من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان (٣)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول البحتري
كَأَن سَنَاها بالعَشِيِّ لصبُحهاتبَسُّمُ عِيسَى حِين يلفظُ بالوعْدِ) // الطَّوِيل //
وَتقدم ذكر ابْن وهيب فِي شَوَاهِد الْمسند
تَشَابَهَ دَمْعِي إِذْ جَرَى وَمُدَامَتيفمِنْ مِثْل مَا فِي الكأسِ عَيْنَي تَسْكبُ
فوَاللَّه مَا أَدْري أَبالخمر أسْبَلَتْجُفونيَ أمْ من عَبْرَتي كُنْتُ أشْرَبُ
البيتان لأبي إِسْحَاق الصابي من الطَّوِيل وَرَأَيْت فِي الْيَتِيمَة الْبَيْت الأول بِلَفْظ تورد بدل تشابه
وَالشَّاهِد فيهمَا ترك التَّشْبِيه والعدول إِلَى الحكم بالتشابه ليَكُون كل وَاحِد من الشَّيْئَيْنِ مشبهاً ومشبهاً بِهِ احْتِرَازًا من تَرْجِيح أحد المتساويين فِي وَجه الشّبَه فَإِن الشَّاعِر لما اعْتقد التَّسَاوِي بَين الْخمر والدمع وَلم يعْتَقد أَن أَحدهمَا زَائِد فِي الْحمرَة وَالْآخر نَاقص يلْحق بِهِ حكم بَينهمَا بالتشابه وَترك التَّشْبِيه
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصاحب بن عباد
رقَّ الزجاجُ ورَاقَتِ الخمرُوتَشَابها فَتشاكلَ الْأَمر
فَكَأَنَّمَا خمرٌ وَلَا قَدَحٌوكأنما قدح وَلَا خمر) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا من أَبْيَات
مُتغايرات قد جمِعْنَ وكلُّهامُتشاكلٌ أشْباحُها أرْواحُ
وَإِذا أرَدتَ مُصَرَّحاً تَفسيرهافالرَّاحُ والمِصباحُ والتُّفاحُ
لم يَعلم السَّاقي وَقد جُمِّعَن ليمن أَي هذي تملأ الأقداح) // الْكَامِل //
وَمثله مَا كتب بِهِ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون إِلَى الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية مَعَ تفاح أهداه إِلَيْهِ
يَا من تَزينت السِّيَادَةحِين أُلْبسَ ثوبهَا
جاءتك جامدة المدامفَخذ عَلَيْهَا ذَوْبهَا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الخليع
الرَّاحُ تفاحٌ جرى ذائباًكَذَلِك التُّفْاحُ راحٌ جمَدْ
فاشْرَب على جامده ذُوْبَهُوَلَا تَدَعْ لَذَّة يَوْم لغد) // السَّرِيع //
وللسري الرفاء فِي مَعْنَاهُ
وَقد أَضَاءَت نجومُ مَجْلِسنَاحَتَّى اكتسى غرَّة وأوضاحا
لَو جمَدَتْ راحُنا اغتدت ذَهَباأَو ذابَ تفاحنا اغتدى رَاحا) // المنسرح //
ولطاهر العتابي فِي هَذَا الْمَعْنى
أيا لَيْلَة قد بت أهزمُ بردَهابجيشين من خمر عَتيق وَمن جَمْرِ
فطوراً أَظن الْخمر من ذوب جمرهاوطوراً أَظن الْجَمْر من جَمِدَ الْخمر) // الطَّوِيل //
والصابي هُوَ إِبْرَاهِيم بن هِلَال بن هَارُون الْحَرَّانِي قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي هُوَ أوحد الْعرَاق فِي البلاغة وَمن بِهِ تثنى الخناصر فِي الْكِتَابَة وتتفق الشَّهَادَات لَهُ ببلوغ الْغَايَة من البراعة فِي الصِّنَاعَة وَكَانَ قد بلغ التسعين فِي خدمَة الْخُلَفَاء وَخِلَافَة الوزراء وتقلد الْأَعْمَال الجلائل مَعَ ديوَان الرسائل وحلب الدَّهْر أشطره وذاق حلوه ومره ولابس خَيره ومارس شَره ورئس وَرَأس وخدم وخدم ومدحه شعراء الْعرَاق فِي جملَة الرؤساء وشاع ذكره فِي الْآفَاق وَدون لَهُ من الْكَلَام الْبَهِي النقي الْعلوِي مَا تناثرت درره وتكاثرت غرره وَفِيه يَقُول بعض أهل الْعَصْر
أصبحْتُ مُشتاقاً حَليفَ صَبابةٍبرَسائلِ الصابي أبي إِسحَاقِ
صَوبُ البلاغَة وَالحلاوَةِ والحِجَىذَوْبُ البراعةِ سَلوةُ العُشاقِ
طَوْراً كَمَا رَقَّ النسيمُ وتارَةًيحْكى لنا الأطواقَ فِي الأعْنَاقِ
لَا يَبْلُغ البُلغاءُ شأوَ مبرزكتبت بدائعه على الأحداق) // الْكَامِل //
وَيَقُول أَيْضا
يَا بؤس من يُمْنَى بدمع ساجميَهْمِي على حُجُبِ الْفُؤَاد الوجم
لَوْلَا تعللهُ بكأسِ مُدَامَةٍورَسائل الصَّابي وَشعر كشاجم) // الْكَامِل //
ويحكى أَن الْخُلَفَاء والملوك والوزراء راودوه كثيرا على الْإِسْلَام وأداروه بِكُل حِيلَة وتمنية جميلَة حَتَّى إِن السُّلْطَان بختيار عرض عَلَيْهِ الوزارة إِن أسلم فَلم يهده الله تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ كَمَا هداه إِلَى محَاسِن الْكَلَام وَكَانَ يعاشر الْمُسلمين أحسن عشرَة ويخدم الأكابر أوقع خدمَة ويساعدهم على صِيَام شهر رَمَضَان ويحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم حفظا يَدُور على طرف لِسَانه وَسن قلمه وَكَانَ فِي أَيَّام شبابه واقتباله أحسن حَالا وأرخى بالأمنه فِي أَيَّام استكماله وَفِي زمن اكتهاله أورى زنداً وأسعد جدا مِنْهُ حِين مَسّه الْكبر وَأخذ مِنْهُ الْهَرم فَفِي ذَلِك يَقُول من قصيدة فِي فنها فريدة كتب بهَا إِلَى الصاحب يشكو بثه وحزنه ويستمطر سَحَابَة وحزنه بعد أَن كَانَ يخاطبه بِالْكَاف وَلَا يرفعهُ عَن رُتْبَة الْأَكفاء
عجبا لحظي إِذْ أرَاهُ مُصالحيعَصْرَ الشَّبَاب فِي المشيب مغاضبي
أمنَ الغَواني كانَ حَتَّى خاننيشَيخا وكانَ لَدَى الشبيبَةِ صَاحِبي
أمَعَ التَضعضع مَلَّنِي متجنباًوَمَعَ التَّرَعرع كَانَ غير مجانبي
يَا لَيْت صَبْوَته إلىَّ تأخَّرَتحَتَّى تكون ذخيرةً لعواقبي) // الْكَامِل //
وَكَانَ المهلبي لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ ويحن إِلَى براعته وَتقدم قدمه ويصطنعه لنَفسِهِ ويستدعيه فِي أَوْقَات أنسه فَلَمَّا مَاتَ المهلبي وَأَبُو إِسْحَاق
يَلِي ديوَان الرسائل والخلافة على ديوَان الوزارة اعتقل فِي جملَة عُمَّال المهلبي وَأَصْحَابه فَمن قَوْله فِي ذَلِك الاعتقال من قصيدة
يَا أَيهَا الرُّؤساءُ دعوةَ خَادِمٍأَوْفَتْ رَسائلهُ على التعديدِ
أيجوزُ فِي حكمِ المُرُوءةِ عندكَمْحبسي وَطول تهدودي وَوعيدي
أَنسيتمُ كتبا شحنت فُصولَهَابفصول دُرّ عنكمُ منضودِ
ورسائلاً نَفَذَتْ إِلَى أطرافكمْعبدُ الحميد بهنّ غيرُ حميدِ
يهتزُّ سامعُهنّ من طَرَبٍ كَمَاهزّ النديمَ سمَاعُ صوتِ العودِ) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
قصرَتْ خُطاهُ خلَاخلٌ من قَيدهفتراه فِيهَا كالفتاة الرُّودِ
يمشي الهوَيْني ذِلةً لَا عزةمشيَ النزيفِ الخائفِ المزؤدِ
وَلما خلى عَنهُ وأعيد إِلَى عمله لم يزل يطير وَيَقَع وينخفض ويرتفع إِلَى أَن دفع فِي أَيَّام عضد الدولة إِلَى النكبة الْعُظْمَى والطامة الْكُبْرَى إِذْ كَانَ فِي صَدره حزازات كَثِيرَة من إنشا آتٍ لَهُ عَن الْخَلِيفَة وَعَن بختيار نقمها مِنْهُ واحتقدها عَلَيْهِ قيل كَانَ من أقوى أَسبَاب تغير عضد الدولة على أبي إِسْحَاق بعد ميله إِلَيْهِ وضنه بِهِ فصلٌ لَهُ من كتاب أنشأه عَن الْخَلِيفَة فِي شَأْن بختيار وَهُوَ وَقد جدد لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ هَذِه المساعي السوابق والمعالي
السوامق الَّتِي يلْزم كل دَان وَقاص وعام وخاص أَن يعرف لَهُ حق مَا أكْرم بِهِ مِنْهَا ويتزحزح عَن رُتْبَة الْمُمَاثلَة فِيهَا فَإِن عضد الدولة أنكر هَذِه اللَّفْظَة أَشد إِنْكَار وَلم يشك فِي التَّعْرِيض بِهِ وأسرها فِي نَفسه إِلَى أَن ملك بَغْدَاد وَسَائِر الْعرَاق وَأمر أَبَا إِسْحَاق بتأليف كتاب فِي أَخْبَار الدولة الديلمية يشْتَمل على ذكر قديمَة وحديثة وَشرح سيره وحروبه وفتوحه فامتثل أمره وافتتح كِتَابه المترجم بالتاجي واشتغل بِهِ فِي منزله وَأخذ يتأنق فِي تصنيفه وترصيفه وَينْفق من روحه على تقريظه وتشنيفه فَرفع إِلَى عضد الدولة أَن صديقا للصابي دخل إِلَيْهِ فَرَآهُ فِي شغل شاغل من التَّعْلِيق والتسويد والتبديل والتبيض فَسَأَلَهُ عَمَّا يعْمل من ذَلِك فَقَالَ أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها فانضاف تَأْثِير هَذِه الْكَلِمَة فِي قلب عضد الدولة إِلَى مَا كَانَ فِي نَفسه من أبي إِسْحَاق وتحرك من ضغنه السَّاكِن وثار من سخطه الكامن فَأمر أَن يلقى تَحت أرجل الفيلة فأكب جمَاعَة من أَرْبَاب الدولة على الأَرْض يقبلونها بَين يَدَيْهِ ويشفعون إِلَيْهِ فِي أمره ويتلطفون فِي استيهابه إِلَى أَن أَمر باستحيائه مَعَ الْقَبْض عَلَيْهِ وعَلى أَسبَابه واستصفاء أَمْوَاله فَبَقيَ فِي ذَلِك الاعتقال بضع سِنِين إِلَى أَن تخلص فِي آخر أَيَّام عضد الدولة وَقد رزحت حَاله وتهتك ستره
وَكَانَ الصاحب ابْن عباد يُحِبهُ أَشد الْحبّ ويتعصب لَهُ ويتعهده على بعد الدَّار بالمنح والصابي يخْدم حَضرته بالمدح وَكَانَ الصاحب يتَمَنَّى انحيازه إِلَيْهِ وقدومه عَلَيْهِ وَيضمن لَهُ الرغائب على ذَلِك إِمَّا تشوقاً أَو تشرفاً وَكَانَ هُوَ يحْتَمل ثقل الْخلَّة وَسُوء أثر العطلة وَلَا يتواضع للاتصال بجملة الصاحب بعد كَونه من نظرائه وتحليه بالرياسة فِي أَيَّامه
وَكَانَ الصاحب كثيرا مَا يَقُول كتاب الدُّنْيَا وبلغاء الْعَصْر أَرْبَعَة
الْأُسْتَاذ ابْن العميد وَأَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف وَأَبُو إِسْحَاق الصابي وَلَو شِئْت لذكرت الرَّابِع يَعْنِي نَفسه
فَأَما التَّرْجِيح بَين هذَيْن الصادين أَعنِي الصاحب والصابي فقد خَاضَ فِيهِ الخائضون وخب فِيهِ المخبون وَمن أشف مَا سمعته من ذَلِك أَن الصاحب كَانَ يكْتب كَمَا يُرِيد والصابي يكْتب كَمَا يُؤمر أَي كَمَا يُرَاد وَبَين الْحَالين بونٌ بعيد وَكَيف جرى الْأَمر فهما هما وَلَقَد وقف فلك البلاغة بعدهمَا
ولنذكر نبذا من نثره ونظمه لتَكون كالعنوان على محاسنه
فَمن ذَلِك فصل لَهُ من كتاب إِلَى عضد الدولة فِي التهنئة بتحويل سنة أسأَل الله مبتهلاً لَدَيْهِ مَادًّا يَدي إِلَيْهِ أَن يحِيل على مَوْلَانَا هَذِه السّنة وَمَا يتلوها من أخواتها بالصالحات الْبَاقِيَات والزيادات الغامرات ليَكُون كل دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفياً على الْمُتَقَدّم لَهُ قاصراً عَن الْمُتَأَخر عَنهُ ويوفيه من الْعُمر أطوله وأبعده وَمن الْعَيْش أعذبه وأرغده عَزِيزًا منصوراً محمياً موفوراً باسطاً يَده لَا يقبضهَا إِلَّا على نواصي أَعدَاء وحساد سامياً طرفه فَلَا يعضه إِلَّا على لَذَّة غمض ورقاد مستريحة ركابه فَلَا يعملها إِلَّا لاستضافة عز وَملك فائزة قداحه فَلَا يجيلها إِلَّا لحيازة مَال وَملك حق ينَال أقْصَى مَا تتَوَجَّه إِلَيْهِ أُمْنِية صَالِحَة وتسمو لَهُ همة طامحة
فصل من رسَالَته فِي وصف المتصيد وَالصَّيْد وخيلنا كالأمواج المتدفقة والأطواد الموثقة متشوقة عاطية مستبقة جَارِيَة تشتاق الصَّيْد وَهِي لَا تطعمه وتحن إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قضيم تقضمه وعَلى أَيْدِينَا جوارح مؤللة المخالب والمناسر
مذربة النصال والخناجر طامحة الألحاظ والمناظر بعيدَة المرامي والمطارح ذكية الْقُلُوب والنفوس قَليلَة القطوب والعبوس سابغة الأذناب كَرِيمَة الْأَنْسَاب صلبة الأعواد قَوِيَّة الأوصال تزيد إِذا طعمت شَرها وقرماً وتتضاعف إِذا شبعت كَلْبا ونهماً فَبينا نَحن سائرون وَفِي الطّلب ممعنون إِذْ وردنا مَاء زرقاً جمامه طامية أرجاؤه يبوح بأسراره صفاؤه وتلوح فِي قراره حصباؤه وأفانين الطير بِهِ محدقة وغوائبه عَلَيْهِ وَاقعَة مُتَغَايِرَة الألوان وَالصِّفَات مختلفات الْأَصْوَات واللغات فَمن صَرِيح خلص وتهذب نَوعه وَمن مشوب تهجن أَو أقرف عرقه فَلَمَّا أوفينا عَلَيْهَا أرسلنَا الْجَوَارِح إِلَيْهَا كَأَنَّهَا رسل المنايا أَو سِهَام القضايا فَلم نسْمع إِلَّا مسمياً وَلم نر إِلَّا مذكياً ثمَّ عدنا لشأننا دفعات وأطلقنا مَرَّات
وَمن فصل مِنْهَا ثمَّ عدلنا عَن مطارح الْخيام إِلَى مسارح الآرام نستقرئ ملاعبها ونؤم مجامعها حَتَّى أفضينا إِلَى أسراب لاهية بأطلائها راتعة بأكلائها ومعنا فهود أخطف من البروق وألقف من الليوث وأمكر من الثعالب وأدب من العقارب وأنزى من الجنادب خمص الخصور قب الْبُطُون رقش الْمُتُون حمر الآماق خزر الأحداق هرت الأشداق عراض الجباه غلب الرّقاب كاشرة عَن أَنْيَاب كالحراب
وَله فصل فِي ذكر الأقدار لله تَعَالَى أقدار ترد فِي أَوْقَاتهَا وقضايا تجْرِي إِلَى غاياتها لَا يرد شَيْء مِنْهَا عَن شأوه ومداه وَلَا يصددون مطلبه ومنحاه فَهِيَ كالسهام الَّتِي لَا تثبت إِلَّا فِي الْأَغْرَاض وَلَا ترجع بالاعتراض وَالنَّاس
فِيهَا بَين عَطِيَّة يجب الشُّكْر عَلَيْهَا ورزية يوثق بِالْعِوَضِ عَنْهَا
وَله من فصل عَن بختيار إِلَى سبكتكين الغزنى لَيْت شعري بِأَيّ قدم توافينا وراياتنا خافقة على رَأسك ومماليكنا عَن يَمِينك وشمالك وخيلنا الموسومة بأسمائنا تَحْتك وثيابنا المنسوجة فِي طرزنا على جسدك وَسِلَاحنَا المشحوذ لأعدائنا فِي يدك
وَمن فصل فِي ذكره هُوَ أرق دنيا وَأَمَانَة وأخفض قدرا ومكانة وَأتم ذلاً ومهانة وَأظْهر عَجزا وزمانة من أَن تستقل بِهِ قدم فِي مطاولتنا أَو تطمئِن لَهُ ضلوع على منابذتنا وَهُوَ فِي نشوره عَنَّا وطلبنا إِيَّاه كالضالة المنشودة وَفِيمَا نرجو من الظفر بِهِ كالظلامة الْمَرْدُودَة
وَمن ملح شعره قَوْله فِي الْغَزل وَهُوَ فِي معنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما
جَرَتِ الدُّمُوع دَماً وكأسِي فِي يَديشَوْقاً إِلَى من لَجِ فِي هِجْرَاني
فَتَخالفَ الفعلانِ شَارِب قَهْوَةٍيبكي دَمًا وتَشابهَ اللوْنانِ
فَكَأَن مَا فِي الجِفن من كأسي جرىوَكَأن مَا فِي الكأس من أجفاني) // الْكَامِل //
وَقَالَ
لَسْت أَشْكُو هواكَ يَا من هَواهُكلَّ يومٍ يَرُوعُني مِنْهُ خطبُ
مُرُّ مَا مر بِي منَ أَجلك حلوٌوعذابي فِي مثل حبك عذب) // الْخَفِيف //
وَقَالَ
إِنْ نحنُ قِسناكَ بالغُصْنِ الرَّطيب فقدْحفْنَا عليكَ بِهِ ظلما وعُدْوانَا
الغُصْنُ أحسنُ مَا نلقاهُ مكتسياًوأنتَ أحسنُ مَا نلقاكَ عُرْيانا) // الْبَسِيط //
وَقَالَ
مَرِضتُ منَ الهَوى حَتَّى إِذا مَابَدَا مَا بِي لإِخواني الحُضُورِ
تكنَفَني ذَوُو الإشفاق منهمْولَاذُوا بِالدُّعَاءِ وبالنذُورِ
وَقَالُوا للطبيبِ أشِرْ فإنَّانُعِدُّكَ للمهمّ منَ الأمورِ
فقالَ شفَاؤهُ الرُّمانُ مِمَّاتضمنَهُ حشاهُ منَ السعيرِ
فقلتُ لُهمْ أصابَ بغيرِ عَمدٍولكنْ ذَاكَ رُمانُ الصُّدُور) // الوافر //
وَقَالَ
مَا أنسَ لَا أنسَ لَيلةَ الأحدِوالبدرُ ضَيْفي وأَمرهُ بيدِي
قبَّلتُ منهُ فَمَا مُجَاجَتُهُتجمعُ بينَ المدَامِ والشُّهُدِ
كأنَّ مجرَى سِوَاكِه بَرَدٌوَريقهُ ذَوْبُ ذَلِك الْبرد) // المنسرح //
وَقَالَ فِي شمامة كافور
وشَمَّامةٍ كالبدرِ عندَ اعتراضهِوكالكوكبِ الدريّ عندَ انقضاضهِ
يَودُّ سوَادُ الْعين من شغفٍ بهَالَو اعتاضهَا مُسْتَبْدِلاً ببياضهِ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
وحرورة الأحشاء تحسبُ أنهَامُتيمةٌ تَشْكُو منَ الْحبّ تبريجا
تُناجيك نجوَى يسمعُ الأنفُ وَحيْهاوتجهله الْأذن السمعية إِذْ يُوحَى
تحرق فِيهَا الندَّ عَوْداً وبَدْأةفتأخذهُ جسماً وتنفثه روحا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي غُلَام لَهُ أسود اسْمه رشد
أَبصرتُ فِي رُشْدٍ وَقد أحببتهُرُشدي وَلم أَحفل بِمن قَدْ يُنكرُ
يَا لائمي أَعلَى السوَاد تَلومنيمن لونهِ وبهِ عليكَ المفخرُ
دَعْ لي السوادَ وَخذ بياضكَ إِنَّنِيأدْرَي بِمَا آتِي وَمَا أتخيَّرُ
مثوى البصيرةِ فِي الْفُؤَاد سوَادُهوالعينُ بالمسودّ مِنْهَا تُبْصرُ
فالدينُ أنتَ مُناظرٌ فِيهِ بذَاوكذاكَ فِي الدُّنْيَا بِهذِي تنظرُ
(بسواد ذَيْنِك تستضيء ولوهما ابْيضَّا تَغَشَّاكَ الظلامُ الأكدرُ ...)
فغدَا بياضُكَ وَهُوَ ليلٌ دامسٌوغدَا سوَادِي وَهُوَ فجر أنور) // الْكَامِل //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
قد قَالَ رشدٌ وَهُوَ أَسودُ للَّذيببياضه يَعْلُو علوّ الخاتن
مَا فحر خَدِّكَ بالبياض وَهل ترىأَن قد أفدت بِهِ مُرِيد محاسنِ
لَو أنّ مني فِيهِ خالاً زانهُوَلَو أَن منهُ فيّ خالاً شانني) // الْكَامِل //
وَلَقَد تفنن الشُّعَرَاء فِي مدح السودَان وَأَكْثرُوا فَمن ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي من قصيدة طَوِيلَة
أكسبها الحبُّ أَنَّهَا صُبِغَتْصِبْغَةَ حَبِّ الْقُلُوب والحدق) // المنسرح //
وَقَول ابْن خفاجة الندلسي أَيْضا
وأَسودٍ يسبحُ فِي لجةٍلَا تكتمُ الْحَصْبَاء غُدْرانُهَا
كَأَنَّهَا فِي شكلها مقلةزرقاء والأسودُ إنسانها) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
يَا أسودا يسبح فِي بركةٍفقتَ الورى حسنا وإحسانَا
كنت لحسن الخدِّ خالاً وقدْصرتَ لعين الْعين إنسانَا) // السَّرِيع //
وَقَول شرف الدّين بن عنين
وماذَا عَلَيْهِم أَن كلفتُ بأسودٍمحلَّتهُ بِالْقَلْبِ وَالْعين منهمُ
وَقد عابني قوم بتقبيل خَدّهوَمَا ذاكَ عيبٌ أسودُ الركنِ يُلْثْمُ
وَمَا شأنهُ ذاكَ السوادُ لأنهُلغير الثنايا وَالْخَلَائِق معلم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن ريَاح الملقب بالحجام
يَا لُعبةً بذوي الْأَلْبَاب لاعبةًفِي أصلِ حسنكَ معنى غير متفقِ
خُلِقْتِ بَيْضَاء كالكافور ناصعَةًفصرت سَوْدَاء من مثواك فِي الحدق) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَحْمد بن بكر الْكَاتِب
يَا من فؤاديَ فِيهَامتيما لَا يزالُ
إِن كَانَ لِليْل بدرٌفأنتَ للصبح خَال) // المجتث //
وَقَالَ الْوَزير المغربي
يَا رُبَّ سَوْدَاء تيمتنييَحْسُن فِي مثلهَا الغرامُ
كالليل تستهل الْمعاصِيفِيهِ ويستعذبُ الْحَرَام) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن أبي الجهم
غُصْنٌ من الآبنوس أهْدَىمن مسك دَارِينَ لي ثمارَا
ليلُ نعيمٍ أظلُّ فِيهِللطيب لَا أشتهي نَهَارا) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم مضمنا
وسوداءِ الْأَدِيم إِذا تَبَدَّتْترى مَاء النَّعيم جَرَى عليهِ
رَآهَا ناظري فَصَبَا إِلَيْهَاوشِبْهُ الشيءِ منجذب إِلَيْهِ) // الوافر //
وَقَالَ نجم الدّين يَعْقُوب بن صابر
(وَجاريةٍ من بَنَات الحُبوش ذَات جفون صِحَاح مراض ...)
تعشقها للتصابي فشِبْتُغراماً وَلم أك بالشيب راضي
وكنتُ أعَيِّرُها بِالسَّوَادِفَصَارَت تعيرني بالبياض) // المتقارب //
وَقد أغرب ابْن دفتر خوان بقوله
إِن لمعتْ لَيْلًا نجومُ السمابيضًا على أدهم مُرْخَي الإِزارْ
وأوجبَ العكسُ مِثَالا لَهَافِي الأَرْض فالسودُ نجومُ النَّهَار) // السَّرِيع //
رَجَعَ إِلَى شعر الصابي
قَالَ يرثي ابْنه سِنَانًا
أَسعداني بالدمعةِ الحمراءِجلُّ مَا حلّ بِي عَن الْبَيْضَاء
(يُؤلم القلبَ كلُّ فقدٍ ولَا مِثْلَ افْتقاد الآباءِ للأبناء ...)
كُنتَ مِني وكُنتُ مِنكَ اتِّفَاقًاوالتئَاماً مِثلَ الْعَصَا واللِّحاءِ
كُنتَ لِليُتْم فيَّ أجملَ مِنِّيفيكَ للثُّكلِ فِي أوَانِ فنائي
ولئنْ كَانَ من أَخِيك وأولادكمامَا يَغُضُّ منْ بُرحائي
فَلَعَمْري لرُبما هيجوا الشوقفزادوا فِي لَوْعَتي وبكائي) // الْخَفِيف //
ألم فِيهِ بقول ابْن الرُّومِي وَلم يحسن إحسانه
وإِنِّي وإِنْ مُتِّعْتُ بِابنىَّ بعدهُلذاكِرُهُ مَا حَنَّتِ النَّيبُ فِي نَجدِ
وأوْلادنا مِثل الجوارحِ أيُّمافقدناه كانَ الفاجعَ البينَ الفَقْدِ
لكٍّل مكانٌ لَا يسدّ اختلالَهمَكانُ أخيهِ منْ جزوع ومنْ جَلْدِ
هلِ العينُ بعد السمعِ تَكْفِي مَكَانَهُأمِ السمعُ بعدَ الْعين يَهدِي كَمَا تهدي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الصابي مفتخراً من قصيدة
وَقد علم السُّلطان أنِّي أمِينُهوكاتبهُ الْكَافِي السِّديدُ الموفّق
أوازره فِيما عرَى وأمدّهبِرأى يُريهِ الشمسَ وَاللَّيْل أغسقُ
يُجدِّد بِي نَهجَ الْعلَا وهْوَ دارسٌوَيفتح بِي بابَ الهدَى وَهْوَ مُغْلَق
فَيمنايَ يُمناه ولَفظيَ لفظُهوعيني لَهُ عينٌ بهَا الدَّهرَ يَرْمُقُ
ولِي فِقرٌ تُضْحِي الْمُلُوك فقيرةًإِلَيْهَا لدَى أحداثِها حينَ تطرق
أرد بِها رأسَ الجَموحِ فينثنيوأجعلُها سَوْط الحرون فيُعْنِقُ
فإِنْ حاولتْ لطفاً فماء مُرَوَّقٌوإِنْ حاولَتْ عُنفاً فَنارٌ تألق
يسلم لِي قُسٌّ وسحبانُ وائلٍويَرْضَى جريرٌ مَذْهبي والفرزْدق
فيغضي لنثرِي خاطبٌ وهوَ مِصْقَعٌويعنو لنظمي شاعرٌ وهوَ مُفْلقُ
مَعالٍ لَو الْأَعْشَى رآهنُّ لم يَقُلْوباتَ على النارِ الندَي والمحلق) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي المهلبي الْوَزير
قلْ للوزير أبي محمدٍ الَّذِيقدْ أعجزَتْ كلّ الوَرَى أوْصافُهُ
لكَ فِي المحافلِ منطقٌ يشفي الجوَىويسوغ فِي أذُنِ الأديب سُلَافُهُ
فكأنَّ لفظكَ لُؤْلُؤ متنخَّلٌوكأنما آذاننا أصدافه) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَيْضا
تلوح نواجذِي والكأس شربيوأشربُها كَأَنِّي مستطيب
وَفَوق السرِّ لي جهرٌ ضحوكوتحتَ الجهرِ لي سرٌّ كئيب
سأثبتُ إِذْ يُصادمني زَمانيبِركنيه كَمَا ثبتَ النحيب
وأرْقب مَا تجيءُ بِهِ اللَّيَالِيفَفِي أثنائهِ فرجٌ قريب) // الوافر //
وَقَالَ أَيْضا فِي عضد الدولة
لَا تحسبِ المُلكَ الَّذِي أوتيتَهُيُفْضِي وإِنْ طالَ الزّمان إِلَى مَدَى
كالدَّوْحِ فِي أفق السَّمَاء فروعهُوعروقه متولِّجَاتٌ فِي الندَى
فِي كل عامٍ يستجدّ شبيبةًفَيَعُود ماءُ العُودِ فيهِ كَمَا بَدا
حَتَّى كأنكَ دائر فِي حلقةٍفلكيةٍ فِي مُنْتَهَاهَا المبتدا) // الْكَامِل //
وَكتب إِلَى عضد الدولة فِي يَوْم مهرجان مَعَ اصطرلاب أهداه إِلَيْهِ
أهدَى إليكَ بَنو الأَمَوالِ وَاخْتلفُوافِي مِهرجانٍ جديدٍ أَنْت مُبْليهِ
لكنَّ عبدكَ إبراهيمَ حِين رَأىعلوَّ قدركَ عنْ شَيْء يُدَانيهِ
لم يرضَ بالأرضِ مُهْدَاة إليكَ فقدْأهدَى لكَ الفلكَ الْأَعْلَى بِمَا فيهِ) // الْبَسِيط //
وَمن لطيف شعره قَوْله
دفتري مؤنسي وفكري سميريويدِي خادِمي وحِلْمي ضجيعي
ولسانِي سَيْفي وبطشي قَريضيودَوَاتِي غَيثي ودرجي ربيعي) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول أبي مُحَمَّد الخازن
فدفتري رَوضتي ومحبرَتيغديرُ عِلمي وصارمِي قَلَمِي
ورَاحتي فِي قَرَار صَوْمَعَتِيتُعْلمني كيفَ موقعُ النعم) // المنسرح //
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَهُوَ فِي الْحَبْس
إِذا لم يكن للمرء بدٌّ من الرّدىفأسهلُه مَا جَاءَ والعيشُ أنكد
وأصعبهُ مَا جَاءَهُ وهْوَ راتِعٌتطيف بهِ اللذّات والحظّ مُسْعِد
فإِن أك سوءَ العيشتينِ أعيشُهافإِني إِلَى خيرِ المماتينِ أقصد
وسيَّانِ يَوْمًا شقوةٍ وسعادةٍإِذا كانَ غبّاً وَاحِدًا لَهما الْغَد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
لقدْ أخلقتْ جدَّتِي الحادثاتُومَنْ عاشَ فِي رَيْبها يَخلق
وبذلني صَلَعاً شَامِلًامن الشَّعَرِ الفاحم الأغْسَقِ
وَقد كنْتُ أمْرَدَ من عارضنيفَقد صرت أَمْرَد من مفرقي) // المتقارب //
وَكتب إِلَى قَاضِي الْقُضَاة ابْن مَعْرُوف وَكَانَ قد زَارَهُ فِي معتقله رقْعَة نسختها
قوى دُخُول قَاضِي الْقُضَاة إِلَى نَفسِي وجدد أنسي وَأغْرب نحسي ووسع حبسي فدعوت الله لَهُ بِمَا قد ارْتَفع إِلَيْهِ وسَمعه فَإِن لم اكن أَهلا لِأَن يُسْتَجَاب مني فَهُوَ أيده الله تَعَالَى أهلٌ لِأَن يُسْتَجَاب فِيهِ وَأَقُول مَعَ ذَلِك
دخلتَ حَاكم حكام الزَّمان إِلَىصَنيعةٍ لَك رَهْنِ الْحَبْس ممتَحَنِ
أخْنتْ علَيه خطوبٌ جارَ جائرُهاحَتَّى توفاهُ طولُ الْهم والحَزَنِ
فَعاشَ عَن كلماتٍ مِنكَ كنَّ لهُكالرُّوح عائِدَةً منهُ إِلى الْبدن) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى بعض الرؤساء عرفت أَن سيدنَا الْأُسْتَاذ الْجَلِيل أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يشتكي الثنايا
فَلَو اسْتَطَعْت أخذت علَّةَ جِسمهِفَقَرنتُها مني بعِلِةِ حَالي
وجَعلتُ صحَّتَي الَّتِي تَصْفُ ليصَفواً لَهُ معَ صِحَة الإقْبَالِ
فَتكونُ عِنْدِي العَّلتانِ كِلَاهُمَاوالصِّحَّتانِ لَهُ بغيرِ زَوالِ) // الْكَامِل //
وَقَالَ
عهدِي بشعري وكلَّه غَزَلُيضحكُ عنهُ السرُور والجذَلُ
(أيامَ همِّي أحبةٌ بِهمُ القلبُ عَن النَائباتِ يشتغلُ ...)
والآنَ شِعري فِي كلِّ داهيةٍنِيرانُها فِي الضلوعِ تشتعل
أَخرجُ منْ نكبةِ وأدخلُ فِيأُخرَى فنحسي بهنَّ متصلُ
كأنَّها سُنَّةٌ مؤكدةٌلَا بُد من أَنْ تقُيمَهَا الدولُ
فالعيشُ مرٌّ كأنهُ صَبِرٌوالموتُ حُلْو كَأَنَّهُ عسل) // المنسرح //
وَقَالَ يهجو
أيُّها النابحُ الذِي يتَصَدَّىبقبيح يَقُوله لجَوابي
لَا تؤمَّلْ أنِّي أقولُ لكَ اخْسَأْلستُ أسخو بهَا لكلِّ الكلابِ) // الْخَفِيف //
وَحكى أَبُو الْقَاسِم بن برهَان قَالَ دخلت على أبي إِسْحَاق الصابي وَكَانَ قد لحقه وجع المفاصل وَقد أبل والمجلس عِنْده حافل وَأَرَادَ أَن يُرِيهم أَنه قَادر على الْكِتَابَة فَفتح الدواة ليكتب فتطاولوا بِالنّظرِ إِلَى كِتَابَته فَوضع الْقَلَم وَقَالَ بديها
(وجعُ المفاصل وهوَ أيسرُ مَا لقيتُ منَ الأذَى ...)
جعل الذِي استحسنتهُواليأسَ منْ حظي كذَا
والعمرُ مثلُ الكاسِ يرسبفِي أواخرهِ القذَى) // الْكَامِل //
وَقد ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَمِين الدولة سبط التعاويذي وَزَاد فِيهِ فَقَالَ
فَمن شَبَّه الْعُمر كأساً يقرَّقَذَاهُ ويرسب فِي أسفلِهْ
فَإِنِّي رأيتُ القَذَى طافياًعلى صفحة الكاس من أَوله) // المتقارب //
والأمير سيف الدّين بن المشد بقوله
(إِن ترقى إِلَى الْمَعَالِي أولو الْفضل وَساخت تَحت الثرى السفهاءُ ...)
فَحَبابُ المدام يَعْلُو على الكأسمحلاًّ وترسب الأقذاء) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول ابْن زِيَاد فِيهِ أَيْضا
(باضطراب الزَّمَان ترتفعُ الأنذالُ فِيهِ حَتَّى يعم البلاءُ ...)
(وَكَذَا المَاء راكداً فَإِذا حرّكَ ثارت من قَعْره الأقذاء ...) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
بَادر إِلَى الْعَيْش فالأيام راقدةٌوَلَا تكن لصروف الدَّهْر تنتظرُ
فالعمر كالكأس يَبْدُو فِي أَوَائِلهصفواً وآخِرُه فِي قَعْره كدر) // الْبَسِيط //
وَلما مَاتَ أَبُو إِسْحَاق الصابي رثاه الشريف أَبُو الْحسن الموسوي بقوله
أَعلمتَ من حَمَلوا على الأَعْوادِأرأيتَ كَيفَ خَبَا ضِياء النادِي
جَبلٌ هوى لَو خَرَّ فِي البَحر اغتَدَىمن وَقعِه مُتَتابعَ الإِزبادِ
مَا كنت أعلم قبلَ حطكَ فِي الثرىأَن الثرَى يَعْلُو على الأطْوَاد) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
بَعْداً ليومكَ فِي الزمانِ فإِنهُأقْذَى العُيُونَ وفَتَّ فِي الأعْضَادِ
لَا تطلبي يَا نفسُ خِلاًّ بعدهُفلمثلُهُ أعيا على المرتادِ
فُقِدتْ ملاءمةُ الشكولِ بفقدهِوبقيتُ بينَ تباينِ الأضدادِ
مَا مَطْعمُ الدُّنيا بحلوٍ بعدهُأبدا وَمَا مَاء الْحَيَاة ببادي
لكَ فِي الحشا قبرٌ وإنْ لم تأوِهِومنَ الدُّموعِ روائحٌ وغوادي
سَلُّوا منَ الأبرادِ جسمك فانثنىجِسمي يُسلّ عليكَ فِي الأبراد
وَمِنْهَا
الفضلُ ناسبَ بَيْننَا إِذْ لم يكنْشَرَفي مناسبهُ وَلَا ميلادِي
إنْ لم تكن من أسرتي وعشيرتيفلأنت أعقلهمْ يدا بفؤادي
أولَا تكنْ عالي الأصولِ فقدْ وَفَىعظمُ الجدود بِسودَد الأجداد) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة ورثاه بِغَيْر ذَلِك أَيْضا وَقَالَ وَقد ليم على رثائه لَهُ إِنِّي رثيت علمه وَكَانَ سنه أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات ابْنه المحسن على كفره أَيْضا وَابْن ابْنه هِلَال أسلم بآخرة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
يَا صَاحِبيّ تَقَصَّيَا نَظَرَيكماتَرَيا وجُوهَ الأرْضِ كَيْف تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهاراً مُشْمِساً قَدْ شَابَهُزَهْرُ الرُّبا فَكأنَّما هُوً مُقْمِرُ
البيتان لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا المعتصم أَولهَا
رقَّتْ حَوَاشي الدهرِ فَهِيَ تَمَرْمَرُوَغدا الثرى فِي حَلْيهِ يتكسرُ
بذلتْ مُقَدّمَة المصيف حميدةًوَيَد الشتَاء جَدِيدَة لَا تكفر
لولَا الَّذِي غرس الشتَاء بكفِّهِقاسي المصيفُ هشائماً لَا تُثْمرُ
كم ليلةٍ آسى الْبِلَاد بِنَفسِهِفِيهَا وَيَوْم وبلُهُ متفجرُ
مطرٌ يذوب الصخرُ مِنْهُ وبعدُهصَحْوٌ يكَاد من الغضارة يقطر
غثيان فالأنواء غيثٌ ظاهرٌلكَ وَجهه والصَّحو غيث مضمرُ
ونَدَى إِذا ادَّهَنتْ بهِ لممُ الثرىخلتَ السَّحَاب أَتَاهُ لَهُ وَهو معذرُ
أربيعنا فِي تسع عشرَة حجَّةحَقًا لَوَجْهكَ لَلرَّبيعُ الأَزهر
مَا كَانَت الأَيامُ تسلب بهجةًلَو أَن حسن الرَّوْض كَانَ يُعَمَّرُ
أَولا ترى الْأَشْيَاء إِن هِيَ غيرتْسمُجتْ وَحسن الأَرْض حِين تغيرُ) // الْكَامِل //
وَبعده البيتان وبعدهما
دنيا مَعاش للورى حَتَّى إِذاحَلَّ الربيعُ فَإِنَّمَا هيَ منظرُ
أضْحَتْ تصُوغُ بطونُها لظُهُورِهانَوْراً تكادُ لَهُ القلوبُ تُنَوِّرُ
من كل زَاهرةٍ ترقرَقُ بالنَّدىفَكَأَنَّهَا عينٌ لديكَ تحدر) // الْكَامِل //
وَهِي طَوِيلَة
وَمعنى تقصيا نظريكما ابلغا أقْصَى نظريكما وَغَايَة مَا تبلغانه واجتهدا فِي النّظر وتصور أَصْلهَا تتَصَوَّر فَحذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ
وَالشَّاهِد فيهمَا تَشْبِيه الْمركب بالمفرد فَإِنَّهُ شبه المشمس الَّذِي اخْتَلَط بِهِ أزهار الربوات فنقصت باخضرارها من ضوء الشَّمْس حَتَّى صَار يضْرب إِلَى السوَاد بِاللَّيْلِ المقمر فالمشبه مركب والمشبه بِهِ مُفْرد قيل وَلَا يَخْلُو هَذَا من تسَامح
كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسالَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي
الْبَيْت من الطَّوِيل وقائله امْرُؤ الْقَيْس من قصيدته السَّابِقَة فِي أول هَذَا الْفَنّ وَقَبله
كَأَنِّي بفتْخَاءِ الجناحين لِقْوَةٍعلى عجَلٍ مِنْهَا أطأطئ شمَالي
تخطَّفُ خِزَّان الأُنَيْعِمِ بالضحىوَقد حجرت مِنْهَا ثعالبُ أورال
وَبعده الْبَيْت وَبعده
فَلَو أَن مَا أسْعَى لأدنى مَعِيشَةٍكفاني وَلم أطلب قليلٌ من المالِ
ولكنما أسْعَى لمجدٍ مُؤثَّلٍوَقد يُدْركُ الْمجد المؤثل أمثالي
وَمَا المرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشةُ نَفسهبمُدْرِكِ أطرافِ الخطوب وَلَا آلي) // الطَّوِيل //
والحشف أردأ التَّمْر والضعيف الَّذِي لَا نوى لَهُ أَو الْيَابِس الْفَاسِد
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الملفوف وَهُوَ أَن يُؤْتى على طَرِيق الْعَطف أَو غَيره بالمشبهات أَولا ثمَّ بالمشبه بهَا فَهُنَا شبه الرطب الطري من قُلُوب الطير بالعناب وبالبابس الْعَتِيق مِنْهَا بالحشف الْبَالِي إِذْ لَيْسَ لاجتماعهما هَيْئَة مَخْصُوصَة يعْتد بهَا ويقصد تشبيهها وَلذَا قَالَ الشَّيْخ عبد القاهر أَنه إِنَّمَا يتَضَمَّن الْفَضِيلَة من حَيْثُ اخْتِصَار اللَّفْظ وَحسن التَّرْتِيب فِيهِ لَا أَن للْجمع فَائِدَة فِي عين التَّشْبِيه
وَذكرت بِهَذَا الْبَيْت مَا ضمنه الْجمال ابْن نباتة مجونا وَهُوَ
دنَوْت إِلَيْهَا وهوَ كالفرخ رَاقِدفواخجلتي لما دَنَوْت وإذلالي
وقلْتُ امْعَكيه بالأنامِل فالْتَقىلَدَي وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي) // الطَّوِيل //
النَّشْر مِسْكٌ والوجُوهُ دَنَانِيروأطْرَافُ الأكُفِّ عَنمْ
الْبَيْت لمرقش الْأَكْبَر من قصيدة من السَّرِيع قَالَهَا فِي مرثية عَم لَهُ أَولهَا
هَل بالديار أَن تجيبَ صَمَمْلَو أَن حيَّاً ناطِقاً كلَّمْ
الدارُ وحْشٌ والرسُوم كَمَارَقَّشَ فِي ظَهْر الْأَدِيم قَلْم
ديارُ أسمَاءَ الَّتِي سَلَبَتْقلبِي فَعَيني مَاؤُهَا يَسْجُمْ
أضحَتْ خلاءٌ نبْتُها ثَئِدٌنوَّرَ فِيهَا زهرُه فَاعْتَمَّ
بل هَل شجَتك الظُّعْنُ باكرةًكأنهن النَّخْلُ من مَلهَم) // السَّرِيع //
وَبعده الْبَيْت وَمِنْهَا
لسنا كأقْوَام خَلائقُهُمْنَثُّ الحديثِ ونَهْكة المحَرمْ
إِن يُخْصِبُوا يَبْغُوا بخصبهمُأَو يُجْدِبوا فهمْ بِهِ ألأم) // السَّرِيع //
وَهِي قصيدة طَوِيلَة لَيست بصحيحة الْوَزْن وَلَا حَسَنَة الروي وَلَا متخيرة اللَّفْظ وَلَا لَطِيفَة الْمَعْنى قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَلَا أعلم فِيهَا شَيْئا يستحسن إِلَّا قَوْله النشر مسك ... الْبَيْت
ويستجاد مِنْهَا أَيْضا قَوْله
لَيْسَ على طولِ الحياةِ نَدَموَمن وَرَاء المرْءِ مَا يعْلَمْ
النشر الرّيح الطّيبَة أَو أَعم أَو ريح فَم الْمَرْأَة وأعطافها بعد النّوم والعنم شجر لين الأغصان يشبه بنان الْجَوَارِي وَقيل هِيَ أَطْرَاف الخروب الشَّامي عَن أبي عُبَيْدَة وَقيل هُوَ شجر لَهُ أَغْصَان حمر وَقيل هُوَ ثَمَر العوسج يكون أَحْمَر ثمَّ يسود إِذا عقد ونضج
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه المفروق وَهُوَ أَن يُؤْتى بمشبه ومشبه بِهِ ثمَّ آخر وَآخر وَهُوَ وَاضح فِي الْبَيْت
وَنَظِيره قَول المتنبي
بَدَتْ قمراً ومالَتْ خُوطَ بانٍوفاحَتْ عنبراً ورنَتْ غَزَالا) // الوافر //
وَتَبعهُ أَبُو الْقَاسِم الزاهي فَقَالَ
سَفَرْنَ بدوراً وانتَقَبَْن أهلَّةًومِسْنَ غصوناً والتَفَتْنَ جآذرا
وأطْلَعْنَ فِي الأجياد بالدرِّ أنجماًجعلن لحبَّاتِ الْقُلُوب ضرائرا) // الطَّوِيل //
وَمِمَّنْ نسج على هَذَا المنوال إِسْمَاعِيل الشَّاشِي فَإِنَّهُ قَالَ من قصيدة
رأيْت على أكْوارنا كلَّ ماجدٍيرى كل مَا يَبْقَى من المَال مَغْرما
ندوم أسيافا ونعلو قَوَاضباًوننْقَضُّ عقباناً ونطلع أنجما) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْجَوْهَرِي فِي وصف الْخمر إِلَّا أَنه ثلث التَّشْبِيه
يقولونَ بغدادُ الَّتِي اشْتَقْتَ نزهةٌتباكِرُها والعبقَريَّ المقيَّرَا
إِذا فُضَّ عَنهُ الخْتُم فاحَ بَنفسجاًوأشرق مصباحاً ونوَّرَ عُصفُرا) // الطَّوِيل //
ولبعض الشُّعَرَاء فِي غُلَام مغن
فَدَيتكَ يَا أتَمَّ النَّاس ظَرْفاًوأصلحهُم لمتَّخذٍ حبيبا
فوجْهُك نُزهة الأَبْصَارِ حسناوشَدْوكَ مُتعةُ الأسماع طيبا
وسائَلةٍ تسائل عَنْك قُلْنَالَهَا فِي وصفك الْعجب العجيبا
رنا ظَبْيًا وغَنَّى عَنْدَليباًولاح شقائقاً ومَشَى قَضِيبًا) // الوافر //
وَلابْن الْأَثِير الْجَزرِي
منوَّع الْحسن يُبْدِي من محاسنهلأعْيُنِ النَّاس أوْصافاً وأشكالا
فلاح بَدْراً ووافى دُمْيَةً وذكامسكاً وعلَّ طلاً وازورَّ رئبالا
وافتر دُرَّاً وغَنَّى بلبَلاً وسطاعَضْبَا وماس نقاً واهتز عسالا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَوْله أَيْضا
إنَّ الَّتِي ملكتني فِي الْهوى ملكتمجامع الْحسن حَتَّى لم تَدَعْ حَسَنَا
رنت غزالاً وفاحت رَوْضةً وبدتْبَدْرًا وَمَاجَتْ غديرا وانثنت غصنا) // الْبَسِيط //
وَلابْن سكرة الْهَاشِمِي أَيْضا
فِي وَجه إنسانة كلفت بهَاأَرْبَعَة مَا اجْتَمعْنَ فِي أحدِ
الخدُّ وردٌ والصدغ غَالِيَةوالريق خمر والثغر من برد) // المنسرح //
والمرقش اسْمه عَمْرو وَقيل عَوْف بن سعد بن مَالك يَنْتَهِي نسبه لبكر بن وَائِل وَهُوَ أحد من قَالَ شعرًا فلقب بِهِ وَهُوَ أحد المتيمين كَانَ يهوى ابْنة عَم لَهُ وَهِي أَسمَاء بنت عَوْف بن مَالك وَكَانَ المرقش الْأَصْغَر ابْن أخي
المرقش الْأَكْبَر واسْمه ربيعَة وَقيل عَمْرو وَهُوَ عَم طرفَة بن العَبْد وَهُوَ أَيْضا أحد المتيمين كَانَ يهوى فَاطِمَة بنت الْمُنْذر الْملك ويشبب بهَا وَكَانَ للمرقشيين جَمِيعًا موقع فِي بكر بن وَائِل وحروبها مَعَ بني تغلب وبأسٌ وشجاعة ونجدة وَتقدم فِي الْمشَاهد ونكاية فِي الْعَدو وَحسن أثر
وَكَانَ من خبر المرقش الْأَكْبَر أَنه عشق ابْنة عَمه أَسمَاء بنت عَوْف وَهُوَ غُلَام فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ لَا أزَوجك إِيَّاهَا حَتَّى تعرف بالبأس وَكَانَ يعده فِيهَا المواعيد الكاذبة ثمَّ انْطلق مرقش إِلَى ملك من الْمُلُوك وَكَانَ عِنْده زَمَانا ومدحه فَأَجَازَهُ وَأصَاب عوفاً زمانٌ شَدِيد فَأَتَاهُ رجل من مُرَاد فأرغبه فِي المَال فَزَوجهُ أَسمَاء على مائَة من الْإِبِل ثمَّ تنحى عَن بني سعد ابْن مَالك وَرجع مرقش فَقَالَ إخْوَته لَا تخبروه إِلَّا أَنَّهَا مَاتَت فذبحوا كَبْشًا وأكلوا لَحْمه ودفنوا عِظَامه ولفوها فِي ملحفة ثمَّ قبروها فَلَمَّا قدم مرقش عَلَيْهِم أَخْبرُوهُ أَنَّهَا مَاتَت وَأتوا بِهِ مَوضِع الْقَبْر فَنظر إِلَيْهِ وَصَارَ بعد ذَلِك يعتاده ويتردد إِلَيْهِ ويزوره فَبينا هُوَ ذَات يَوْم مُضْطَجع وَقد تغطى بِثَوْبِهِ وابنا أَخِيه يلعبان بكعبين لَهما إِذْ اخْتَصمَا فِي كَعْب فَقَالَ أَحدهمَا هَذَا كعبي أعطانيه أبي من الْكَبْش الَّذِي دفنوه وَقَالُوا إِذا جَاءَ مرقش أخبرناه أَنه قبر أَسمَاء فكشف مرقش عَن رَأسه ودعا الْغُلَام وَكَانَ قد ضنى ضنى شَدِيدا فَسَأَلَهُ عَن الحَدِيث فَأخْبرهُ بِهِ وبتزوج الْمرَادِي أَسمَاء فَدَعَا مرقش وليدة لَهُ وَلها زوج من عقيل كَانَ عشير المرقش فَأمرهَا بِأَن تَدْعُو لَهُ زَوجهَا فدعته وَكَانَ لَهُ رواحل فَأمره بإحضارها ليطلب المرادى فَأحْضرهُ إِيَّاهَا فركبها وَمضى فِي طلبه فَمَرض فِي الطَّرِيق حَتَّى مَا يحمل إِلَّا معروضا ثمَّ إنَّهُمَا نزلا كهفاً بِأَسْفَل نَجْرَان وَهِي أَرض مُرَاد وَمَعَ الْعقيلِيّ امْرَأَته وليدة مرقش فَسمع مرقش زوج الوليدة يَقُول لَهَا اتركيه فقد هلك سقماً وهلكنا مَعَه ضراً وجوعاً فَجعلت الوليدة تبْكي من ذَلِك فَقَالَ لَهَا زَوجهَا أطيعيني وَإِلَّا فَإِنِّي
تاركك وذاهب قَالَ وَكَانَ مرقش يكْتب كَانَ أَبوهُ دَفعه وأخاه حَرْمَلَة وَكَانَا أحب وَلَده إِلَيْهِ إِلَى نَصْرَانِيّ من أهل الْحيرَة فعلمهما الْخط فَلَمَّا سمع مرقش قَول الْعقيلِيّ للوليدة كتب مرقش على مُؤخر الرحل هَذِه الأبيات
يَا صَاحِبي تلَبّثَا لَا تعجَلَاإنَّ الروَاحَ رَهينْ أَن لَا تفعلا
فلعلَّ لُبْثَكما يفرْط سَيِّئاًأَو يحدث الإسراعُ سيْباً مُثقلًا
يَا رَاكباً إِمَّا وصلتَ فبلغنْأنس بن سعد إِن لقِيت وحرملَا
للهِ دَرُّكما ودرُّ أبيكماإِن أفلتَ العبدان حَتَّى يُقتَلَا
من مبلغُ الأقوام أنَّ مرقَّشاًأضحى على الْأَصْحَاب عبئا مُثقلَا
وكأنما تَردُ السباعُ بشِلْوهِإِذْ غَابَ جمع بني ضبيعة منهلا) // الْكَامِل //
قَالَ فَانْطَلق الْعقيلِيّ وَامْرَأَته حَتَّى رجعا إِلَى أهليهما فَقَالَا مَاتَ المرقش وَنظر حَرْمَلَة إِلَى الرحل وَجعل يقلبه وَقَرَأَ الأبيات فدعاهما وخوفهما وَأَمرهمَا أَن يصدقاه فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَر فَقَتَلَهُمَا وَكَانَ الْعقيلِيّ قد وصف لَهُ الْموضع فَركب فِي طلب المرقش حَتَّى أَتَى الْمَكَان فَسَأَلَ عَن خَبره وَعرف أَن مرقشاً كَانَ فِي الْكَهْف وَلم يزل فِيهِ حَتَّى إِذا هُوَ بِغنم تنزو على الْغَار الَّذِي هُوَ فِيهِ وَأَقْبل
راعيها إِلَيْهَا فَلَمَّا أبْصر بِهِ قَالَ لَهُ من أَنْت وَمَا شَأْنك فَقَالَ لَهُ مرقش أَنا رجل من مُرَاد وَقَالَ لَهُ فراعي من أَنْت قَالَ راعي فلَان فَإِذا هُوَ راعي زوج أَسمَاء فَقَالَ لَهُ مرقش أتستطيع أَن تكلم أَسمَاء امْرَأَة صَاحبك قَالَ لَا وَلَا أدنو مِنْهَا وَلَكِن تَأتِينِي جاريتها كل لَيْلَة فأحلب لَهَا عَنْزًا فتأتيها بلبنها فَقَالَ لَهُ خُذ خَاتمِي هَذَا فَإِذا حلبت فألقه فِي اللَّبن فَإِنَّهَا ستعرفه وَإنَّك مصيبٌ بِهِ خيرا لم يصبهُ رَاع قطّ إِن أَنْت فعلت ذَلِك فَأخذ الرَّاعِي الْخَاتم وَفعل ذَلِك وَلما راحت الْجَارِيَة بالقدح وحلب لَهَا العنز طرح الْخَاتم فِيهِ فَانْطَلَقت الْجَارِيَة بِهِ وَتركته بَين يَديهَا فَلَمَّا سكنت الرغوة أَخَذته فَشَربته وَكَذَلِكَ كَانَت تصنع فقرع الْخَاتم ثنيتها فَأَخَذته واستضاءت بالنَّار فعرفته فَقَالَت لِلْجَارِيَةِ مَا هَذَا الْخَاتم قَالَت مَالِي بِهِ علم فأرسلتها إِلَى مَوْلَاهَا وَهُوَ فِي شرف بِنَجْرَان فَأقبل فَزعًا فَقَالَ لَهَا لم دعوتني فَقَالَت لَهُ ادْع عَبدك راعي غنمك فَدَعَاهُ فَقَالَت سَله أَيْن وجد هَذَا الْخَاتم فَقَالَ وجدته مَعَ رجل فِي كَهْف خبان وَقَالَ لي اطرَحهُ فِي اللَّبن الَّذِي تشربه أَسمَاء فَإنَّك تصيب بِهِ خيرا وَمَا أَخْبرنِي من هُوَ وَلَقَد تركته بآخر رَمق فَقَالَ لَهَا زَوجهَا وَمَا هَذَا الْخَاتم قَالَت خَاتم مرقش فاعجل السَّاعَة فِي طلبه فَركب فرسه وَحملهَا على فرس آخر وسارا حَتَّى طرقاه من ليلتهما فاحتملاه إِلَى أهليهما فَمَاتَ عِنْد أَسمَاء فَدفن فِي أَرض مُرَاد
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع