من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْمُقدمَة
(غَدَا ثره مستشرزات إِلى العُلَا ...)
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس وَتَمَامه
(تَضلُ العِقاصُ فِي مِثنىُّ ومُرسِل ...)
وَهُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل من القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي هِيَ إِحْدَى المعلقات السَّبع وأولها
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلبسقط اللوى بَين الدَّخُولِ فحَوملِ
فَتوضحَ فالمقراةِ لم يَعفِ رَسمهالما نَسجتها من جنوب وشمأل
وقوفا بهَا صحبي على مطيهميَقُولُونَ لَا تهْلك أسى وتجمَّلِ
وبَيضَةِ خِدرٍ لَا يرامُ خِباؤهاتمتعتُ مِنْ لَهو بهَا غيرَ مُعجلِ
تجاوزتُ أحْراساً إِلَيْهَا ومَعْشَراًعَليَّ حِراصاً لَو يُسِرُّون مَقْتِلي
إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضتتعرض أثْنَاء الوشاح المْفصلِ
فَجئتُ وقدْ نَضتْ لِنومٍ ثِيَابهَالَدى السِّتر إلَاّ لِبسةَ المتفضلِ
فَقَالَت يَميُن اللهِ مَا لَك حِيلةٌوَمَا إِنْ أَرى عَنْك الغوَاية تنَجلِي
خَرجتُ بهَا أَمْشِي تجرُّ وَرَاءَنَاعَلى إثرنا أذيال مرط مرحل
فَلَمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانْتحىبِنَا بطن خبت ذِي حِقاف عقَنْقل
هصرتُ بفوْدَىْ رأسِها فتمايلتْعَليَّ هَضيمِ الكشح ريَّاً المُخلخَلِ
مُهفهفةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفاضةٍتَرائبها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ
تصد عَن وتبدي أسيلٍ وتَتقيبناظرةٍ من وَحْش وَجْرةَ مُطفلِ
وجِيد كجيد الرِّيم لَيْسَ بفاحشإِذا هِيَ نصته وَلَا بمُعَطَّلِ
وفَرعٍ يَزينُ المَتن أسودَ فَاحمأثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا فِي شَوَاهِد الْإِنْشَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى
والغدائر جمع غديرة الذوائب والاستشراز الرّفْع والارتفاع جَمِيعًا وَالْفِعْل مِنْهُ لَازم إِن كسرت زايه ومتعدٍّ إِن فتحت والعلا جمع علياء تَأْنِيث الْأَعْلَى وَأَرَادَ الْجِهَات الْعلَا والعقاص جمع عقيصة وَهِي الْخصْلَة من الشّعْر تأخذها الْمَرْأَة فتلويها ثمَّ تعقدها حَتَّى يبْقى فِيهَا التواء ثمَّ ترسلها والمثنى من الشّعْر وَغَيره مَا ثني والمرسل ضِدّه
وَمعنى الْبَيْت أَن حبيبته لِكَثْرَة شعرهَا بعضه مَرْفُوع وَبَعضه مثنى وَبَعضه مُرْسل وَبَعضه معقوص ملوي بَين الْمثنى والمرسل
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت التنافر وَهُوَ لَفْظَة مستشزرات لثقلها على اللِّسَان وعسر النُّطْق بهَا
وامرؤ الْقَيْس اسْمه حندج بن حجر بن عَمْرو الْمَقْصُور سمي بذلك لِأَنَّهُ اقْتصر بِهِ على ملك أَبِيه حندج والحندج فِي اللُّغَة رَملَة طيبَة تنْبت ألواناً وَأمه فَاطِمَة وَقيل تملك بنت ربيعَة بن الْحَرْث أُخْت كُلَيْب ومهلهل
وكنية امْرُؤ الْقَيْس أَبُو وهب وَأَبُو الْحَرْث ويلقب ذَا القروح لقَوْله
وَبُدِّلتُ قَرحاً دَامياً بعدْ صِحَّةٍلَعلَّ مَنايانْا تحولنَ أبؤُسا) // الطَّوِيل // ويلقب الذائد أَيْضا لقَوْله
(أذُودُ القوافيَ عَني ذيادا ...) // المتقارب //
وَيُقَال لَهُ الْملك الضليل وَمعنى امْرِئ الْقَيْس رجل الشدَّة والقيس فِي اللُّغَة الشدَّة وَقيل الْقَيْس اسْم صنم وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْمَعِي يكره أَن يروي قَوْله يَا امْرأ الْقَيْس فَانْزِل وَيَرْوِيه يَا امْرأ الله فَانْزِل وَهُوَ الَّذِي روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِيهِ أشعر الشُّعَرَاء وَقَائِدهمْ إِلَى النَّار وَقيل فِي تَأْوِيله إِن المُرَاد شعراء الْجَاهِلِيَّة وَالْمُشْرِكين
وَهُوَ أول من لطف الْمعَانِي وَمن استوقف على الطلول وَشبه النِّسَاء بالظباء والمها وَالْبيض وَشبه الْخَيل بالعقبان والعصي وَفرق بَين النسيب وَمَا سواهُ من القصيد وأجاد الِاسْتِعَارَة والتشبيه
وَكَانَ من حَدِيثه أَن أَبَاهُ طرده لما قَالَ الشّعْر وَإِنَّمَا طرده من أجل زَوجته وَهِي أم الحويريث الَّتِي كَانَ امْرُؤ الْقَيْس يشبب بهَا فِي شعره وَكَانَ
يتنقل فِي أَحيَاء الْعَرَب ويستتبع صعاليكهم وذؤبانهم وَالْعرب تطلق على اللُّصُوص الذؤبان تَشْبِيها بالذئاب وَكَانَ يُغير بهم وَكَانَ أَبوهُ ملك بني أَسد فعسفهم عسفاً شَدِيدا فتمالأوا على قَتله فَلَمَّا بلغه قتل أَبِيه وَكَانَ يشرب الْخمر قَالَ ضيعني صَغِيرا وحملني ثقل الثأر كَبِيرا الْيَوْم خمر وَغدا أَمر فأرسلها مثلا وَقيل بل قَالَ الْيَوْم قحاف وَغدا نقاف والقحاف من القحف وَهُوَ شدَّة الشّرْب والنقاف من نقف الْهَام إِذا قطعهَا
ثمَّ إِنَّه جمع جمعا من بني بكر بن وَائِل وَغَيرهم من صعاليك الْعَرَب وَخرج يُرِيد بني أَسد فَخَبرهُمْ كاهنهم بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم فارتحلوا وتبعهم امْرُؤ الْقَيْس فأوقع ببني كنَانَة وَكَانُوا بني أَسد قد لجأوا إِلَيْهِم ثمَّ ارتحلوا عَنْهُم فَقَتلهُمْ قتلا ذريعاً وَأَقْبل أَصْحَابه يَقُولُونَ يَا لثارات الْهمام فَقَالَت عَجُوز مِنْهُم وَاللات أَيهَا الْملك مَا نَحن بثأرك وَإِنَّمَا ثأرك بَنو أَسد وَقد ارتحلوا فَرفع الْقَتْل عَنْهُم وَقَالَ
أَلا لَهْفَ نَفسي إِثْر قَومٍهم كَانُوا الشفَاء فَلم يصُابوا
وَقاهمْ جَدُّهمُ ببني عَليٍّوبالأشْقينَ مَا كانَ العقابُ
وأفلتهن عِلباء جَريضاًوَلَو أدركنهُ صَفِرَ الوِطابُ) // الوافر //
وَقيل إِن أَصْحَابه اخْتلفُوا عَلَيْهِ حِين أوقع ببني كنَانَة وَقَالُوا لَهُ أوقعت بِقوم بُرَآء وظلمتهم فَخرج إِلَى الْيمن إِلَى بعض مقاولة حمير واسْمه قرمل فاستجاشه
فثبطه قرمل فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
وكُنا أُناساً قَبلَ غَزوةِ قَرْملوَرثنَا الغِنَى والمجدَ أكبر أكبرا) // الطَّوِيل //
ثمَّ خرج إِلَى قَيْصر بعد أَن أودع أدراعه وكراعه السموءل ابْن عادياء فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونهوأيقن أنَّا لَاحِقانِ بقيصرا
(فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا نحاول ملكا أَو نَموتَ فَنُعذرَا) // الطَّوِيل //
وَصَاحبه عَمْرو بن قميئة الشَّاعِر وَهُوَ من بني قيس بن ثَعْلَبَة وَكَانَ قد طوى عَنهُ الْخَبَر حَتَّى جَاوز الدَّرْب فَلَمَّا وصل إِلَى قَيْصر اسْتَغَاثَ بِهِ فوعده أَن يرفده بِجَيْش
وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس جميل الْوَجْه وَكَانَ لقيصر ابنةٌ جميلَة فَأَشْرَفت يَوْمًا من قصرهَا فرآها امْرُؤ الْقَيْس فِي دُخُوله إِلَى أَبِيهَا فَتعلق بهَا وراسلها فأجابته إِلَى مَا سَأَلَ فَذَلِك حَيْثُ يَقُول لما وصل إِلَيْهَا
فَقلت يَمِين الله أبْرح قَاعِداوَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالي) // الطَّوِيل //
وَقيل إِن أَبَاهَا زوجه إِيَّاهَا وَقد كَانَ سبق إِلَى قَيْصر رجل من بني أَسد يُقَال لَهُ الطماح فوشى بِهِ إِلَى قَيْصر فَوجه مَعَه جَيْشًا ثمَّ أتبعه رجلا مَعَه حلَّة مَسْمُومَة وَقَالَ لَهُ اقْرَأ ﵇ وَقل لَهُ إِن الْملك قد بعث إِلَيْك بحلة قد لبسهَا ليكرمك بهَا وَأدْخلهُ الْحمام فَإِذا خرج فألبسه إِيَّاهَا فَلَمَّا فعل تنفط بدنه وَكَانَ يحمل فِي محفة فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
لَقدْ طَمِحَ الطَّماحُ مِنْ بُعْدِ أرضهِلِيْلُبسني مِنْ دائه مَا تلبسا) // الطَّوِيل //
وَكَانَ الطماح قبل ذَلِك قد عَبث بِامْرَأَة من قومه فسعى بِهِ فهرب فَأَرَادَ كَمَا سعى بِهِ أَن يسْعَى بِهِ
ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس لما بلغ أنقرة طعن فِي إبطه وَارْفض عَنهُ أَصْحَابه وَكَانَ نُزُوله إِلَى جَانب جبل وإِلى جَانِبه قبر لابنَة بعض الْمُلُوك فَسَالَ عَنهُ فَأخْبر فَقَالَ
أجارتنا إِن الخطوب تَنوبُوَإِنِّي مقُيمٌ مَا أقامَ عَسيبُ
أجَارتنَا إِنَّا غَريبانِ هَاهُنَاوكلُّ غَريبٍ للغريبِ نَسيبُ
فإِنْ تَصليني تسعدي بمَوَدَّتيوإنِ تَقطعيني فالغريب غَرِيب) // الطَّوِيل //
ثمَّ مَاتَ هُنَالك فَدفن بأنقرة وَكَانَ آخر مَا تكلم بِهِ
رُبَ طَعنةٍ مُثْعَنجرَهوَخطُبةٍ مُسحنَفره
وَجفنةٍ مُدعترَهوَقصيدَةٍ مُحبَّرَهْ
(تَبْقَى غَداً بأنْقَرهْ ...)
(وفَاحماً وَمرْسِناً مُسَرَّجا ...)
قَائِله رؤبة بن العجاج وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة أَولهَا
مَا هَاج أشْجاناً وَشجواً قد شجامِنْ طَللٍ كالأتْحمُّى أنهجا
أَمْسَى لعافي الرَّامساتِ مَدْرَجَاًواتّخذتهُ الناثجات منأجا
مَنازلٌ هَيَّجنَ مَن تَهيجَامِنْ آل لَيلى قد عَفونَ حِجَجَا
والشحطُ قَطاعٌ رَجاء مَن رَجاأزمانَ أبْدتْ وَاضحاً مُفلَّجَا
أغرَ برَّاقَاً وَطرفاً أبرجَاوَمقلةً وحاجباً مُزججَا) // الرجز //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وكَفَلاً وَعْثَاً إِذا ترجرجَا ...)
الفاحم الْأسود وَأَرَادَ شعرًا فاحماً فَحذف الْمَوْصُوف وَأقَام الصّفة مقَامه والمرسن بِفَتْح السِّين وَكسرهَا الْأنف الَّذِي يشد بالرسن ثمَّ استعير لأنف الْإِنْسَان ومسرجاً مختلفٌ فِي تَخْرِيجه فَقيل من سَرْجه تسريجا بهجة وَحسنه وَقيل من قَوْلهم سيوف سريجية منسوبة إِلَى قين يُقَال لَهُ
سُرَيج شبه بهَا الْأنف فِي الدقة والاستواء وَقيل من السراج وَهُوَ قريب من قَوْلهم سرِج وَجهه بِكَسْر الرَّاء أَي حَسُنَ والزَّجَجُ دقة الحاجبين
وَالْمعْنَى أَن لهَذِهِ الْمَرْأَة الموصوفة مقلة سَوْدَاء وحاجبا مدققا مقوسا وشعرا اسود وأنفاً كالسيف السريجي فِي دقته واستوائه أَو كالسراج فِي بريقه وضيائه
وَالشَّاهِد فِيهِ الغرابة فِي مسرجا للِاخْتِلَاف فِي تَخْرِيجه
ورؤبة قَائِل هَذَا الْبَيْت هُوَ أَبُو مُحَمَّد رؤبة بن العجاج والعجاج لقبه واسْمه عبد الله بن رؤبة الْبَصْرِيّ التَّمِيمِي السَّعْدِيّ سمي باسم قِطْعَة من الْخشب يشعب بهَا الْإِنَاء وَهِي بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهُوَ وَأَبوهُ راجران مشهوران كلٌّ مِنْهُمَا لَهُ ديوَان رجز لَيْسَ فِيهِ شعر سوى الأراجيز وهما مجيدان فِي رجزهما وَكَانَ رؤبة هَذَا بَصيرًا باللغة قيمًا بحوشياً وغريبها
حكى يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ قَالَ كنت عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فجَاء شبيل بن عُرْوَة الضبعِي فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرو وَألقى لَهُ لبد بغلته فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ أقبل عَلَيْهِ يحدثه فَقَالَ شبيل يَا أَبَا عَمْرو سَأَلت رؤبتكم عَن اشتقاق اسْمه فَمَا عرفه يَعْنِي رؤبة قَالَ يُونُس فَلم أملك نَفسِي عِنْد ذكره فَقلت لَعَلَّك تظن أَن معد بن عدنان أفْصح مِنْهُ وَمن أَبِيه أفتعرف أَنْت مَا الرُّوبَةُ والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة وَأَنا غُلَام رؤبة فَلم يحر جَوَابا وَقَامَ مغضباً فَأقبل عَليّ أَبُو عَمْرو وَقَالَ هَذَا رجلٌ شرِيف يقْصد مجالسنا وَيَقْضِي حقوقنا وَقد أَسَأْت فِيمَا
وَفعلت مِمَّا واجهته بِهِ فَقلت لم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقَالَ أَبُو عَمْرو أَو سلطت على تَقْوِيم النَّاس ثمَّ فسر يُونُس مَا قَالَه فَقَالَ الروبة خميرة اللَّبن والروبة قِطْعَة من اللَّيْل والروبة الْحَاجة يُقَال فلَان مَا يقوم بروبة أَهله أَي بِمَا اسندوا إِلَيْهِ من حوائجهم والروبة جمام مَاء الْفَحْل والرؤبة بِالْهَمْز الْقطعَة الَّتِي يشعب بهَا الْإِنَاء والجميع بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو إِلَّا رؤبة فَإِنَّهُ بِالْهَمْز
وَقيل ليونس من أشعر النَّاس فَقَالَ العجاج ورؤبة فَقيل لَهُ لم نعن الرجاز قَالَ هما أشعر أهل القصيد وَإِنَّمَا الشّعْر كَلَام وأجوده أشعره قَالَ العجاج
(قد جبر الدّين الْإِلَه فجبر ...) // الرجز //
فَهِيَ نحوٌ من مِائَتي بَيت مَوْقُوفَة القوافي وَلَو أطلقت قوافيها كلهَا لكَانَتْ مَنْصُوبَة وَكَذَلِكَ عَامَّة أراجيزهما
وَعَن ابْن قُتَيْبَة قَالَ كَانَ رؤبة يَأْكُل الفأر فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ هِيَ وَالله أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللَّاتِي تَأْكُل الْعذرَة وَهل يَأْكُل الفأر إِلَّا نقي الْبر ولباب الطَّعَام
وَحدث أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ النَّحْوِيّ قَالَ دخل رؤبة بن العجاج السُّوق وَعَلِيهِ بركاني أَخْضَر فَجعل الصّبيان يعبثون بِهِ ويغرزون شوك النّخل فِي بركانه ويصيحون بِهِ يَا مردوم يَا مردوم فجَاء إِلَى الْوَالِي فَقَالَ أرسل معي الوزعة فَإِن الصّبيان قد حالوا بيني وَبَين السُّوق فَأرْسل مَعَه أعواناً فَشد عَليّ الصّبيان وَهُوَ يَقُول
أنحى عَلَى أمّكَ بالمَردومِأَعْورُ جَعدٌ من بني تَمِيم
(شراب ألبان خلايا كوم ...)
قَالَ فَجعلُوا يعدون بَين يَدَيْهِ حَتَّى دخلُوا دَارا فِي الصيارفة فَقَالَ لَهُ الشرطي أَيْن هم قَالَ دخلُوا دَار الظَّالِمين فسميت إِلَى الْآن دَار الظَّالِمين لقَوْل رؤبة وَهِي فِي صيارفة سوق الْبَصْرَة
وَعَن الْمَدَائِنِي قَالَ قدم الْبَصْرَة راجز من رجاز الْمَدِينَة فَجَلَسَ إِلَى حَلقَة فِيهَا الشُّعَرَاء فَقَالَ أَنا أرجز الْعَرَب أَنا الَّذِي أَقُول
مَروانُ يُعطِي وسَعيدٌ يَمنعُمَروانُ نَبعٌ وَسَعِيد خروع) // الرجز //
وددت أَنِّي راهنت من أحب فِي الرجز يدا بيد وَالله وَالله لأَنا أرجز من العجاج فليت الْبَصْرَة جمعت بيني وَبَينه قَالَ والعجاج حَاضر وَابْنه رؤبة مَعَه فَأقبل رؤبة على أَبِيه فَقَالَ قد أنصفك الرجل فَأقبل عَلَيْهِ العجاج فَقَالَ هَا أَنا ذَا العجاج فَهَلُمَّ وزحف إِلَيْهِ فَقَالَ وَأي العجاجين أَنْت قَالَ مَا خلتك تَعْنِي غَيْرِي أَنا أَبُو عبد الله الطَّوِيل وَكَانَ يكنى بذلك فَقَالَ لَهُ الْمدنِي مَا عنيتك وَلَا أردتك قَالَ كَيفَ وَقد هَتَفت باسمي قَالَ أَو مَا فِي الدُّنْيَا عجاج سواك قَالَ مَا علمت قَالَ وَلَكِنِّي أعلم وإياه عنيت قَالَ فَهَذَا ابْني رؤبة قَالَ اللَّهُمَّ غفرا مَا بيني وبينكما عمل وَإِنَّمَا مرادي غيركما قَالَ فَضَحِك أهل الْحلقَة وكفا عَنهُ
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة قَالَ أخرج شاهين بن عبد الله الثَّقَفِيّ رؤبة مَعَه إِلَى أرضه فقعدوا يَلْعَبُونَ بالنرد فَلَمَّا أَتَوا بالخوان قَالَ رؤبة فِيهِ
يَا إخْوتِي جَاء الخِوانُ فَارفعُواحَنَّانةً كعَابُها تَقَعْقَعُ
(لَم أدْرِ مَا ثَلاثُها والأربعُ ...) قَالَ فضحكنا ورفعناها وَقدم الطَّعَام
وَكَانَ رؤبة مُقيما بِالْبَصْرَةِ فَلَمَّا ظهر بهَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ
ابْن أبي طَالب كرم الله وَجهه على الْمَنْصُور وَجَرت الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة خَافَ رؤبة على نَفسه وَخرج إِلَى الْبَادِيَة ليجتنب الْفِتْنَة فَلَمَّا وصل إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي قَصدهَا أدْركهُ أَجله بهَا فَتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة
وَهَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ يَعْقُوب بن دَاوُد قَالَ لقِيت الْخَلِيل بن أَحْمد يَوْمًا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله دفنا الشّعْر واللغة والفصاحة الْيَوْم فَقلت لَهُ كَيفَ ذَلِك قَالَ حِين انصرفت من جَنَازَة رؤبة بن العجاج وَكَانَ قد أسن ﵀
وَقد سمع أَبَاهُ وَأَبوهُ سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ وَقَالَ النَّسَائِيّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ وَقد روى رؤبة بن العجاج عَن أبي الشعْثَاء عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر وحاد يَحْدُو
طافَ الخَيالانِ فَهاجا سَقماًخَيالُ لبُنْيَ وَخيالُ تَكُتماَ
قَامتْ تُريك خَشيةً أَن تَصْرماساقاً بَخنْداةً وكعبا ادرما) // الرجز //
وَالنَّبِيّ ﷺ يسمع وَلَا يُنكر
وَحدث أَبُو عُبَيْدَة الْحداد قَالَ حَدثنَا رؤبة بن العجاج قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول السِّوَاك يذهب وضر الطَّعَام وَهَذَا الْخَبَر يدل على أَنه سمع من أبي هُرَيْرَة ﵁ وَالله أعلم
وَمن شعره
(أَيهَا الشامت الْمُعير بالشّيب أقِلّنّ بالشبّابِ افْتخارّا ...)
قَدْ لَبستُ الشّبابَ غَضَّاً طَريّافَوجدتُ الشّبابَ ثوبا معارا) // الْخَفِيف //
(الْحَمد لله الْعلي الأجْلَلِ ...)
قَائِله أَبُو النَّجْم وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة وَبعده
الوَاهب الفَضلِ الوَهوب المُجزِلأعْطَى فَلمْ يَبخلْ وَلم يُبخَّلِ) // الرجز //
وَالشَّاهِد فِيهِ مُخَالفَة الْقيَاس اللّغَوِيّ فِي قَوْله الأجلل إِذْ الْقيَاس الْأَجَل بِالْإِدْغَامِ
وَأَبُو النَّجْم اسْمه الْفضل بن قدامَة بن عبيد الله الْعجلِيّ وَهُوَ من رجاز الْإِسْلَام والفحول الْمُتَقَدِّمين فِي الطَّبَقَة الأولى مِنْهُم
وَفد على هِشَام بن عبد الْملك وَقد طعن فِي السن فَقَالَ يَا أَبَا النَّجْم حَدثنِي قَالَ أَعنِي أَو عَن غَيْرِي قَالَ بل عَنْك قَالَ إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل أبول فَخرج مني صَوت فتشددت ثمَّ عدت فَخرج مني صَوت آخر فأويت إِلَى فِرَاشِي وَقلت يَا أم الْخِيَار هَل سَمِعت شَيْئا قَالَت لَا وَالله وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا فَضَحِك هِشَام
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ مَا زَالَت الشُّعَرَاء تقصر بالرجاز حَتَّى قَالَ أَبُو النَّجْم
(الْحَمد لله الْعلي الأجلل ...)
وَقَالَ العجاج
(قد جبر الدّين الإلهُ فجبر ...)
وَقَالَ رؤبة
(وقاتم الأعماق خاوي المخترق ...) فانتصفوا مِنْهُم
وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ قَالَ فتيانٌ من عجلٍ لأبي النَّجْم هَذَا رؤبة بالمربد يجلس فَيسمع شعره وينشد النَّاس ويجتمع إِلَيْهِ فتيَان بني تَمِيم قَالَ أَو تحبون ذَلِك قَالُوا نعم قَالَ فائتوني بِشَيْء من نَبِيذ فَأتوهُ بِهِ فشربه ثمَّ انتفض فَقَالَ
إِذا اصطبحت أَرْبعا عَرفتنيثمَّ تَجَشمتُ الَّذِي جشمتني) // الرجز //
فَلَمَّا رَآهُ رؤبة أعظمه وَقَامَ لَهُ عَن مَكَانَهُ وَقَالَ هَذَا رجاز الْعَرَب وسألوه أَن ينشدهم فأنشدهم
(الحمدُ لله العليِّ الأجلل ...)
وَكَانَ من أحسن النَّاس إنشاداً فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ رؤبة هَذِه أتم الرجز ثمَّ قَالَ يَا أَبَا النَّجْم قربت مرعاها إِذْ جَعلتهَا بَين رجل وَابْنه يُوهم عَلَيْهِ أَنه حَيْثُ قَالَ
(تَبقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التبَّقِّلِ ... بَينَ رِماحَيْ مَالك ونهشل) // الرجز // أَنه يُرِيد نهشل بن مَالك بن حَنْظَلَة بن زيد بن مَنَاة فَقَالَ لَهُ أَبُو النَّجْم هَيْهَات الكمر تتشابه أَي إِنَّمَا أُرِيد مَالك بن ضبيعة بن قيس ونهشل قَبيلَة من ربيعَة
وَعَن أبي بَرزَة المربدي قَالَ خرج العجاج محتفلاً عَلَيْهِ جُبَّة من خَز وعمامة من خَز على نَاقَة لَهُ قد أَجَاد رَحلهَا حَتَّى وقف بالمربد وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهِ وأنشدهم
(قد جبر الدّين الإلهُ فَجَبرْ ...)
وَذكر فِيهَا ربيعَة فهجاهم فجَاء رجل من بني بكر بن وَائِل إِلَى أبي النَّجْم وَهُوَ فِي بَيته فَقَالَ أَنْت جَالس وَهَذَا العجاج يهجونا فِي المربد قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ صف لي حَاله وزيه الَّذِي هُوَ فِيهِ فوصف لَهُ فَقَالَ ابغني جملا طحاناً قد أَكثر عَلَيْهِ من الهناء فجَاء بالجمل فَأخذ سَرَاوِيل لَهُ فَجعل إِحْدَى
رجلَيْهِ فِي السَّرَاوِيل واتزر بِالْأُخْرَى وَركب الْجمل وَدفع خطامه إِلَى من يَقُودهُ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى المربد فَلَمَّا دنا من العجاج قَالَ اخلع خطامه فخلعه وَأنْشد
(تذكرَّ القلبُ وجهلاً مَا ذكر ...)
فَجعل الْجمل يدنو من النَّاقة ويتشممها ويتباعد عَنهُ الْحجَّاج لِئَلَّا يفْسد ثِيَابه ورحله بالقطران حَتَّى بلغ قَوْله
(شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر ...)
فعلق النَّاس هَذَا الْبَيْت وهرب العجاج مِنْهُ
وَورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام صفوا إبِلا فقيظوها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كأنني أنظر إِلَيْهَا فأنشدوه وأنشده أَبُو النَّجْم
(الْحَمد لله الْعلي الأجْلِلِ ...)
حَتَّى إِذا بلغ إِلَى ذكر الشَّمْس فَقَالَ
(فِهيِ عِلى الأُفقِ كِعين ..... ...)
فَأَرَادَ أَن يَقُول الْأَحول ثمَّ ذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ فَقَالَ هِشَام أجز فَقَالَ كعين الْأَحول وَأمر القصيدة فَأمر هِشَام بوجء عُنُقه وإخراجه من الرصافة وَقَالَ لصَاحب شرطته يَا ربيع إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب شرطته أَن يقره فَفعل فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي الْمَسَاجِد قَالَ أَبُو النَّجْم وَلم يكن بالرصافة أحد يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام التغلبي فَكنت آتِي سليما فأتغذى عِنْده وَآتى عمرا فأتعشى عِنْده وَآتى الْمَسْجِد فأبيت قَالَ فاهتم هِشَام لَيْلَة وَأمسى لقس النَّفس وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادم ابغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر فَخرج الْخَادِم إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ
بِرجلِهِ وَقَالَ قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إِنَّنِي رجل أَعْرَابِي غَرِيب فَقَالَ إياك أبغي هَل تروي الشّعْر قَالَ نعم وأقوله فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب قَالَ فأيقن أَبُو النَّجْم بِالشَّرِّ ثمَّ مضى بِهِ فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين نِسَائِهِ ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ هِشَام أَبُو النَّجْم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك قَالَ اجْلِسْ فَسَأَلَهُ وَقَالَ لَهُ أَيْن كنت تأوي وَأَيْنَ مَنْزِلك فَأخْبرهُ قَالَ وَكَيف اجْتمعَا لَك قَالَ كنت أتغذى عِنْد هَذَا وأتعشى عِنْد الآخر قَالَ فَأَيْنَ كنت تبيت قَالَ فِي الْمَسْجِد حَيْثُ وجدني رَسُولك قَالَ وَمَا لَك من الْوَلَد وَالْمَال قَالَ أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ شَيبَان فَقَالَ هَل أخرجت من بناتك أحدا قَالَ نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز فِي أبياتها كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ وَمَا أوصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة بالبراء فَقَالَ
أوِصيتُ مِنْ بِرِّةِ قِلباً حُرّابِالكلبِ خِيراً وِالحماةِ شِرّا
لَا تِسأِمي ضِرباً لهِا وِجِرِاحِتى ترى حُلوِ الحياةِ مُرّا
وِإنْ كِستكِ ذِهباً وِدرّاوِالحيُّ عمُيِّهمْ بشرٍّ طُرّا) // الرجز //
فَضَحِك هِشَام وَقَالَ فَمَا قلت لِلْأُخْرَى قَالَ قلت
سُبِّي الحِماةِ وابْهتيِ عِليهاوِإنْ دِنتْ فازْدَلِفي إِليْهَا
وَأوْجعِي بالنَّهزِ رُكبتيهَاوَمِرفقيهَا واضْرِبي جَنبيهَا
وَظَاهري الْبَدِيِّ لَهَا عَلَيْهَالَا تُخْبِرِي الدَّهرَ بِهِ ابْنتيهَا) // الرجز //
قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب ﵇ وَلَده فَقَالَ وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا قلت للثالثة قَالَ قلت
أوصِيكِ يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهبُأُوصِيكِ أَن تَحْمَدكِ الأقاربُ
والجارُ والضَّيفُ الكريمُ الساغبوَيرجع الْمِسْكِين وهوَ خائبُ
ولَا تَني أظْفارُكِ السَّلاهبُلَهن فِي وجهِ الحماة كاتبُ
(والزوْجِ إنَّ الزوجَ بئس الصاحب ...) // الرجز //
قَالَ فَكيف قلت هَذَا وَلم تتَزَوَّج وَأي شَيْء قلت فِي تَأَخّر تَزْوِيجهَا قَالَ قلت
كَأَن ظَلَاّمةَ أخْتَ شَيبانْيَتيمةٌ ووالداها حَيَّانْ
الرَّأسُ قملٌ كُلُّهُ وصِئْبانولَيسَ فِي السَّاقين إِلَّا خَيطانْ
(تِلكَ الَّتِي يَفْزَعُ مِنْهَا الشَّيطانْ ...) // الرجز //
قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى ضحك النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ ثَلَاثمِائَة دِينَار قَالَ أعْطه إِيَّاهَا ليجعلها فِي رجل ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ
وَدخل أَبُو النَّجْم يَوْمًا على هِشَام وَقد مَضَت لَهُ سَبْعُونَ سنة فَقَالَ لَهُ هِشَام مَا رَأْيك فِي النِّسَاء قَالَ إِنِّي لأنظر إلَيْهِنَّ شزراً وينظرن إِلَى حذرا فوهب لَهُ جَارِيَة وَقَالَ لَهُ اغْدُ عَليّ فَأَخْبرنِي مَا كَانَ مِنْك فَلَمَّا أصبح غَدا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا صنعت شَيْئا وَلَا قدرت على شَيْء وَقلت فِي ذَلِك أبياتاً
نَظرتْ فأعجبها الذِي فِي دِرْعِهامِن حُسنه ونظرتُ فِي سرباليا
ظيقا يَعضُّ بكلِّ عَردٍ نَالهُكالصدغِ أَو صدع يرى متجافيا
فرأت لَهَا كَفلاً ينوء بخَصْرهاوَعْثاً رَوادفُه وأجثْمَ نابيا
وَرَأَيْت منتشر العَجانِ مُقلّصاًرخْواً مَفاصلهُ وجلداً باليَا
أُدِنى لهُ الرِّكبَ الحَليقَ كأنَّماأُدنى إِلَيْهِ عقَارباً وأفَاعيَا
إِن الندامة والسدامة فاعلمنلَو قد خبرتك للمواسي حاليا
مَا بالُ رأسكَ من ورائي طالعاًأظَننتَ أنَّ حِرَ الفَتاةِ وَرائِيا
فاذهبْ فإِنكَ مَيِّتٌ لَا تَرُتّجَيأبَد الأبيد وَلو عمرت لَياليَا
أنْتَ الْغرُور إِذا خبرت وربَّماكَانَ الْغرُور لمن رجاه شَافيَا
لَكنّ أيْرِي لَا يُرجَّى نَفعُهحَتَّى أعُودَ أخَا فتَاءٍ ناشيا) // الْكَامِل //
فَضَحِك هِشَام وَأمر لَهُ بجائزة أُخْرَى
وَحدث أَبُو الْأَزْهَر ابْن بنت أبي النَّجْم عَن أبي أمه أَنه كَانَ عِنْد عبد الْملك ابْن مَرْوَان وَيُقَال عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَوْمًا وَعِنْده جمَاعَة من
الشُّعَرَاء وَكَانَ أَبُو النَّجْم فيهم والفرزدق وَجَارِيَة واقفة على رَأس سُلَيْمَان أَو عبد الْملك تذب عَنهُ فَقَالَ من صحبني بقصيدة يفتخر فِيهَا وَصدق فِي فخره وهبته هَذِه الْجَارِيَة قَالَ فَقَامُوا على ذَلِك ثمَّ قَالُوا إِن أَبَا النَّجْم يغلبنا بمقطعاته يعنون الرجز فَقَالَ أَلا أَقُول إِلَّا قصيداً فَقَالَ من ليلته قصيدته الَّتِي فَخر فِيهَا وَهِي
(عَلقَ الْفُؤَاد حَبائِل الشعْثَاء ...) // الْكَامِل //
ثمَّ أصبح وَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ الشُّعَرَاء فأنشده حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
منَّا الذِي رَبعَ الجيوشَ لِصُلبهِعِشرونَ وَهْوَ يُعدُّ فِي الأحْياء
قَالَ لَهُ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان قف إِن كنت صدقت فِي هَذَا الْبَيْت فَلَا تزد مَا وَرَاءه فَقَالَ الفرزدق أَنا أعرف مِنْهُم سِتَّة عشر وَمن ولد وَلَده أَرْبَعَة كلهم قد ربع فَقَالَ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان ولد وَلَده هم وَلَده ادْفَعْ إِلَيْهِ الْجَارِيَة يَا غُلَام قَالَ فَغَلَبَهُمْ يَوْمئِذٍ
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ أَبُو النَّجْم للعديل بن الفرخ أَرَأَيْت قَوْلك
فَإِن تَكُ مِنْ شَيبانَ أمَّي فإنَّنيلأَبْيضَ مجليّ عَريض المفارق) // الطَّوِيل //
أَكنت شاكاً فِي نسبك حَتَّى قلت مثل هَذَا فَقَالَ العديل أشككت فِي نَفسك أَو فِي شعرك حِين قلت
أنَا أبُو النَّجم وَشِعرِي شِعرِيلله دَرّى مَا يِجنِّ صَدْرِي) // الرجز //
فَأمْسك أَبُو النَّجْم واستحيا وَكَانَت وَفَاته آخر دولة بني أُميَّة
(كَريمُ الجِرِشَّي شَرِيفُ النَّسَبْ ...) قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من بَحر المتقارب وَكَانَ سيف الدولة ابْن حمدَان صَاحب حلب قد أنفذ إِلَيْهِ كتابا بِخَطِّهِ إِلَى الْكُوفَة بِأَمَان وَسَأَلَهُ الْمسير إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ بِهَذِهِ القصيدة
فَهمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكتَبْفَسمعاً لأمْرِ أَمير العَربْ
وطَوعاً لَهُ وابتهاجاً بهِوَإِن قَصَّرَ الفِعلُ عمَّا وَجبْ
وَمَا عَاقنِي غيَرُ خَوفِ الوُشاةفإِن الوشاة طريقُ الكِذبْ
وَتكثيرُ قومٍ وتَقليلهموتقَريبهُم بَيْننَا والخَبَبْ
وَقَد كَانَ ينصرهم سَمعهُوينصرُنِي قلبه والحَسبْ
وَمَا قُلتُ للبدر أنتَ اللجَينُوَلَا قلتُ للشمس أنْتِ الذَهبْ
فَيقْلقَ مِنهُ البَعيدُ الأناةِويغَضبَ مِنْهُ البَطيءُ الغَضبْ
ومَا لاقنيِ بَعدكُم بَلدةُوَلا اعتْضْتُ مِنْ رَبٍّ نُعماىَ رَب
ومنْ رَكبَ الثَّوْرَ بعد الْجوادأنكرَ أظلافهُ وَالغبَبْ
ومَا قِستْ كلَّ مُلوِك البلادِفَدعْ ذِكرَ بَعضِ بِمنْ فِي حَلبْ
وَلو كنُتُ سَميّتهمْ باسمهِلَكانَ الحديدَ وكانوُا الخشبْ
أَفِي الرَّأْي يُشْبَهُ أمْ فِي السخاءأمْ فِي الشجاعةِ أمْ فِي الأدبِّ
مُباركُ الاسِم أغرُّ اللقَّبْكَريمُ الجرشيَّ شَريفُ النسبْ
أَخُو الحربِ يُخدمُ مِمَّا سَبَىقَناهُ وَيخْلعُ مِمَّا سَلبْ
إِذَا حازَ مَالا فَقدْ حَازهُفَتى لَا يُسرُّ بِما لَا يهب) // المتقارب //
والجرشي بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء مَقْصُورا النَّفس وَأَشَارَ بقوله مبارك اللاسم إِلَى أَن اسْم الممدوح عَليّ وَهُوَ اسْم مبارك يتبرك بِهِ لمَكَان عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَلِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْعُلُوّ والعلو مبارك وَمعنى أغر اللقب مَشْهُور لِأَنَّهُ سيف الدولة والأغر من الْخَيل الَّذِي فِي وَجهه غرَّة وَهِي الْبيَاض استعير لكل وَاضح مَعْرُوف
وَالشَّاهِد فِيهِ كَرَاهَة السّمع للفظة تكون فِي الْبَيْت كالجرشي هُنَا
وَأَبُو الطّيب اسْمه أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عبد الصَّمد الْجعْفِيّ الْكِنْدِيّ الْكُوفِي المتنبي الشَّاعِر الْمَشْهُور وَإِنَّمَا قيل لَهُ المتنبي لِأَنَّهُ ادّعى النُّبُوَّة فِي بادية السماوة وَتَبعهُ خلق كثير من بني كلب وَغَيرهم فَخرج إِلَيْهِ لُؤْلُؤ
أَمِير حمص نَائِب الأخشيدية فَأسرهُ وتفرق أَصْحَابه وحبسه طَويلا ثمَّ استتابه وَأطْلقهُ
وَكَانَ قد قَرَأَ على الْبَوَادِي كلا مَا ذكر أَنه قُرْآن أنزل عَلَيْهِ فَمِنْهُ والنجم السيار والفلك الدوار وَاللَّيْل وَالنَّهَار إِن الْكَافِر لفي أخطار امْضِ على سننك وَاقِف أثر من كَانَ قبلك من الْمُرْسلين فَإِن الله قامع بك زيغ من ألحد فِي الدّين وضل عَن السَّبِيل
وَكَانَ إِذا جلس فِي مجْلِس سيف الدولة وَأَخْبرُوهُ عَن هَذَا الْكَلَام فينكره ويجحده
وَلما أطلق من السجْن الْتحق بالأمير سيف الدولة بن حمدَان ثمَّ فَارقه وَدخل مصر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة ومدح كافوراً الأخشيدي وأنوجور بن الأخشيد وَكَانَ يقف بَين يَدي كافور وَفِي رجلَيْهِ خفان وَفِي وَسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بِالسُّيُوفِ والمناطق وَلما لم يرضه هجاه وفارقه لَيْلَة عيد النَّحْر سنة خمسين وثلاثمائة فَوجه كافور خَلفه عدَّة رواحل فَلم يلْحق وَقصد بِلَاد فَارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل صلته وَلما رَجَعَ من عِنْده عرض لَهُ فاتك بن أبي جهل الْأَسدي فِي عدَّة من أَصْحَابه فقاتله فَقتل المتنبي وَابْنه محسد وَغُلَامه مُفْلِح بِالْقربِ من النعمانية فِي مَوضِع يُقَال لَهُ الصافية من الْجَانِب الغربي من سَواد بَغْدَاد وَيُقَال إِنَّه قَالَ شَيْئا فِي عضد الدولة فَدس عَلَيْهِ من قَتله لِأَنَّهُ لما وَفد عَلَيْهِ وَصله بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَثَلَاثَة أَفْرَاس مسرجة محلاة وَثيَاب مفتخرة ثمَّ دس عَلَيْهِ من سَأَلَهُ أَيْن هَذَا الْعَطاء من عَطاء سيف الدولة فَقَالَ هَذَا أجزل إِلَّا أَنه عَطاء متكلف وَسيف الدولة كَانَ يُعْطي طبعا فَغَضب عضد الدولة فَلَمَّا انْصَرف جهز عَلَيْهِ قوما من بني ضبة فَقَتَلُوهُ بعد أَن قَاتل قتالاً
شَدِيدا ثمَّ انهزم فَقَالَ لَهُ غُلَامه أَيْن قَوْلك
الخيلُ واللَّيلُ وَالبَيدَاءُ تَعرفُنْيِوَالطَّعنُ والضَّربُ والقرطاس والقلم) // الْبَسِيط //
فَقَالَ قتلتني قَتلك الله ثمَّ قَاتل فَقتل
وَيُقَال إِن الخفراء جَاءُوهُ وطلبوا مِنْهُ خمسين درهما ليسيروا مَعَه فَمَنعه الشُّح وَالْكبر فتقدموه فَوَقع لَهُ مَا وَقع
وَكَانَ قَتله يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ وَقيل لثلاث بَقينَ وَقيل لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وثلثمائة
ومولده كَانَ فِي سنة ثَلَاث وثلثمائة بِالْكُوفَةِ فِي محلّة تسمى كِنْدَة وَلَيْسَ هُوَ من كِنْدَة الَّتِي هِيَ قَبيلَة بل هُوَ جعفي
وَقيل إِن أَبَاهُ كَانَ سقاء بِالْكُوفَةِ وَكَانَ يلقب بعبدان ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام بولده وإِلى هَذَا أَشَارَ بعض الشُّعَرَاء فِي هجوه فَقَالَ
أيُّ فَضلٍ لِشاعرٍ يطْلب الْفضلمِنَ النَّاسِ بُكرةً وَعشيَّا
عَاشَ حِيناً يَبيعُ فِي الكُوفةِ المَاءوَحيناً يَبيعُ ماءَ الْمحيا) // الْخَفِيف //
وَلَقَد أولع بعض شعراء عصره بهجوه حسداً لَهُ على فَضله وتمكنه من الْمُلُوك ومراعاة لتيهه وتكبره وَمِمَّنْ أفحش فِي ذَلِك ابْن حجاج فَقَالَ جَارِيا على عَادَته فِي السخف والمجون
يَا ديمةَ الصَّفع صُبيٍّعلَى قَفا المُتنبُّي
وَيَا قَفاهُ تَقدَّمْحَتَّى تَصيرَ بْجَنْبِي
وَأنتَ يَا ريحَ بَطنِيعَلَى سباليه هبي) // المجتث //
وَيَقُول فِيهَا
إِنْ كُنت أنتَ نَبياًفَالقِرِدُ لَا شكَّ رَبيِّ
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا من قصيدة
قل لي وطر طورك هذَا الّذيفِي غَايةِ الحُسنِ شَوابيرهُ
مَا ضرهُ إِذْ جَاء فَصلُ الشِّتَالَوْ أنَّ شَعَرَ استي سموره) // السَّرِيع //
وَلَقَد كَانَ المتنبي من المكثرين من نقل اللُّغَة والمطلعين على غريبها وحوشيها وَلَا يسال عَن شَيْء إِلَّا وَيسْتَشْهد فِيهِ بِكَلَام الْعَرَب من النّظم والنثر حَتَّى قيل إِن الشَّيْخ أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ يَوْمًا كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى فَقَالَ المتنبي فِي الْحَال حِجلى وظربي قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال على أَن أجد لهذين الجمعين ثَالِثا فَلم أجد وحسبك من يَقُول أَبُو عَليّ فِي حَقه هَذِه الْمقَالة
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بن جني قَرَأت ديوَان المتنبي عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله فِي كافور الأخشيدي
أَلَا لَيتَ شِعري هَلْ أقُولُ قَصيدةًفَلَا أَشْتكي فِيها وَلَا أَتَعَتَّبُ
وَبيِ مَا يذُودُ الشِّعرَ عَنيِّ أقَلُّهُوَلكنَّ قَلبي يَا ابنةَ الْقَوْم قلب) // الطَّوِيل //
قلت لَهُ يعز عَليّ كَون هَذَا الشّعْر فِي غير سيف الدولة فَقَالَ حذرناه وأنذرناه فَمَا نفع أَلَسْت الْقَائِل فِيهِ
أخَا الجُودِ أعطِ النَّاسَ مَا أنتَ مالِكٌوَلا تُعطينَّ النَّاسَ مَا أَنا قَائِله) // الطَّوِيل //
فَهُوَ الَّذِي أَعْطَانِي كافوراً بِسوء تَدْبيره وَقلة تَمْيِيزه
وَالنَّاس فِي شعره على طَبَقَات فَمنهمْ من يرجحه على أبي تَمام وَمن بعده وَمِنْهُم من يرجح أَبَا تَمام عَلَيْهِ ورزق فِي شعره السَّعَادَة واعتنى الْعلمَاء بديوانه
فشرحوه حَتَّى قيل إِنَّه وجد لَهُ مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ شرحاً
وَمن شعره مِمَّا لَيْسَ فِي ديوانه بل رَوَاهُ الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل بيتان وهما
أَبِعَين مُفتقرٍ إِليكَ نَظَرْتَنِيفَأهنتني وَقذَفتني مِنْ حاَلقِ
لَستَ الملُومَ أَنا الملُومُ لأننيأنْزَلتُ آمَالي بِغَيْر الْخَالِق) // الْكَامِل //
وَلما قتل رثاه أَبُو الْقَاسِم المظفر بن عَليّ الطبسي بقوله
لَا رعَى اللهُ سِربَ هَذا الزَّمانإِذ دَهانَا فِي مِثلِ ذاكَ اللَّسانِ
مَا رَأى النَّاسُ ثانيَ المُتنبيّأَيُّ ثَانٍ يُرَى لبكْر الزّمانِ
كانَ مِنْ نَفسهِ الكَبيرة فِي جَيشوَفي كِبرياءِ ذِي سُلطانِ
هُوَ فِي شِعرهِ نَبيٌّ ولكنْظَهرتْ مُعجزاتهُ فِي الْمعَانِي) // الْخَفِيف //
ويحكى أَن الْمُعْتَمد بن عباد اللَّخْمِيّ صَاحب قرطبة وإشبيلية أنْشد يَوْمًا فِي مَجْلِسه بَيت المتنبي الَّذِي هُوَ من جملَة قصيدته الْمَشْهُورَة وَهُوَ
إذَا ظَفَرْت مِنكَ العُيونُ بِنظرةٍأثَابَ بهَا مُعيي المَطيِّ ورارمه) // الطَّوِيل //
وَجعل يردده اسْتِحْسَانًا لَهُ وَفِي مَجْلِسه أَبُو مُحَمَّد عبد الْجَلِيل بن وهبون الأندلسي فَأَنْشد ارتجالاً
لَئِن جَادَ شِعُر ابْن الحُسينِ فَإِنَّمَاتُجيدُ العَطايَا واللُّها تَفتحُ اللَّهَا
تَنبأ عُجباً بالقَريض وَلَو درَىبأنَّكَ تَروِي شِعرهُ لَتألَّهَا) // الطَّوِيل //
وَهَذَا مثل قديم قَالَه أَبُو سعيد الْقصار فِي جَعْفَر بن يحيى
لابْنِ يَحيى مآثرٌبلغت بِي إِلَى السُّها
جادَ شِعرِي بجودهِواللُّها تَفتحُ اللها) // من مجزوء الْخَفِيف //
واللها بِالضَّمِّ العطايا وبالفتح جمع لهاة الْحلق
ورثاه أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب النصيبي بقصيدة يستجيش فِيهَا عضد الدولة على مدحضي قدمه ومريقي دَمه فَمِنْهَا
قَرتْ عُيونُ الأَعادي يَومَ مَصرعهِوطالما سَخِنتْ فِيهِ مِنَ الْحَسَد) // الْبَسِيط //
وَمِنْهَا
أبَا شُجاعٍ فتَى الهَيجا وَفَارسهاوَمُشترِي الشُّكر بالإِنفاقِ والصفَّدِ
هذي بنَو أسدٍ جَاءَت بُمؤيدةٍصَماء نائحة هَدَّت ذُرَى أحُد
سَطتْ عَلَى المتنبي مِنْ فوارسهاسبَعونَ جَاءَتْهُ فِي مَوْج من الزَّردِ
حَتَّى أَتَت وَهُوَ فِي أمنٍ وَفِي دعةٍيسيرُ فِي سِتَّة إِن تحص لم تزد
كَرَّتْ عَلَيْهِ سِراعاً غيرَ وانيةٍفَغادرته قرينَ التُّرب والثَّأْدِ
(من بعد مَا أعملت فيهم أسنَّتهُ
طَعنا يُفرق بَين الرَّوحِ والجسدِ)
فَاطْلبْ بثأر فَتى مَا زِلتَ تَعضُدُهُلله دَركَ منْ كَهفٍ وَمِنْ عَضُدِ
أزْكِ العُيون عَليهم أيَّةً سَلكواوضَيَّقِ الأرضَ والأقْطارَ بالرَّصدِ
شَردْهمُ بجُيوش لَا قَوامَ لَهَاتَأتِي عَلى سَبدِ الأَقوامِ واللبد) // الْبَسِيط //
ورثاه أَيْضا ثَابت بن هَارُون الرقي النَّصْرَانِي بقصيدة يستشير فِيهَا عضد الدولة على فاتك وَبني أَسد يَقُول فِي أَولهَا
الدهرُ أنْكى واللَّيالي أنْكَدُمِنْ أَنْ تعيشَ لأهلهَا يَا أحمَدُ
قصَدَتْكَ لمَّا أَن رأتْكَ نَفيسهابُخْلاً بمثلكَ والنَّفائَسُ تُقصدُ
ذُقْتَ الكرِيهة بَغْتَةً وفقَدْتَهاوكريهُ فقدِكَ فِي الوَرى لَا يفقدُ
قلْ لي إِن اسطعْتَ الْجَواب فإِننيصبُّ الفؤادِ إِلَى خطابِكَ مكمد) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
أَتركْتَ بعدكَ شَاعِرًا وَالله لَالمْ يَبقَ بَعدَك فِي الزَّمانِ مُقصَّدُ
أَمَّا العُلومُ فإِنَّها يَا رَبَّهَاتَبكي عليكَ بأدَمُعٍ لَا تَجمُدُ
يَا أَيُّها الملكُ المؤيَّدُ دعْوَةًمِمَّن حَشاهُ بالأسى يتوقَّدُ
هذِي بَنو أَسد بضيفِكَ أوقعَتْوحَوَتْ عطاءك إذَّ حَوَاهُ الفرقَدُ
وَلهُ عليكَ بقصدِهِ يَا ذَا العُلَاحَقّ التحرَّمِ والذَّمامُ الأوكَدُ
(فارع الذِّمامَ وكُنْ لضيفِكَ طالِباً ... إِنَّ الذّمامَ على الكرِيم مُؤبَّدُ) وأخبار المتنبي وَمَا جرى لَهُ كَثِيرَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا وَمن شعره فِي أثْنَاء هَذَا الْكتاب
وقَبْر حَرْبٍ بِمكَانٍ قَفْرِولَيْس قُرْبَ قبر حَرْب قبر
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع