من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد حيث
وأنشد:
لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
هو من معلقة زهير بن أبي سلمى المشهورة، وأوّلها:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّمبحومانة الدّرّاج فالمتثلّم
ومنها:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائنتحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
ومنها:
فمن مبلغ الأحلاف عنّي رسالةوذبيان هل أقسمتم كلّ مقسم
فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكمليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخرليوم الحساب أو يعجّل فينقم
وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتموما هو عنها بالحديث المرجّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةوتضر إذا ضرّيتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرّحى بشفالهاوتلقح كشافا ثمّ تحمل فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهمكأحمر عاد ثمّ ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلهاقرى بالعراق من قفيز ودرهم
لعمري لنعم الحيّ جرّ عليهمبما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحا على مستكنّةفلا هو أبداها ولم يتجمجم
وقال: سأقضي حاجتي ثمّ أتّقيعدوّي بألف من ورائي ملجم
فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرةلدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّفله لبد أظفاره لم تقلّم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمهسريعا وإلّا يبد بالظّلم يظلم
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولا - لا أبالك - يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وأعلم علم اليوم والأمس قبلهولكنّني عن علم ما في غد عم
ومن لا يصانع عن أمور كثيرةيضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضلهعلى قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحهيهدّم ومن لا يظلم النّاس يظلم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنهولو رام أسباب السّماء بسلّم
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنّهيطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبهإلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم
ومن يغترب يحسب عدوّا صديقهومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم
ومهما تكن عند امرئ من خليقةولو خالها تخفى على النّاس تعلم
ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسهولا يعفها يوما من الدّهر يسأم
دمنة، بكسر الدال، هي: الكناسة، وتقدير الكلام: أمن منازل أم أوفى،
وهي امرأة زهير. وتكلم: أصله تتكلم، حذف منه احدى التاءين وحومان:
بفتح الحاء المهملة، ما كان من فوق الرمل أو دونه حين يصعده أو يهبطه.
والدرّاج: بفتح الدال، وقال أبو عمرو: بضمها، مكان. وقيل: هو ماء لبني فزارة. وكذا المتثلم والعلياء بلد. وجرثم بضم الجيم والمثلثة وسكون الراء بينهما، ماء لبني أسد. قوله: (فمن مبلغ الأحلاف .. البيت) أورده المصنف في: هل.
والأحلاف: قبائل تحالفت. قال ثعلب: هم أسد وغطفان وذبيان قبيلة. وكل مقسم: أي كل الاقسام. والمرجم: المظنون. تقول: ما هو برجم بظهر الغيب، قد جرّبتموها وذقتموها. وذميمة: مذمومة، أي لا يحمدون أمرها. وتضر: أي تعوّد، يقال: ضري يضري ضراوة إذا درب. اذا ضرّيتموها أي عوّدتموها، يعني الحرب. والعراك: الطحن. والثفال: جلد أو كساء يوضع تحت الرحى ليكون الدقيق يقع عليها. والباء للحال، أي عرك الرحى. ولها ثفال: أي طاحنة. قاله ثعلب. و (تلقح كشافا) أي تدارككم الحرب. يقال: لقحت الناقة كشافا
اذا حمل عليها في دمها. (فتتئم) تأتيكم باثنين توأمين، بمنزلة المرأة التي تأتي بتوأمين في بطن. وإنما يفظّع بهذا أمر الحرب. فتنتج لكم: يعني الحرب، غلمان أشأم، أي شؤم كأحمر عاد، أي ثمود، وهو قدار عاقر الناقة. وقوله: عاد غلط. ثم ترضع فتفطم: نريد أنه يتمّ أمر الحرب، لان المرأة اذا أرضعت ثم فطمت فقد تمّمت. وقوله: (فتغلل لكم ... البيت) تهكم واستهزاء. ويقال طوى كشحه على كذا: أي لم يظهره. ومستكنة: أمر أكنّه في نفسه، ولم يتجمجم:
أي لم يدع التقدم على ما أضمر. ولم يفزع بيوت: أي لم يعلم قوم بفعله.
وأم قشعم: هي الحرب، ويقال المنيّة. وقال أبو عبيدة: هي العنكبوت. أي شدّ عليه بمضيعة فقتله. حيث ألقت رحلها: حيث كان شدة الأمر. وشاكي السلاح:
أي سلاحه ذو شوكة. ومقذف: غليط اللحم. واللبد: لشعر المتراكب على زبرة الأسد اذا أسنّ. أظفاره لم تقلم: أي تام السلاح حديده. يريد الجيش، واللفظ على الأسد. وخبط عشواء: معشو لا تقصد، يقال عشا يعشو إذا جاء على غير بصر، وعشي يعشى إذا أصابه العشا. وقوله: (وأعلم .. البيت) استدل به على انحصار الازمنة في الحال والماضي والمستقبل. والمنسم للبعير بمنزلة الظفر
للانسان. وقوله: (ويذمم) استشهد به على فك المضارع المجزوم. ويفره: يصبه وافرا. ومن لا يذد أي لا يدفع. قوله: (ومن يعص أطراف الزجاج) يعني من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير. (وكل لهذم) على حذف في، أي: في كل لهذم.
واللهذم: السنان الماضي. وقوله: (ومهما يكنالبيت) والخليقة: الطبيعة
ومن لا يزل يستحمل الناس أي يثقل على الناس يسأمونه.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن ابن عباس انه سأل الحطيئة من أشعر الناس فقال: يا ابن عم رسول الله، الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
ولكن الرضاعة أفسدته كما أفسدت جرول. يعني نفسه.
وأنشد:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهمببيض المواضي حيث ليّ العمائم
قال العيني: قيل أنه للفرزدق من قصيدته التي أولها:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي
قال: ولم أجده فيها من ديوانه. والقصيدة المذكورة تقدمت في شواهد أن المفتوحة الخفيفة. ويقال: طعنه بالرمح يطعنه، بضم العين في المضارع، وكذا كل ما هو حسي. وأما المعنوي: كيطعن في النسب فبفتح العين. والحبا، بضم المهملة، وقيل بكسرها، وقيل بالوجهين وتخفيف الموحدة والقصر، وجمع حبوة. وأراد به أوساطهم بعد ضربهم بالسيوف الماضية في رؤسهم. وبيض: بكسر أوله، جمع أبيض وهو السيف. والمواضي: الحادّة. والاضافة فيه من باب إضافة الموصوف إلى
الصفة. قال العيني: وفي قوله: (حيث ليّ العمائم) إضافة (حيث) إلى المفرد، فيكون معربا، ومحل حيث نصب على الحال. قلت: بل على الظرف لضرب، فإنها ظرف مكان، كما أن تحت، ظرف مكان لنطعنهم.
وأنشد:
إذا ريدة من حيث ما نفحت لهأتاه بريّاها خليل يواصله
قاله أبو حية النميري، بالياء التحتية، واسمه المشمر بن الربيع بن زرارة، شاعر مجيد أدرك الدولة الأموية والعباسية. الريدة: بفتح الراء وسكون التحتية وفتح الدال المهملة، ريح لينة الهبوب. ويقال أيضا: رادة. ونفحت: هبت.
ويقال: نفح الطيب إذا فاح. وريّا: بفتح الراء وتشديد التحتية، الرائحة.
وريدة: مرفوع بنفحت مضمر، يفسره الظاهر، لأن (إذا) لا يليها إلا الأفعال. وحيث مقطوعة عن الاضافة إذ المضاف إليه لا يعمل في قبل المضاف، فلا يفسر عاملا فيه.
وأتاه جواب إذا.
وأنشد:
أما ترى حيث سهيل طالعا
لم يسم قائله، وتمامه:
نجما يضيء كالشّهاب لامعا
ترى: بصرية. وطالعا: مفعولها. وحيث: ظرف، وهو مضاف إلى المفرد ندورا.
وقيل: الى جملة تقديرا على أن سهيلا مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي مستقرا وظاهرا في حال طلوعه. قال العيني: وعلى الاول تكون حيث معربة إذا لم تضف الى جملة، فهي منصوبة على الظرفية أو المفعولية إن كانت ترى قلبية، أو بصرية. وطالعا:
حال. وقيل: إنها مبنية وإن أضيفت الى المفرد كما في لدن.
وأنشد:
حيثما تستقم يقدّر لك اللهنجاحا في غابر الأزمان
لم يسم قائله. والنجاح: الفوز. والغابر: بغين معجمة وموحدة وراء، الزمن الباقي. ويطلق على الماضي أيضا، من الاضداد. وفي البيت جزم حيثما فعلين.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع