على الحال، ومثال ذكرها قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ومثال تركها قوله: كلمته فوه إلى فىّ، ومنه قول بلال - رضى الله عنه:

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلةبمكة حولى إذخر وجليل

كذا أنشده الجوهرى ولكن فى البخارى بواد وحولى، ثم ذكر عن الجرجانى تفصيلا فقال: وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ ضمير ذى الحال أى: صاحب الحال وجبت الواو، سواء أكان الخبر اسما أو فعلا نحو: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع؛ لأن الفائدة كانت حاصلة بقوله: يسرع من غير ذكر الضمير فالإتيان به يشعر بقصد الاستئناف المنافى

نحو:

خرجت مع البازى علىّ سواد

ــ

للاتصال فلا يصلح الضمير حينئذ أن يستقل بإفادة الربط فتجب الواو، ثم نقل عنه أيضا تفصيلا آخر وهو أنك إذا قلت: جاء زيد على كتفه سيف، على أن يكون: على كتفه سيف حالا، كثر فيه ترك الواو. يعنى إذا كان الخبر ظرفا مقدما، كقول بشار:

خرجت مع البازى على سوادإذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها

يعنى إذا أنكرنى أهل بلدة، خرجت مع الصبح على بقية من الليل، والبازى الصبح كذا قالوه، وقد يقال: كيف يجتمع أن يكون خرج مع الصبح عليه بقية من الليل؟

والليل ينقضى بطلوع الصبح، إلا عند من يقول: الليل إلى الشمس، وكذا قوله:

فى رأس غمدان دارا منك محلالاواشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا

وغمدان: قصر باليمن على وزن غفران، هو مبنى على أربعة أوجه: أحمر، وأخضر، وأبيض، وأصفر. وداخله قصر على سبعة سقوف، بين كل سقفين أربعون ذراعا، ويرى ظله، إذا طلعت عليه الشمس من ثلاثة أميال. والمحلال: بمعنى المنزل صيغة مبالغة.

واعلم أن الزمخشرى وعبد القاهر لما رأيا حذف الواو كثيرا، فى نحو: جاء زيد على كتفه سيف، أخرجاه عن كونه جملة اسمية حالية. أما الزمخشرى؛ فلأنه يرى وجوب الواو فى مثله، وأن تركه قبيح.

وأما الجرجانى؛ فلأنه يرى أنهما سيان، أو الذكر أكثر. فلو كانت اسمية، لاستوى فى نحوه ترك الواو واستعمالها؛ فلذلك جعلا التقدير: مستقرا على كتفه سيف.

وسيف: فاعلا به، وعمل لاعتماده على ما قبله. واختار أن يكون الظرف هنا فى تقدير اسم الفاعل، وإن كان فى غيره، يقدره بالفعل كما أفهمه من قوله فى الإيضاح

ويحسن الترك: تارة لدخول حرف على المبتدأ؛ كقوله:

فقلت: عسى أن تبصرينى كأنمابنىّ حوالىّ الأسود الحوارد

ــ

هنا خاصة. وإنما اختار تقديره هنا باسم الفاعل؛ لأن فيه رجوع الحال إلى أصلها من الإفراد؛ فلذلك كثر مجيئها بغير واو.

(قلت): وإذا علمت ذلك، علمت أن ما أوهمه كلام المصنف من أن الجرجانى يفصل فى الجملة الاسمية غير صحيح؛ لأن هذا القسم عنده ليس بجملة، فليس قسمان من الجملة الاسمية. وجوز الجرجانى أن يكون فى تقدير فعل ماض مع قد أى: استقر على كتفه سيف لأنه جاء بالواو قليلا، كذا قال المصنف (قلت): الفعل الماضى بقد لا يقل فيه وجود الواو فكيف يجعل قلة مجئ الواو ملحقة بالفعل الماضى المثبت فكأن المصنف قصد التعليل بورودها بالواو وغفل عن قيد القلة، ثم يرد عليه أيضا أن هذا ليس تقسيما للجملة الاسمية بل يجعلها فعلية لا اسمية ومنع عبد القاهر تقديرها بفعل مضارع لأنه لا يستعمل الواو فى المضارع المثبت أن لو صرح به فالمقدر كذلك. (قلت):

ونحن إذا قلنا: زيد فى الدار، إنما نقدره ماضيا لا مضارعا: ما لم يدل على المضارع دليل من ضرب مستقبل، أو غيره. فلا حاجة إلى تعليل منع هذا. وقد ذهب كثيرون إلى أن الجملة فى نحو ما نحن فيه اسمية حالية.

ص: (ويحسن الترك تارة إلى آخره).

(ش): هذا من جملة المنقول عن عبد القاهر، يريد أن الجملة الاسمية وإن حسن فيها إتيان الواو، فقد يحسن تركها لعارض يعرض.

فمن ذلك: أن يدخل حرف غير الواو على المبتدأ، كقوله:

فقلت: عسى أن تبصرينى كأنمابنى حوالىّ الأسود الحوارد

فدخول" كأنما" على" بنى" وهو مبتدأ، أوجب لها استحسان ترك الواو؛ لكيلا يتوارد على الجملة حرفان.

ــ

وقد جعل منه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولعله ترك الاستشهاد به، لأنها قد لا تكون حالية بل مستأنفة، وبنى هو المبتدأ أصله: بنوى، مثل: أو مخرجى هم، والأسود الخبر، وحوالى: ظرف مكان فى موضع نصب على الحال، والعامل فيها ما دل عليه معنى كأن كما فى قوله:

كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وجوز فيه أن يكون صفة لأسود، ويقدر العامل فيه اسم فاعل، أى الأسود المستقرين حوالى، أو حالا من الأسود، أى: الأسود مستقرين فى جوانبى، أو حالا فقط إن قدرت العامل فعلا أى: الأسود يستقرون حوالى. والحوارد: من حرد أى غضب حردا وحردا بتسكين الراء وتحريكها فهو حارد وحردان، ولعله جمع لجماعة حاردة، كما تقدم فى عواذل، كذا قيل، ولا حاجة إلى التأويل، فإنه جمع جائز مثل: صواهل ونجوم طوالع، كما سبق.

وقد وردت الواو فى المصدرة بكأن، كقولهم: جاء وكأنه أسد. قال بعضهم: هذا بناء على أن كأن مركبة من كاف التشبيه وأن؛ لأنه حينئذ كالجار والمجرور، وقد عرف أن الترك فيه أكثر، وإن لم يقل به فلعل السبب ما تقدم من اجتماع حرفين.

واعلم أن إطلاقه أن الجملة الاسمية يحسن فيها ترك الواو، يدخل فيها غير كأن من الحروف مثل: أن، كقوله:

ما أعطيانى، ولا سألتهماإلّا وأنّى لحاجزى كرمى
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «كأن فاها لمن توسنها»

فقد استعملت بالواو وبغير واو، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ولا التبرئة، كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

وأخرى لوقوع الجملة الاسمية بعقب مفرد؛ كقوله:

والله يبقيك لنا سالمابرداك تبجيل وتعظيم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «نحن ميامين على أننا»

ــ

ص: (وأخرى لوقوع الجملة إلى آخره).

(ش): يستحسن ترك الواو إذا وقعت عقب مفرد، يريد عقب حال مفردة، فيلطف موقعها بخلاف ما إذا أفردت، وذلك كقول ابن الرومى:

فالله يبقيك لنا سالمابرداك تبجيل وتعظيم

وقد جوز فى برداك أن يكون حالا متداخلة لا مترادفة، فلا يأتى ما ذكره عبد القاهر. وقوله: وقعت عقب مفرد، يدخل فيه ما لو عطفت على حال مفرد، نحو فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ فإنها عقب مفرد ولا اعتداد بالعاطف، وليس ترك الواو حينئذ حسنا. وقد قال الشيخ أبو حيان: إن الواو فيه واجبة إلا أن يقال:

الواو فاصلة فليس عقبه. وفيه نظر فإن المعتبر إنما هو اعتمادها على المفرد، فتستغنى به عن الواو؛ لعدم الاستقلال. وهذا المعنى موجود وإن فصل العاطف بينهما.

(تنبيه): قال المصنف فى الإيضاح: هذا كله إذا لم يكن صاحب الحال نكرة مقدمة عليها، بأن يكون معرفة، أو نكرة وأخر فإن كان نكرة مقدمة نحو: جاءنى رجل وعلى كتفه سيف، وجبت الواو، لئلا يشتبه الحال بالنعت.

(قلت): هذا لا يصح بناء على رأى الزمخشرى الذى تبعه المصنف فيه من أن الصفة تعطف على الموصوف، وقد تقدم الكلام عليه، وأنه غير صحيح.

(تنبيه): بقى من الأقسام: الجملة الشرطية نحو: جاء زيد، وإن يسأل يعط. والواو فيها لازمة خلافا لابن جنى؛ وهى ماشية على قاعدة المصنف، فإنه ليس فيها حصول ولا مقارنة؛ فلذلك لزمت الواو؛ لبعدها عن المفردة بزوال كل من خاصيتها. وقد جزم الشيخ أبو حيان فى الارتشاف: بأن الجملة الشرطية تقع حالا. وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ الجملة الشرطية حال. وقال المرزوقى: قد يكون فى الحال معنى الشرط كما يكون فى الشرط معنى الحال، نحو: لأقتلنه كائنا من كان انتهى.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.