تجاوز إلى المحتوى

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)

شَوَاهِد الْوَصْل والفصل

لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم أنَّ النَّوىمُرٌّ وَأَن أَبَا الحُسَينِ كَريمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»

الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم وأولها

أسْقَى طُلولَهمُ أجَشُّ هَزِيمُوغَدَتْ عَلَيْهِم نَضْرَةٌ ونَعيمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
جَادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍمَا عهدُها عِنْد الديارِ ذَميمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
سَفِهَ الفراقُ عَلَيْك يَوْم تحَمَّلوارُبمَا أرَاهُ وَهُوَ عَنك حَليمُ
ظلمتك ظالمة البريء ظَلومُوَالظُّلم من ذِي قُدْرة مَذْمُوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»
زَعمَتْ هَوَاك عَفا الغداةَ كَمَا عفَامِنْهَا طُلولٌ باللوى ورسوم) // الْكَامِل //
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالمالْبَيْت وَبعده
مَا حُلْتُ عَن سنَن الوفاءِ وَلَا غَدَتْنَفسِي على إلفٍ سواكِ تَحُومُ

والنوى الْفِرَاق

وَالشَّاهِد فِيهِ أَن شَرط عطف جملَة على جملَة أَن يكون بَينهمَا جِهَة خَاصَّة وَلَا كَذَلِك فِي هَذَا الْبَيْت إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين كرم أبي الْحُسَيْن ومرارة النَّوَى سواءٌ كَانَ نَوَاه أَو نوى غَيره فَهَذَا الْعَطف غير مَقْبُول سَوَاء جعل عطف مُفْرد على مُفْرد كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَو عطف جملَة على جملَة بِاعْتِبَار وُقُوعه مَوضِع مفعول الْعلم لِأَن وجود الْجَامِع شَرط فيهمَا وَلِهَذَا عيب على أبي تَمام كَمَا سَيَأْتِي فِي أحسن التَّخَلُّص إِن شَاءَ الله تَعَالَى

وهِمتُ بالأوْطان وجدا بهَاوبالغوانِي أينَ مِني الغوان
فقرِّباني بِأبي أَنْتُمَامِنْ وطني قبلَ اصفرار البنان
وقبلَ مَنْعايَ إِلَى نِسوةٍمَسكَنُها حرَّان والرَّقتان
سقى قُصُور الشاذياخ الحَيامنْ بعدِ عهدِي وقصورَ الميان
فكم وَكم منْ دَعوةٍ لي بهَاأنْ تتخطاها صُروفَ الزَّمَان) // السَّرِيع //

والترجمان يُقَال بِضَم تائه وجيمه وفتحهما وَفتح التَّاء وَضم الْجِيم وَهُوَ الْمُفَسّر للسان يُقَال تَرْجمهُ وَعنهُ وَالْفِعْل يدل على أَصَالَة التَّاء

وَلَقَد أَجَاد الْغَزِّي فِي تَضْمِينه صدر الْبَيْت بقول

طول حَيَاة مَالهَا طائلتغض عندِي كلَّ مَا يُشتهي
أَصبحتُ مثلَ الطِّفل فِي ضعفهِتشابهَ المبدأُ والمُنتهى
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة
فلَا تَلُمْ سَمعي إِذا خاننيإنّ الثَّمَانِينَ وبلغتها) // السَّرِيع //

ولطيف قَول الشهَاب المنصوري ﵀

نَحْو ثمانينَ منَ الْعُمر قدْقَطعْتها مثلَ عُقُود الجمانْ
مَا أَحوجتْ يَوْمًا يَمِيني إِلَىعَصا وَلَا سَمْعي إِلَى ترجمان) // السَّرِيع //

وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض وَيُسمى الِالْتِفَات وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي أثْنَاء الْكَلَام أَو بَين كلامين متصلين معنى بجملة أَو أَكثر لَا مَحل لَهَا من الْأَعْرَاب لنكتة سوى دفع الْإِيهَام وَهُوَ هُنَا الدُّعَاء فِي قَوْله وبلغتها لِأَنَّهَا جملَة مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها وَالْوَاو فِيهِ اعتراضية لَيست عاطفة وَلَا حَالية

(وَقَالَ رَائِدُهم أرْسُوا نُزَاوِلُهَا ...)

هُوَ من الْبَسِيط وقائله الأخطل كَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي ديوانه وَتَمَامه

(وكل حَتْفِ امرِئِ يجْرِي بمقدارِ ...)

وَبعده

إِمَّا نموتُ كراماً أَو نَفوز بهَافواحد الدَّهْر من كدٍّ وأسفار) // الْبَسِيط //

والرائد الْمُرْسل فِي طلب الْكلأ وأرسوا بِقطع الْهمزَة من رست السَّفِينَة ترسو رسوا إِذا وقفت على الأنجر مُعرب لنكر وَهُوَ مرساة السَّفِينَة وَهِي خشبات يفرغ بَينهَا الرصاص الْمُذَاب فَتَصِير كصخرة إِذا رست رست السَّفِينَة أَو هُوَ من رست أَقْدَامهم فِي الْحَرْب أَي ثبتَتْ ونزاولها من المزاولة وَهِي المحاولة والمعالجة فِي تَحْصِيل الشَّيْء وَالضَّمِير للسفينة وَقيل للحرب وَقيل للخمر وَهُوَ لَا يُنَاسب ظَاهر الْبَيْت الَّذِي بعده

وَالشَّاهِد فِي قَوْله نزاولها فَإِنَّهُ فَصله عَن قَوْله أرسوا لِأَن الأول أَمر وَالثَّانِي خبر فَامْتنعَ الْعَطف بَينهمَا لاختلافهما خَبرا وطلباً لفظا وَمعنى

وَمن هَذَا الضَّرْب قَول اليزيدي أَو إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر

ملكتهُ حبلي ولكنهُألقَاه من زُهْدٍ على غاربي
وقالَ إِنِّي فِي الْهوى كاذبٌانتقمَ اللهُ من الكاذبِ) // السَّرِيع //

وَحمله الشَّيْخ عبد القاهر على الِاسْتِئْنَاف بِتَقْدِير قلت قَالَ الشِّيرَازِيّ وَهُوَ أنسب بالْمقَام

والأخطل هُوَ غياث بن غوث بن الصَّلْت بن الطارقة يَنْتَهِي نسبه لتغلب ويكنى أَبَا مَالك والأخطل لقبه عَن أبي عُبَيْدَة أَن السَّبَب فِيهِ أَنه هجا رجلا من قومه فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام إِنَّك لأخطل والأخطل السَّفِيه وَكَانَ نَصْرَانِيّا من أهل الجزيرة وَمحله فِي الشّعْر أكبر من أَن يحْتَاج إِلَى وصف وَهُوَ وَجَرِير والفرزدق طبقَة وَاحِدَة جعلهَا ابْن سَلام أول طَبَقَات الْإِسْلَام وَلم يَقع إجماعٌ على أحدهم انه أفضلهم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم عصبَة تفضله على الْجَمَاعَة

وَقَالَ أَبُو عَمْرو لَو أدْرك الأخطل يَوْمًا وَاحِدًا من الْجَاهِلِيَّة مَا قدمت عَلَيْهِ أحدا

وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا أدْرك جرير الأخطل وَهُوَ شيخ قد تحطم وَكَانَ الأخطل أسن من جرير وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يشبه الأخطل بالنابغة لصِحَّة شعره وَكَانَ حَمَّاد يفضل الأخطل على جرير والفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق إِنَّمَا تفضله لِأَنَّهُ فَاسق مثلك فَقَالَ لَو فضلته بِالْفِسْقِ لفضلتك وَقَالَ الأخطل لعبد الْملك ابْن مَرْوَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زعم ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا أَنه يبلغ مدحتك فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَقد أَقمت فِي مدحتك

(خف القطين فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ...)

سنة فَمَا بلغت مَا أردْت فَقَالَ عبد الْملك أسمعناها يَا أخطل فَلَمَّا أنشدها قَالَ لَهُ عبد الْملك أَتُرِيدُ أَن أكتب إِلَى الْآفَاق أَنَّك أشعر الْعَرَب قَالَ اكْتفي بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمر لَهُ بِجَفْنَة كَانَت بَين يَدَيْهِ فملئت لَهُ دَرَاهِم وألقيت عَلَيْهِ خلع وَخرج بِهِ مولى لعبد الْملك على النَّاس وَهُوَ يَقُول هَذَا شَاعِر أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا أشعر الْعَرَب

وَأنْشد لعبد الْملك قَول كثير فِيهِ

فَمَا تركوها عنْوَة عَن مودّةٍولكنْ بحدِّ المشرفي استقالها) // الطَّوِيل //
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي إن أم الحكيم تحملت»

فأعجب بِهِ فَقَالَ لَهُ الأخطل مَا قلت لَك وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن مِنْهُ قَالَ وَمَا قلت قَالَ قلت

أهَلّوا من الشهرِ الحرامِ فَأَصْبحُوامَوَاليَ مُلْكٍ لَا طَريفٍ وَلَا غصب) // الطَّوِيل //
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لعمري لقد أسريت لا ليل عاجز»

جعلته لَك حَقًا وَجعله لَك غصبا قَالَ صدقت

وَأصْبح عبد الْملك يَوْمًا فِي غَدَاة بَارِدَة فتمثل بقول الأخطل

إِذا اصطَبحَ الْفَتى مِنْهَا ثَلَاثًابِغَيْر المَاء حاوَل أَن يطولَا
مَشى قرشيَّةً لَا شكّ فِيهَاوأرْخى من مآزرِهِ فضولا) // الوافر //

ثمَّ قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة مُحَلل الْإِزَار مُسْتَقْبلا للشمس فِي حَانُوت من حوانيت دمشق ثمَّ بعث رجلا يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِك

وَقدم الأخطل مرّة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَنزل على سرجون كَاتبه فَقَالَ لَهُ على من نزلت فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ قَاتلك الله مَا أخْبرك بِصَالح الْمنَازل فَمَا تُرِيدُ أَن ننزلك قَالَ فِي درمك من درمككم هَذَا وَلحم وخمر من بَيت رَأس فَضَحِك عبد الْملك وَقَالَ وَيلك وعَلى أَي شَيْء اقتتلنا إِلَّا على هَذَا ثمَّ قَالَ لَهُ أَلا تسلم فنفرض لَك أَلفَيْنِ فِي عطائك وتوصل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم قَالَ فَكيف بِالْخمرِ قَالَ وَمَا تصنع بهَا وَإِن أَولهَا لمر وَإِن آخرهَا لسكر قَالَ أما إِن قلت ذَاك فَإِن بَينهمَا لمنزلة مَا ملكك فِيهَا إِلَّا كلعقة من مَاء الْفُرَات بالإصبع فَضَحِك عبد الْملك ثمَّ قَالَ أَلا تزور الْحجَّاج فَإِنَّهُ كتب يستزيرك فَقَالَ أطائع أم كَارِه قَالَ بل طائع قَالَ مَا كنت لأختار نواله على نوالك ولاقربة على قربك إِنِّي إِذا لَكمَا قَالَ الشَّاعِر

كَمُبتاعٍ لمركبهِ حِماراًيُغيرهُ من الْفرسِ الْكَرِيم) // الوافر //

فَأمر لَهُ بِعشر آلَاف دِرْهَم وَأمره أَن يمدح الْحجَّاج فمدحه بقوله

صَرمَتْ حِبالَكَ زَينبٌ وَرعومُوَبدَا المُجمجمُ مِنْهُمَا المكتوم) // الْكَامِل //

وَوجه بالقصيدة مَعَ ابْنه إِلَيْهِ

وَدخل الأخطل على بشر بن مَرْوَان وَعِنْده الرَّاعِي الشَّاعِر فَقَالَ لَهُ بشر أَأَنْت أشعر أم هَذَا قَالَ أَنا أشعر مِنْهُ وَأكْرم فَقَالَ لِلرَّاعِي مَا تَقول فَقَالَ أما اشعر مني فَعَسَى وَأما اكرم مني فَإِن كَانَ فِي أمهاته من ولدت مثل الْأَمِير فَنعم فَلَمَّا خرج الأخطل قَالَ لَهُ رجل أَتَقول لخال الْأَمِير أَنا أكْرم مِنْك فَقَالَ وَيحك إِن أَبَا نسطوس قد وضع فِي رَأْسِي أكؤساً ثَلَاثًا وَالله لَا أَعقل مَعهَا

وَحدث قُحَافَة المري قَالَ دخل الأخطل على عبد الْملك فاستنشده فَقَالَ قد يبس حلقي فَمر من يسقيني فَقَالَ اسقوه مَاء فَقَالَ هُوَ شراب الْحمار وَهُوَ عندنَا كثير قَالَ فاسقوه لَبَنًا قَالَ عَن اللَّبن فطمت قَالَ فاسقوه عسلاً قَالَ شراب الْمَرِيض قَالَ فتريد مَاذَا قَالَ خمرًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو عهدتني أَسْقِي الْخمر لَا أم لَك لَوْلَا حرمتك بِنَا لفَعَلت وَفعلت فَخرج فلقي فراشا لعبد الْملك فَقَالَ وَيلك إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ استنشدني وَقد صَحِلَ صوتي فاسقني شربة خمر فَسَقَاهُ رطلا فَقَالَ أعدله بآخر فَسَقَاهُ رطلا آخر فَقَالَ تركتهما يعتر كَانَ فِي بَطْني فاسقني ثَالِثا فَسَقَاهُ ثَالِثا فَقَالَ تَرَكتنِي أَمْشِي على وَاحِدَة اعْدِلْ ميلي برابع فَسَقَاهُ رَابِعا فَدخل على عبد الْملك فأنشده

(خفَّ الْقطينُ فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ...)

فَقَالَ لَا بل مِنْك وَتَطير من قَوْله قَالَ وَمر فِي القصيدة حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله

شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُموأعظَمُ النَّاس أحلاماً إِذا قَدرُوا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»

فَقَالَ عبد الْملك خُذ بيدَيْهِ يَا غُلَام فَأخْرجهُ ثمَّ ألق عَلَيْهِ من الْخلْع مَا يغمره وَأحسن جائزته ثمَّ قَالَ إِن لكل قوم شَاعِرًا وَإِن شَاعِر بني أُميَّة الأخطل

وَقَالَ أَبُو عبد الْملك كَانَت بكر بن وَائِل إِذا تشاجرت فِي شَيْء رضيت بالأخطل وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد فَيقومُونَ إِلَيْهِ ورأيته بالجزيرة وَقد شكى إِلَيّ القس وَقد أَخذ بلحيته وضربه بعصاه وَهُوَ يصئ كَمَا يصئ الفرخ فَقلت لَهُ أَيْن هَذَا مِمَّا كنت عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ يَا ابْن أخي إِذا جَاءَ الدّين ذللنا

وَحدث إِسْحَاق بن عبد الله المطلبي قَالَ قدمت الشَّام وَأَنا شَاب مَعَ أبي فَكنت أَطُوف فِي كنائسها ومساجدها فَدخلت كَنِيسَة دمشق فَإِذا الأخطل فِيهَا مَحْبُوس فَسَأَلَ عني فَأخْبر بنسبي فَقَالَ يَا فَتى إِنَّك رجل شرِيف وَأَنا أَسَالَك حَاجَة فَقلت حَاجَتك مقضية فَقَالَ إِن القس قد حَبَسَنِي هُنَا فتكلمه ليخلي عني فَأتيت القس فانتسبت لَهُ فَرَحَّبَ بِي وَعظم فَقلت إِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا حَاجَتك فَقلت الأخطل تخلى عَنهُ فَقَالَ أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا فَإِن مثلك لَا يتَكَلَّم فِيهِ فَإِنَّهُ فَاسق يشْتم أَعْرَاض النَّاس ويهجوهم فَلم أزل أطلب إِلَيْهِ حَتَّى مضى مُتكئا على عَصَاهُ فَوقف عَلَيْهِ وَرفع عَصَاهُ وَقَالَ يَا عَدو الله أتعود تَشْتُم النَّاس وتهجوهم وتقذف الْمُحْصنَات وَهُوَ يَقُول لست بعائد وَلَا أفعل ويستخزي لَهُ فَقلت يَا أَبَا مَالك النَّاس يهابونك والخليفة يكرمك وقدرك فِي النَّاس رفيع وَأَنت تخضع لهَذَا هَذَا الخضوع وتستخزي لَهُ قَالَ فَجعل يَقُول لي إِنَّه الدّين

وَحدث الْهَيْثَم قَالَ كَانَت امْرَأَة الأخطل حَامِلا وَكَانَ متمسكاً بِدِينِهِ فَمر

بِهِ الأسقف يَوْمًا فَقَالَ لَهَا الحقيه فتمسحي بِهِ فعدت وَرَاءه فَلم تلْحق إِلَّا ذَنْب حِمَاره فتمسحت بِهِ وَرجعت فَأَخْبَرته فَقَالَ لَهَا هُوَ وذنب حِمَاره سَوَاء

وَسمع هِشَام الأخطل وَهُوَ يَقُول

وَإِذا افتقرتَ إِلَى الذَّخائِرِ لم تَجِدذُخْراً يكون كصالح الْأَعْمَال) // الْكَامِل //
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لمن الديار بحائل فوعال»

فَقَالَ لَهُ هَنِيئًا لَك يَا أَبَا مَالك هَذَا الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زلت مُسلما فِي ديني

وَحدث أَبُو مُحَمَّد اليزيدي قَالَ خرج الفرزدق يَوْمًا يؤم بعض مُلُوك بني أُميَّة فَرفع لَهُ فِي طَرِيقه بَيت أَحْمَر من أَدَم فَدَنَا مِنْهُ وَسَأَلَ فَقيل لَهُ الأخطل فاستقرى فَقيل لَهُ انْزِلْ فَقَامَ إِلَيْهِ الأخطل وَهُوَ لَا يعرف إِلَّا أَنه ضيف فَجَلَسَا يتحادثان فَقَالَ لَهُ الأخطل مِمَّن الرجل قَالَ من تَمِيم قَالَ فَأَنت إِذن من رَهْط أخي الفرزدق فَهَل تحفظ من شعره شَيْئا قلت نعم كثيرا فَمَا زَالا يتناشدان ويتعجب الأخطل من حفظه شعر الفرزدق إِلَى أَن عمل فِيهِ الشَّرَاب وَقد كَانَ الأخطل قَالَ لَهُ قبل ذَلِك أَنْتُم معشر الحنيفية لَا ترَوْنَ أَن تشْربُوا من شرابنا فَقَالَ الفرزدق

خَفِّضْ عَلَيْك قَليلاًوهاتِ لي من شرابك) // المجتث //

فَلَمَّا عملت الراح فِيهِ قَالَ وَالله أَنا الَّذِي أَقُول فِي جرير وأنشده فَقَامَ الأخطل وَقبل رَأسه وَقَالَ لَا جَزَاك الله عني خيرا لم كتمتني نَفسك مُنْذُ الْيَوْم وأخذا فِي شرابهما وتناشدا إِلَى أَن قَالَ لَهُ الأخطل وَالله إِنَّك وإياي لأشعر من جرير وَلكنه أُوتِيَ من سير الشّعْر مَا لم نؤته قلت أَنا بَيْتا مَا أعلم أحدا

قَالَ أهجى مِنْهُ قلت وَمَا هُوَ قَالَ الأخطل قلت

قَومٌ إِذا اسْتَنْبَحَ الأضيافُ كلبهُمُقَالُوا لأمِّهُم بولِي على النَّار) // الْبَسِيط //
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ما زال فينا رباط الخيل معلمة»

فَلم يروه إِلَّا حكماء أهل الشّعْر وَقَالَ هُوَ

والتَّغْلَبيُّ إِذا تَنحنَح للقِرىحَكَّ استْهُ وتمثل الامثالا) // الْكَامِل //
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

فَلم تبْق سفلَة وَلَا أَمْثَالهَا إِلَّا رَوَوْهُ قَالَ فقضوا لَهُ أَنه أَسِير شعرًا مِنْهُمَا

وَعَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قيل إِنَّه لما حضرت الأخطل الْوَفَاة قيل لَهُ يَا أَبَا مَالك أَلا توصي قَالَ بلَى ثمَّ قَالَ

أُوَصِّي الفَرزدقَ عِنْد المماتِبِأم جَريرٍ وأعْيارِها
وزارَ القبورَ أَبُو مالكٍبرغم العداة واوتارها) // المتقارب //
أقولُ لَهُ ارحَلْ لَا تقيمن عندنَاوَإِلَّا فكُنْ فِي السِّر والجهرِ مُسلِما

الْبَيْت من الطَّوِيل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ فِي شواهده

وَمَعْنَاهُ إِن لم ترحل فَكُن على مَا يكون عَلَيْهِ الْمُسلم من اسْتِوَاء الْحَالين فِي السهر والجهر

وَالشَّاهِد فِيهِ كَون الجملتين بَينهمَا كَمَال الِاتِّصَال لكَونه الثَّانِيَة أوفى بتأدية المُرَاد من الأولى فَنزلت منزلَة بدل الاشتمال فَلم تعطف عَلَيْهَا وهما هَهُنَا قَوْله ارحل وَقَوله لَا تقيمن عندنَا لِأَن فِي قَوْله ارحل كَمَال إِظْهَار الْكَرَاهَة لإِقَامَة الْمُخَاطب وَقَوله لَا تقيمن عندنَا أَو فِي بتأدية المُرَاد لدلالته على إِظْهَار الْكَرَاهَة لإقامته بالمطابقة مَعَ التَّأْكِيد الْحَاصِل من اللَّفْظَيْنِ

(أقسَمَ بِاللَّه أَبُو حَفْصٍ عمر ...)

هُوَ من الرجز قَائِله أَعْرَابِي وَبعده

مَا إِن بهَا من نَقبٍ وَلَا دَبَرْاغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر) الرجز

يرْوى أَن هَذَا الْأَعرَابِي جَاءَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ إِن أَهلِي ببادية بعيدَة وَإِنِّي على نَاقَة دبراء عجفاء نقباء واستحمله فَظَنهُ كَاذِبًا فَلم يحملهُ فَانْطَلق الْأَعرَابِي فَحل نَاقَته ثمَّ اسْتقْبل الْبَطْحَاء وَجعل يَقُول الأبيات وَعمر ﵁ مقبل من أَعلَى الْوَادي فَجعل إِذا قَالَ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر قَالَ اللَّهُمَّ صدق حَتَّى التقيا فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ضع عَن راحلتك فَوضع فَإِذا هِيَ كَمَا وصف فَحَمله على بعير وزوده وكساه

والنقب رقة الأخفاف والدبر قرحَة الدَّابَّة

وَالشَّاهِد فِيهِ جعل عمر بَيَانا وتوضيحاً لأبي حَفْص

وتَظُنُّ سَلمى أنني أبغي بهَابَدَلاً أَرَاهَا فِي الضلال تهيمُ

الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ أَيْضا والضلال ضد الْهدى

وَالشَّاهِد فِيهِ عدم عطف الْجُمْلَة الثَّانِيَة لكَونه موهماً لَهُ على غَيرهَا لِأَن بَين الجملتين الخبريتين وهما وتظن سلمى واراها مُنَاسبَة ظَاهِرَة لاتحادهما فِي الْمسند لِأَن معنى أَرَاهَا أظنها والمسند إِلَيْهِ فِي الأولى مَحْبُوب وَفِي الثَّانِيَة محب فَلَو عطف أَرَاهَا على تظن لتوهم أَنه عطف على أبغى وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ فَيكون من مظنونات سلمى وَلَيْسَ كَذَلِك

قَالَ لي كَيفَ أَنْت قُلتُ عَليلُسَهرٌ دَائِم وحزن طَوِيل

الْبَيْت من الْخَفِيف وَتقدم فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ

وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا وُقُوع الْجُمْلَة الثَّانِيَة مستأنفة جَوَابا عَن الْجُمْلَة الأولى المتضمنة للسؤال عَن سَبَب مُطلق أَي مَا بَال علتك فَقَالَ سهر وَذَلِكَ لِأَن الْعَادة جرت بِأَنَّهُ إِذا قيل فلَان عليل أَن يسْأَل عَن سَبَب علته لَا أَن يُقَال هَل سَبَب علته كَذَا وَكَذَا لَا سِيمَا السهر والحزن فَإِنَّهُ قَلما يُقَال هَل سَبَب مَرضه السهر والحزن لِأَنَّهُ أبعد أَسبَابه فَعلم أَن السُّؤَال عَن السَّبَب الْمُطلق دون السَّبَب الْخَاص وَعدم التوكيد يشْعر بِهِ

وَمثله قَول أبي الْعَلَاء المعري

وَقد غَرِضْتُ من الدُّنْيَا فَهَل زمنيمُعط حَياتِي لِغرٍّ بَعْدَمَا غَرضَا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
جرَّبتُ دهري وأهْليهِ فَمَا تَركَتْلِيَ التجاربُ فِي وُدِّ امْرِئ غَرضا) // الْبَسِيط //
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

أَي لم تَقول هَذَا وَمَا ألجأك إِلَيْهِ فَقَالَ جربت إِلَخ

زعَمَ العَواذلُ أنني فِي غَمْرَةٍصَدَقوا وَلَكِن غْمَرتي لَا تَنْجَلي

الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله

والعواذل جمع عاذلة بِمَعْنى جمَاعَة عاذلة لَا امْرَأَة عاذلة بِدَلِيل قَوْله صدقُوا وغمرة الشَّيْء شدته ومزدحمه

وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع الْجُمْلَة المستأنفة جَوَابا للسؤال عَن غير سَبَب مُطلق أَو خَاص كَأَنَّهُ قيل اصدقوا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبُوا فَقَالَ صدقُوا وفصله عَمَّا قبله لكَونه استئنافاً

وَمِنْه قَول جُنْدُب بن عمار

زعمَ العواذِلُ أَن ناقةَ جُندَبٍبجَنوب خَبْتٍ عُرَّيَتْ وأُجِمَّتِ
كذبَ العواذل لَو رأينَ مُناخنَابالقادسيَّةِ قُلْنَ لَجَّ وذلت) // الْكَامِل //

وَمثله قَول لبيد

عَرَفْتُ الْمنزل الْخَالِيعَفا من بعْدِ أحوالِ
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «عرفت المنزل الخالي»
عفاه كل هَتّانعَسوف الوبْلِ هَطَّالِ) // الهزج //

وَقَول أبي الطّيب المتنبي

وَمَا عفتِ الرياحُ لَهُم مَحَلاًعفاه مَن حدا بهمُ وساقا) // الوافر //
زعمتم أَن إخوتكم قُرَيْشٌلَهُمْ إِلْفٌ وَلَيْسَ لكم إلاف
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «زعمتم أن إخوتكم قريشٌ»

الْبَيْت لمساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر من الوافر يهجو بني أَسد وَبعده

أُولَئِكَ أومِنُوا جُوعاً وخَوْفاًوَقد جاعتْ بَنو أَسد وخافوا) // الوافر //

والزعم ادِّعَاء الْعلم وَمِنْه قَوْله ﷺ (زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب) وَعَن شُرَيْح ﵀ لكل شَيْء كنية وكنية الْكَذِب زَعَمُوا لَكِن سِيبَوَيْهٍ ﵀ يكثر فِي كِتَابه من قَول زعم الْخَلِيل لَا يُرِيد بذلك إبِْطَال قَوْله وَقَالَ أَبُو طَالب للنَّبِي ﷺ

ودعوتَنِي وزعمْتَ أَنَّك صادقٌوَلَقَد صدقتَ وكنتَ ثَمَّ أمينَا) // الْكَامِل //

وقريش هِيَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة سموا بذلك لتجمعهم فِي الْحرم أَو لأَنهم كَانُوا يتقرشون المبتاعات فيشترونها أَو لَان النَّضر بن كنَانَة اجْتمع فِي ثَوْبه فَقيل تقرش أَو لِأَنَّهُ جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جملٌ قُرَيْش أَي شَدِيد أَو سموا بمصغر القرش وَهُوَ دَابَّة بحريّة تخافها دَوَاب الْبَحْر كلهَا والإلف

والإيلاف الْعَهْد وَشبه الْإِجَازَة بالخفارة وَأول من أَخذهَا هَاشم من ملك الشَّام فَكَانَ هَاشم يولف إِلَى الشَّام وَعبد شمس إِلَى الْحَبَشَة وَالْمطلب إِلَى الْيمن وَنَوْفَل إِلَى فَارس وَكَانَ تجار قُرَيْش يتخلفون إِلَى هَذِه الْأَمْصَار بحبال هَذِه الْإِخْوَة فَلَا يتَعَرَّض لَهُم أحد وَكَانَ كل أَخ مِنْهُم قد أَخذ حبلاً من ملك نَاحيَة سَفَره أَمَانًا لَهُ

وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الِاسْتِئْنَاف وَقيام شَيْء مقَامه فكأنهم قَالُوا أصدقنا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبنَا فَقيل كَذبْتُمْ فَحذف هَذَا الِاسْتِئْنَاف وأقيم قَوْله لَهُم إلْف وَلَيْسَ لكم إلاف مقَامه لدلالته عَلَيْهِ

ومساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي شَاعِر وَكَانَ جده قيس مَشْهُورا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا سِيمَا فِي حَرْب داحس والغبراء وَذكر الْأَصْمَعِي مَا يدل على أَن لَهُ إدراكاً للنَّبِي ﷺ قَالَ وَكَانَ نَحْو أبي عَمْرو بن الْعَلَاء رحمهمَا الله فِي السن وَقَالَ حَدثنِي من رأى مساور بن هِنْد أَنه ولد فِي حَرْب داحس والغبراء قبل الْإِسْلَام بِخَمْسِينَ عَاما وَذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عبد الْملك بن مَرْوَان وَفِي حِكَايَة الْأَصْمَعِي أَنه لما عمر صغرت عَيناهُ وَكَبرت أذنَاهُ فَجعلُوا فِي بَيت صَغِير ووكلوا بِهِ امْرَأَة فَرَأى ذَات

يَوْم غَفلَة فَخرج فَجَلَسَ فِي وسط الْبَيْت وكوم كومة من تُرَاب ثمَّ أَخذ بعرتين فَقَالَ هَذِه فُلَانَة وَهَذِه فُلَانَة ثمَّ أحس بِالْمَرْأَةِ فَقَامَ وهرب وَقَالَ الْأَصْمَعِي بَلغنِي أَنه أَتَى بِهِ إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ مَا تصنع بِقَوْلِك الشّعْر وَقد كَبرت فَقَالَ أَسْقِي بِهِ المَاء وأرعى بِهِ الْكلأ وتقضي لي بِهِ الْحَاجة فَإِن كفيتني ذَلِك تركته

وَقَالَ المرزباني كَانَ أَعور وَهُوَ من الْمُتَقَدِّمين فِي الْإِسْلَام هُوَ وَأَبوهُ وجده أَشْرَاف من بني عبس شعراء فرسَان وَهُوَ الْقَائِل

جزى الله خيرا غَالِبا من قَبيلَةٍإِذا حَدَثانُ الدَّهْر نابت نوائِبهْ
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «جزى الله خيراً غالباً من قَبيلَةٍ»
إِذا أخذت بُزْلُ الْمَخَاض سِلاحَهاتجرد فيهم مُتْلفَ المالِ كاسبه) // الطَّوِيل //
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «جزى الله خيراً غالباً من قَبيلَةٍ»

يُقَال أخذت الْإِبِل سلاحها إِذا استحياها صَاحبهَا فَلم يذبحها

(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ...)

هُوَ من الْبَسِيط وَتَمَامه

(شمسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق والقمرُ ...)

وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شَوَاهِد الْمسند

وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا بَيَان أَن الْجَامِع بَين الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وهمي وَهُوَ مَا بَينهَا من شبه التَّمَاثُل حمل الْوَهم على أَن يحتال فِي اجتماعها فِي المفكرة وإبرازها فِي معرض الْأَمْثَال مُتَوَهمًا أَنَّهَا من نوع وَاحِد وَإِنَّمَا اخْتلفت بالعوارض والمشخصات بِخِلَاف الْعقل فَإِنَّهُ إِذا خلى وَنَفسه حكم بِأَن كلا مِنْهَا من نوع

آخر وَإِنَّمَا اشتركت فِي عَارض هُوَ إشراق الدُّنْيَا ببهجتها على أَن ذَلِك فِي أبي إِسْحَاق مجَاز

وَنَظِيره قَول الآخر

إِذا لم يكن للمرءِ فِي الْخلق مطمعٌفذو التَّاج والسقَّاءُ والذَرُّ واحدُ) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْنَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا) الْبَيْت لعبد الله بن همام السَّلُولي من المتقارب وَبعده

(عريفاً مُقيما بدَارِ الهوان ... أهوِنْ عليَّ بِهِ هَالكا) // المتقارب // وَهَذَانِ البيتان من جملَة أَبْيَات مِنْهَا

فقلتُ أجرْني أَبَا خالدٍوإلاّ تجدني امْرأ هَالكا) // المتقارب //

يُرِيد بَابي خَالِد هُنَا يزِيد بن مُعَاوِيَة وَالَّذِي خشيه عبيد الله بن زِيَاد وَكَانَ قد توعده فهرب إِلَى الشَّام واستجار بِيَزِيد فَأَمنهُ وَكتب إِلَى عبيد الله يَأْمُرهُ بالصفح عَنهُ وَمَالك الْمَذْكُور هُوَ عريفه والأظافير جمع ظفر وأظفور وَيجمع أَيْضا على أظفار

وَالْمعْنَى لما خشيت حَملته وإنشاب أَظْفَاره ونجوت وخليت بَينه وَبَين مَالك

وَالشَّاهِد فِيهِ دُخُول وَاو الْحَال على الْمُضَارع الْمُثبت الْمُمْتَنع دُخُولهَا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا من ضمير صَاحبهَا الْغَيْر الخالية مِنْهُ إِذْ قد قيل إِنَّه عَليّ حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنا أرهنهم فَتكون اسميه فَيصح دُخُولهَا وَعَلِيهِ

قَوْله تَعَالَى ﴿لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ أَنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم﴾ أَي وَأَنْتُم قد تعلمُونَ وَقيل ضَرُورَة وَقَالَ عبد القاهر هِيَ فِيهِ للْعَطْف وَالْأَصْل ورهنتهم عدل إِلَى الْمُضَارع لحكاية حَال مَاضِيَة وَمَعْنَاهُ أَنه يفْرض مَا كَانَ فِي الزَّمن الْمَاضِي وَاقعا فِي هَذَا الزَّمَان فَعبر عَنهُ بِلَفْظ الْمُضَارع كَمَا فِي قَول الشَّاعِر

(وَلَقَد أمرَ عَليّ اللَّئِيم يسبني ...) // الْكَامِل //

أَي مَرَرْت وروى وأرهنتهم وَالْأول رِوَايَة الْأَصْمَعِي وَاسْتَحْسنهُ ثَعْلَب

وَعبد الله هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السَّلُولي الْكُوفِي من بني مرّة بن صعصعة

من قيس عيلان وَبَنُو مرّة يعْرفُونَ ببني سلول وَهِي أمّهم وَهِي بنت ذهل ابْن شَيبَان بن ثَعْلَبَة وهم رَهْط أبي مَرْيَم السَّلُولي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَعبد الله هُوَ الْقَائِل فِي الفلاقس

أقليّ عليَّ اللومَ يَا ابْنة مالكٍوذُمِّي زَمَانا سادَ فِيهِ الفلاقسُ
وساعٍ مِن السلطانِ ليسَ بِناصحٍومحترسٍ من مثلهِ وهِو حارسُ

وَهُوَ الْقَائِل ليزِيد بن مُعَاوِيَة لما مَاتَ أَبوهُ ﵁

اصبرْ يزيدُ فقدْ فَارَقت ذامقةواشكرُ حباءَ الَّذِي بالملكِ ردّاكَا
لَا رُزْءَ أعظمُ بالأقوام إذْ عَلمُواممّا رُزِئْتَ وَلَا عُقبىَ كعقبَاكَا
أصبحتَ راعيَ أهلِ الدّين كلهمُفأنتَ ترعاهمُ واللهُ يرعَاكَا
وَفِي مُعاويةَ الْبَاقِي لنَا خلَفٌإِذَا نُعِيتَ وَلَا نسْمع بمنعاكا) // الْبَسِيط //
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة

(خرجت مَعَ الْبَازِي عَلىَّ سَوَادُ ...) قَائِله بشار بن برد من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا فِي خَالِد بن برمك

وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده قَوْله

أخَالدُ لمْ أهبطْ عليكَ بذِمّةِسِوَى أنني عَافٍ وأنْتَ جَوَادُ
أخَالدُ إِنَّ الأجرَ والحمدَ حَاجَتيفأيَّهمَا تَأتي فأنْتَ عِمَادُ
فإِن تعطني أُفرغْ عَليكَ مدائحيوإنْ تأبَ لم تُضرَبْ عليَّ سدادُ
رِكَابي على حرْفِ وقلبي مشيعوَمَالِي بِأَرْضِ البَاخلينَ بلادُ
إِذَا أنْكرَتني بَلدةٌ أوْ نكرتهَاخَرَجْتُ مَعَ الْبَازِي على سَوَادُ

فَدَعَا خَالِد بأَرْبعَة آلَاف فِي أَرْبَعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا مِنْهَا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَأخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس بيدَيْهِ ثمَّ قَالَ اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير

وَمعنى الْبَيْت إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة وَلم أعرفهم خرجت عَنْهُم وفارقتهم متنكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور مُشْتَمِلًا على شَيْء من ظلمَة اللَّيْل غير منتظر لإسفار الصُّبْح فَقَوله عَليّ سَواد أَي بَقِيَّة من اللَّيْل

وَالشَّاهِد فِيهِ كَونه حَالا ترك فِيهِ الْوَاو

وَمثله قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن ذى يزن

اشرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك َالتاجُ مرتفقاًفِي رَأَس غمْدَانَ دَارا منكَ محلالا

وَالشَّاهِد فِي قَوْله عَلَيْك التَّاج وغمدان اسْم قصر بِالْيمن مَبْنِيّ على أَرْبَعَة أوجه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَفِي دَاخله قصر مَبْنِيّ بسبعة سقوف بَين كل سقفين أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَيرى ظله إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس من ثَلَاثَة أَمْيَال والمحلال بِمَعْنى الْمنزل صِيغَة مُبَالغَة

وَمثله قَول الآخر يهجو خَطِيبًا

لَقَدْ صبَرتْ للدُّلّ أعوادُ مِنْبرِتَقُومُ عَلَيها فِي يَديكَ قَضيبُ

وبشار بن برد بن يرجوخ يَنْتَهِي نسبه للهراسف وَكَانَ يرجوخ من طخارستان من سبي الْمُهلب بن أبي صفرَة ويكنى بشار أَبَا معَاذ وَمحله فِي الشّعْر وتقدمه طَبَقَات الْمُحدثين فِيهِ بِإِجْمَاع الروَاة ورياسته عَلَيْهِم من غير اخْتِلَاف فِي ذَلِك يُغني عَن وَصفه والإطالة بِذكرِهِ

وَهُوَ من شعراء مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وَقد اشْتهر فيهمَا ومدح وهجا وَأخذ سني الجوائز مَعَ الشُّعَرَاء

وَعَن يحيى بن الجون الْعَبْدي رِوَايَة بشار بن برد قَالَ قَالَ بشار لما دخلت على الْمهْدي قَالَ لي فِيمَن تَعْتَد يَا بشار فَقلت أما اللِّسَان والزي فعربي وَأما الأَصْل فعجمي كَمَا قلت فِي شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

ونُبئتُ قوما بهمْ جِنّةٌيقولونَ مَنْ ذَا وكنتُ العَلمْ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
أَلا أَيهَا السائلي جَاهِلالِيعرَفني أَنا أنفُ الكرمْ
نَمتْ فِي الكرَامِ بني عامرٍفُرُوعي وأصلي قُريشُ العجمْ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
وَإِنِّي لأغني مقامَ الْفَتىوأصبي الفتاةَ فَمَا تعتصم) // المتقارب //

قَالَ وَكَانَ أَبُو دلامة حَاضرا فَقَالَ كلا لوجهك أقبح من ذَلِك ووجهي مَعَ وَجهك فَقلت كلا وَالله مَا رَأَيْت رجلا أصدق على نَفسه وأكذب على جليسه مِنْك وَالله إِنِّي لطويل الْقَامَة عَظِيم الهامة تَامّ الألواح أسجح الْخَدين ولرب مسترخي المذروين للعين مِنْهُ مُرَاد مثلك قد جلس من الفتاة حجزةً وَجَلَست مِنْهَا حَيْثُ أُرِيد فَأَنت مثلي يَا مرقعان قَالَ فَسكت عني ثمَّ قَالَ لي الْمهْدي فَمن أَي الْعَجم أصلك قلت من أَكْثَرهَا فِي الفرسان وأشدها على الأقران أهل طخارستان فَقَالَ بعض الْقَوْم أُولَئِكَ الصغد فَقلت لَا الصغد تجار فَلم يردد ذَلِك الْمهْدي

وَكَانَ يلقب بالمرعث لقَوْله

قَالَ ريم مرعتساحِرُ الطرْف والنظرْ
لستَ وَالله نائليقلت أَو يغلبَ القَدَرْ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قال ريم مرعث»
أَنْتَ إِن رمْتَ وصلَنَافَانْجُ هلْ يدْرك الْقَمَر) // من مجزوء الْخَفِيف //

وَقيل لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقميصه جيبان جيب عَن يَمِينه وجيب عَن شِمَاله فَإِذا أَرَادَ لبسه ضمه عَلَيْهِ من غير أَن يدْخل رَأسه فِيهِ وَإِذا أَرَادَ نَزعه حل أزراره وَخرج مِنْهُ فشبهت تِلْكَ الْجُيُوب بالرعاث لاسترسالها وتدليها وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لقب بالمرعث لِأَنَّهُ كَانَت فِي آذانه وَهُوَ صَغِير رعاث وَاحِدهَا رعثة وَهِي القرط ورعثة الديك اللَّحْم المتدلي تَحت حنكه

وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ بشار ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدوراً طَويلا جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر فَكَانَ أقبح النَّاس عمى وأفظعهم منْظرًا وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينشد صفق بيدَيْهِ وتنحنح وبصق عَن يَمِينه وشماله ثمَّ ينشد فَيَأْتِي بالعجب

وَقَالَ ولد بشار أعمى فَمَا نظر إِلَى الدُّنْيَا قطّ وَكَانَ يشبه الْأَشْيَاء فِي شعره بَعْضهَا بِبَعْض فَيَأْتِي بِمَا لَا يقدر البصراء أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بشار الشّعْر وَلم يبلغ عشر سِنِين ثمَّ بلغ الْحلم وَهُوَ يخْشَى معرة اللِّسَان قَالَ وَكَانَ بشار يَقُول هجوت جَرِيرًا فَأَعْرض عني واستصغرني وَلَو أجابني لَكُنْت أشعر النَّاس

وَكَانَ بشار وَهُوَ صَغِير إِذا هجا قوما جاؤا إِلَى أَبِيه فشكوه إِلَيْهِ فيضربه ضربا مبرحاً فَكَانَت أمه تَقول كم تضرب هَذَا الصَّبِي الصَّغِير الضَّرِير أما ترحمه فَيَقُول بلَى وَالله إِنِّي لأرحمه وَلكنه يتَعَرَّض للنَّاس فيشكونه إِلَيّ فَسَمعهُ بشار فطمع فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَت إِن هَذَا الَّذِي يشكونه إِلَيْك مني هُوَ قولي الشّعْر وَإِنِّي إِن أتممت عَلَيْهِ أغنيتك وَسَائِر أَهلِي فَإِذا شكوني فَقل لَهُم أَلَيْسَ الله ﷿ يَقُول ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ فَلَمَّا أعادوا شكواه قَالَ لَهُم ذَلِك فانصرفوا وهم يَقُولُونَ فقه برد أَغيظ لنا من شعر بشار

وَحكى الْأَصْمَعِي أَن بشاراً كَانَ من أَشد النَّاس تبرماً بِالنَّاسِ وَكَانَ يَقُول

الْحَمد لله الَّذِي حجب بَصرِي فَقيل لَهُ وَلم يَا أَبَا معَاذ قَالَ لِئَلَّا أرى من أبْغض

وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل يُقَال لَهُ حمدَان الْخَرَّاط فَاتخذ جَاما لإِنْسَان وَكَانَ بشار عِنْده فَسَأَلَهُ بشار أَن يتَّخذ لَهُ جَاما فِيهِ صُورَة طير يطير فاتخذه لَهُ وَجَاء بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْجَام قَالَ صُورَة طير يطير فَقَالَ لَهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن تتَّخذ فَوق هَذَا الطير طيرا من الْجَوَارِح كَأَنَّهُ يُرِيد صَيْده فَإِنَّهُ كَانَ أحسن قَالَ لم أعلم قَالَ بلَى قد علمت وَلَكِنَّك قد علمت أنني أعمى لَا أبْصر شَيْئا وتهدده بالهجاء فَقَالَ لَهُ حمدَان لَا تفعل فَإنَّك تندم قَالَ أَو تهددني أَيْضا قَالَ نعم قَالَ وَأي شَيْء تصنع بِي إِن هجوتك قَالَ أصورك على بَاب دَاري فِي صُورَتك هَذِه وَأَجْعَل من خَلفك قرداً ينكحك حَتَّى يمر بك الصَّادِر والوارد فَقَالَ بشار اللَّهُمَّ أخزه أَنا أمازحه وَهُوَ يَأْبَى إِلَّا الْجد

وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج السوادي قَالَ كُنَّا عِنْد بشار وَعِنْده رجل ينازعه فِي اليمانية والمضرية إِذْ أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ لَهُ بشار رويداً تفهم قَوْله فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذّن أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ لَهُ بشار أَهَذا الَّذِي نُودي باسمه مَعَ اسْم الله ﷿ من مُضر هُوَ أم من صداء وعك وحمير فَسكت الرجل

وَحدث حَمَّاد عَن أَبِيه قَالَ كَانَ بشار جَالِسا فِي دَار الْمهْدي وَالنَّاس ينتظرون الْإِذْن فَقَالَ بعض موَالِي الْمهْدي لمن حضر مَا عنْدكُمْ فِي قَول الله ﷿ ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا﴾ فَقَالَ لَهُ بشار النَّحْل الَّتِي يعرفهَا النَّاس قَالَ هَيْهَات يَا أَبَا معَاذ النَّحْل بَنو هَاشم وَقَوله تَعَالَى ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ يَعْنِي الْعلم فَقَالَ لَهُ بشار أَرَانِي الله شرابك وطعامك وشفاءك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فقد أوسعتنا

غثاثة فَغَضب وَشتم بشاراً فَبلغ الْمهْدي الْخَبَر فَدَعَا بهما وسألهما عَن الْقِصَّة فحدثه بشار بهَا فَضَحِك حَتَّى أمسك على بَطْنه ثمَّ قَالَ للرجل أجل فَجعل الله طَعَامك وشرابك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فَإنَّك بَارِد غث

وَدخل يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي على الْمهْدي وبشار بَين يَدَيْهِ ينشده قصيدة امتدحه بهَا فَلَمَّا فرغ مِنْهَا أقبل عَلَيْهِ يزِيد بن مَنْصُور وَكَانَت فِيهِ غَفلَة فَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا صناعتك فَقَالَ لَهُ أثقب اللُّؤْلُؤ فَضَحِك الْمهْدي ثمَّ قَالَ لبشار اعزب وَيلك أتتنادر على خَالِي قَالَ وَمَا أصنع بِهِ يرى شَيخا أعمى قَائِما ينشد الْخَلِيفَة شعرًا يسْأَله عَن صناعته

ووقف بعض المجان على بشار وَهُوَ ينشد شعرًا فَقَالَ لَهُ اسْتُرْ شعرك هَذَا كَمَا تستر عورتك فَصَفَّقَ بشار بيدَيْهِ وَغَضب وَقَالَ لَهُ من أَنْت وَيلك قَالَ أَنا أعزّك الله رجلٌ من باهلة وأخوالي من سلول وأصهاري من عكل واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بِلَال فَضَحِك بشار وَقَالَ اذْهَبْ وَيلك فَأَنت عَتيق لؤمك قد علم الله أَنَّك استترت مني بحصون من حَدِيد

وَحدث رجل من أهل الْبَصْرَة مِمَّن كَانَ يتَزَوَّج النهاريات قَالَ تزوجت امْرَأَة

مِنْهُنَّ فاجتمعت مَعهَا فِي علو بَيت وبشار تحتنا أَو كُنَّا فِي اسفل بَيت وبشار فِي علوه مَعَ امْرَأَة فنهق حمَار فِي الطَّرِيق فجاوبه حمَار آخر فِي بَيت الْجِيرَان وحمار فِي الدَّار فارتجت النَّاحِيَة بنهيقها وَضرب الْحمار الَّذِي فِي الدَّار بِرجلِهِ الأَرْض وَجعل يدقها دقاً شَدِيدا فَسمِعت بشاراً يَقُول للْمَرْأَة نفخ يعلم الله فِي الصُّور وَقَامَت الْقِيَامَة أما تسمعين كَيفَ يدق على أهل الْقُبُور حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا وَلم تلبث أَن فزعت شَاة كَانَت فِي السَّطْح فَقطعت حبلها وعدت فَأَلْقَت طبقًا من نُحَاس فِيهِ غضارة إِلَى الدَّار فَانْكَسَرت فتطاير حمام ودجاج كَانَ فِي الدَّار لصوت الغضارة والطبق وَبكى من ذَلِك صبي فِي الدَّار فَقَالَ بشار صَحَّ يعلم الله الْخَبَر وَنشر أهل الْقُبُور من قُبُورهم أزفت يشْهد الله الآزفة وزلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا فعجبت من كَلَامه وغاطنى فسالت من الْمُتَكَلّم فَقيل لي بشار فَقلت قد علمت أَنه لَا يتَكَلَّم بِمثل هَذَا الْكَلَام غَيره

وَمر بشار بِرَجُل قد رمحته بغلته وَهُوَ يَقُول الْحَمد لله شكرا فَقَالَ لَهُ بشار استزده يزدك

وَمر قوم يحملون جَنَازَة وَهُوَ يسرعون الْمَشْي بهَا فَقَالَ مَا لَهُم مُسْرِعين أَترَاهُم قد سرقوها فهم يخَافُونَ أَن يلْحقُوا فتؤخذ مِنْهُم

وَرفع غُلَامه إِلَيْهِ فِي حِسَاب نَفَقَته جلاء مرْآة عشرَة دَرَاهِم فصاح بِهِ بشار وَقَالَ وَالله مَا فِي الدُّنْيَا أعجب من جلاء مرْآة أعمى بِعشْرَة دَرَاهِم وَالله لَو صدأت عين الشَّمْس حَتَّى بَقِي الْعَالم فِي ظلمَة مَا بلغت أُجْرَة من يجلوها عشرَة دَرَاهِم

وَعَن خَلاد قَالَ قلت لبشار إِنَّك لتجيء بالشي المهجر المتفاوت قَالَ

وَمَا ذَاك قلت لَهُ تَقول شعرًا تثير بِهِ النَّقْع وتخلع بِهِ الْقُلُوب مثل قَوْلك

إِذَا مَا غَضِبنا غَضبةً مُضَريَّةَهَتكنا حجابَ الشَّمْس أَو قطَرَت دَمًا
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
إِذَا مَا أعرَنا سيداً من قبيلةٍذُرى مِنبر صلَّى علينا وسلما) // الطَّوِيل //
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»

إِلَى أَن تَقول

ربابَةُ رَبْةُ البيتِتصُبُّ الْخلّ فِي الزَّيْت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربابة ربة البيت»
لَهَا عَشرُ دجاجاتٍوديكٌ حَسنُ الصَّوْت) // من الوافر المجزوء //

فَقَالَ لكل شَيْء وجهٌ وَمَوْضِع فَالْقَوْل الأول جد وَهَذَا قلته فِي جاريتي ربابة وَأَنا لَا آكل الْبيض من السُّوق فربابة هَذِه لَهَا عشر دجاجات وديك فَهِيَ تجمع الْبيض وَتَحفظه فَهَذَا عِنْدهَا أحسن من قَول قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... عنْدك

وَقَالَ هِلَال لبشار وَكَانَ صديقا لَهُ يمازحه إِن الله ﷿ لم يذهب بصر أحد إِلَّا عوضه مِنْهُ شَيْئا فَمَا الَّذِي عوضك قَالَ الطَّوِيل العريض قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لَا أَرَاك وَلَا أمثالك من الثُّقَلَاء ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هِلَال أتطيعني فِي نصيحة أخصك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِنَّك كنت تسرق الْحمير زَمَانا ثمَّ تبت وصرت رَافِضِيًّا فعد إِلَى سَرقَة الْحمير فَهِيَ وَالله خير لَك من الرَّفْض

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.