تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

شواهد حتى

وأنشد:

أتت حتّاك تقصد كلّ فجّترجّى منك أنها لا تخيب

الفج: الطريق الواسع بين جبلين، أو الواسع مطلقا. وفي البيت شاهدان على خبر حتى المضمر، وعلى مجيء اسم ان المخففة ضميرا مذكورا لا محذوفا.

وأنشد:

عيّنت ليلة فما زلت حتّىنصفها راجيا فعدت يؤوسا

قبله:

إنّ سلمى من بعد يأسي همّتبوصال لو صحّ لم يبق بؤسا

البؤس: بضم الموحدة، الشدة. وضمير عينت راجع إلى سلمى. وليلة مفعول به لا ظرف. وقوله: حتى نصفها، استدل به ابن مالك على أنه لا يشترط في مجرور حتى كونه آخر الجزء. ويؤوسا: حال من ضمير، فعدت من اليأس، وهو القنوط، خلاف الرجاء.

وأنشد:

ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحلهوالزّاد حتّى نعله ألقاها

قال شارح أبيات الجمل: هذا للملتمس، جرير بن عبد المسيح الضبعي. قال:

وصحيفة المتلمس وصفتها معروفة وبعد هذا البيت:

ومضى يظنّ بريد عمرو خلفهخوفا، وفارق أرضه وقلاها

والبريد: الرسول. وعمرو: هو ابن هند اللخمي ملك الحيرة. وقلاها:

أبغضها. وقال المصنف: هذا البيت ينسب للمتلمس ولأبى مروان النحوي. قال في قصة المتلمس نقله الفارسي عن أبي الحسن عن عيسى بن عمرو: كان المتلمس وطرفة بن العبد هجوا عمرو بن هند، فبلغه ذلك، فلم يظهر لهما شيأ، ثم مدحاه فكتب لكل منهما كتابا الى عامله بالحيرة، وأوهم أنه كتب لهما فيه بصلة. فلما وصلا الحيرة، قال المتلمس لطرفة: إنا هجوناه، ولعله اطلع على ذلك، ولو أراد أن يصلنا لأعطانا؟ فهلمّ ندفع الكتابين الى من يقرؤهما، فإن كان خيرا والا ندرنا. فامتنع طرفة، ونظر المتلمس إلى غلام قد خرج من المكتب فقال: أتحسن القراءة؟ قال: نعم.

فأعطاه الكتاب ففتحه، فإذا فيه قتله. ففرّ المتلمس الى الشام وهجا عمروا هجاء قذعا. وأتى طرفة الى عامل الحيرة بالكتاب فقتله. ويروى الصحيفة الخشبية، وهو ما يركب عليه الراكب. والحقيبة: وهو الخرج يحمل فيه الرجل متاعه. والرحل للناقة كالسرج للفرس، والبردعة للحمار. ويروى: نعله بالرفع والنصب والجر.

فالرفع على الابتداء، وألقاها الخبر، وحتى حرف ابتداء. والجر على انها حرف جر.

والنصب على الاشتغال، فحتى ابتدائية أو العطف على فهي عاطفة، وضمير ألقاها على الرفع للنعل. وعلى النصب والجر، أما للنعل أو للصحيفة. وألقاها على الثاني توكيدا لألقى في أوّل البيت.

وأنشد:

سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيتلهم فلا زال عنها الخير مجدودا

الحيا: بالقصر، المطر. وعزيت: بالبناء للمفعول، نسبت. قال الدمامينيّ:

ومجدودا: بجيم ودالين مهملتين أو معجمتين، مقطوعا. قال: ولا أعلم الرواية في

البيت، هل بالاهمال أو بالاعجام؟ قال: وقرينة الدعاء عليه عليها يقتضي عدم دخولها في الأرض المدعوّ لها بالسقيا.

وأنشد:

ليس العطاء من الفضول سماحةحتّى تجود وما لديك قليل
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «نزل المشيب فأين تذهب بعده»

هذا آخر ثلاثة أبيات للمقنّع الكندي، واسمه محمد بن صفر بن عمير بن أبي شمر بن فرغان بن قيس بن الأسود بن عبد الله بن الحارث، وقبله:

ذهب الشّباب فأين تذهب بعدهنزل المشيب وحان منك رحيل
كان الشّباب خفيفة أيّامهوالشّيب محمله عليك ثقيل
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «نزل المشيب فأين تذهب بعده»

الفضول: جمع فضل، وهو الزيادة في المال وما لا يحتاج إليه منه، والسماحة.

قوله: وما لديك قليل، قال التبريزي: يجوز كون (ما) موصولة، وكونها نافية، والمعنى على النفي: حتى تجود بكل شيء لك فلا يبقى قليلك أيضا. قال في الاغاني:

كان المقنع أجمل الناس وجها، وكان اذا أسفر اللثام عن وجهه أصابته العين فمرض فكان لا يمشي الا متقنعا فلذا قيل له المقنع.

وهو شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية، وكان له محل كبير وشرف وسؤدد في كنده.

وأنشد:

والله لا يذهب شيخي باطلا

حتّى أبير مالكا وكاهلا

هذا صدر أبيات قالها امرؤ القيس بن حجر حين بلغه ان بني أسد قتلت أباه، وبعده:

القاتلين الملك الحلاحلاخير معدّ حسبا ونائلا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تالله لا يذهب شيخي باطلا»
وخيرهم قد علموا فواضلايا لهف هند إذ خطئن كاهلا
نحن جلبنا القرّح القوافلايحملننا والأسل النّواهلا
مستفرمات بالحصى جوافلاتستثفر الأواخر الأوائلا

قوله: شيخي: يعني أباه. وأبير: أهلك. ومالك وكاهل: قبيلتان. والحلاحل:

السيد. وحسبا: شرفا. ونائلا: عطاء. وهند: أخت امرئ القيس.

والقرّح: الخيل المسنة. والقوافل: الضامرة. والأسل: الرماح. والنواهل:

العطاش. ومستفرمات: تضرب فروجها بالحصى من شدّة المسير وسرعته. وجوافل:

سريعة: وتستثفر: تضرب بالحصى أثفارها.

وأنشد:

قهرناكم حتّى الكماة، فأنتمتهابوننا حتّى بنينا الأصاغرا

الكماة: جمع كمي، وهو الشجاع. قال الجوهري: كأنهم جمعوا كاميا، مثل قاض وقضاة، وهو غاية لما قبله في القوّة. والأصاغر: غاية لما قبله في الضعف.

وأنشد:

سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهموحتّى الجياد ما يقدن بأرسان

هذا من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، وأوّلها:

قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
أتت حجج بعدي عليها فأصبحتكخطّ زبور في مصاحف رهبان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
ذكرت بها الحيّ الجميع فهيّجتعقابيل سقم من ضمير وأشجان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
فسحّت دموعي في الرّداء كأنّهاكلى من شعيب ذات سحّ وتهتان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شيء سواه بخزّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
فإمّا تريني في رحالة جابرعلى حرج كالقرّ تخفق أكفاني
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
فيا ربّ مكروب كررت وراءهوعان فككت الحبل عنه ففدّاني
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
وفتيان صدق قد بعثت بسحرةفقاموا جميعا بين عاث وسكران
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
وخرق بعيد قد قطعت نياطهعلى ذات لوث سهلة الشّدّ مذعان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
وغيث كألوان ألفنا قد هبطتهتعاور فيه كلّ أوطف حنّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
على هيكل يعطيك قبل سؤالهأفانين جري غير كزّ ولا وان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
كتيس الظّباء الأعفر انضرجت لهعقاب تدلّت من شماريخ ثهلان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
وخرق كجوف العير قفر مضلّةقطعت بسام ساهم الوجه حسّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
يدافع أعطاف المطايا بركنهكما مال غصن ناعم بين أغصان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
ومجر كغلّان الأنيعم بالغديار العدوّ ذي زهاء وأركان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
مطوت بهم حتّى تكلّ غزاتهموحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
وحتّى ترى الجون الّذي كان بادناعليه عواف من نسور وعقبان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»
ثياب بني عوف طهارى نقيّةوأوجههم عند الشّدائد غرّان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إِن قوماً كنتم أمس دونهم»
هم بلغوا الحيّ المضلل أهلهموساروا بهم بين العراق ونجران
فلقد أصبحوا والله أصفاهم بهأبرّ لأيمان وأوفى لجيران

قوله: قفا، خطاب لاثنين، والمراد واحد، ومن عادتهم أنهم يخاطب الواحد بصيغة الاثنين، كما في قوله تعالى (أَلْقِيا

فِي جَهَنَّمَ)

ويراد به التكرير كأنه قال: قف قف، وألق آلق. ويقال: الألف فيه ليست للتثنية، وإنما هي مبدلة من نون التوكيد، وأصله قفن. وعرفان: أي معرفة. ورسم: أثر. وعفت: درس. وآياته: علاماته.

وحجج: سنون. وزبور: كتاب. والجميع: المجتمع. وعقابيل: بقايا، ولا واحد لها من لفظها. واشجان: أحزان. وسحت: جرت. وشعيب: بوزن عظيم، الرواية. وسح: صب. وتهتان: سيلان. وجابر: رجل. وحرج: نعش.

والقرّ: مركب للنساء. وتخفق: تضطرب. وكررت: رجعت. وعان: أسير.

وفككت: نزعت. والكبل: القيد. وفداني: دعا لي بالفداء. وبسحرة: السحر الاعلا. وعاث: مفسد: ونياطه: وسطه. ولوث: قوة. ومذعان: مطاوعة.

والفنا: عنب الثعلب. وتعاور: تداول. وأوطف: سحاب قريب. وحنّان: يصوت بالرعد. وهيكل: فرس ضخم. وأفانين: أنواع. وكز: منقبض. وان: فاتر والأعفر: الاحمر. وانضرجت، بالجيم: انقضت. وشماريخ: أعالي. وثهلان:

جبل. وسام: فرس مشرف. وساهم: متغير الوجه. وحسان: بضم الحاء، حسن الخلق. واعطاف: نواحي. والمطايا: الأبل. وبركنه: جانبه. ومجر: عسكر.

وغلّان: نبات. والأنيعم: واد. وزها: مقدار كثير. وأركان: جوانب.

ومطوت: مددت في السير. والجون: الفرس الأشهب. وبادنا: سمينا.

وقوله: (ثياب بني عوف .. الابيات الثلاثة) سقطت من رواية الاصمعي وذكرها ابن ميمون في منتهى الطلب. وقوله: مطوت بهم ... البيت. يروى:

سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم

كما رواه المصنف، أي حملتهم على سير الليل. فالباء في (بهم) للتعدية. أي أسريتهم وأمطيتهم. والمعنى: حملتهم على السرى وعلى المطو، وهو مدّ السير وأبعاد السفر. والغزاة: جمع غاز. وحتى هنا حرف غاية يقع بعدها

الجمل المستأنفة، لا عاطفة لمصاحبتها لواو العطف، ولا جارة لرفع الجياد بعدها. وهو مبتدأ خبره جملة ما يقدن. وزعم الجرمي: أنها في البيت عاطفة، وان أقرنت بالواو كما يقترن لكن بالواو، وهي عاطفة. وتكل بفتح أوّله وكسر الكاف تتعب وتعيى. والأرسان:

جمع رسن، وهو الحبل. وبأرسان متعلق بيقدن. ويجوز كون الباء للحال متعلق

بمحذوف تقديره مستعملات. والمعنى: انها تساق معطلات دون حبال لبعد الغزو وافراط الكلال. وقد أورده المصنف مطلع القصيدة في منذ بلفظ:

وربع عفت آثاره منذ أزمان

شاهدا على جر (منذ) للماضي.

وأنشد:

جود يمناك فاض في الخلق حتّىبائس دان بالإساءة دينا

البائس: الذي أصابه بؤس، أي شدّة. ودان بالاساءة: تعبد بها، بمعنى أنه اتخذها طريقا وتجارة، يلزمها كالدين الذي يتعبد به الانسان والمعنى: ان جوده عمّ من أساء ومن لم يسئ.

وأنشد:

فما زالت القتلى تمجّ دماءهابدجلة حتّى ماء دجلة أشكل

هذا من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل، أوّلها:

أجدّك لا يصحو الفؤاد المعلّلوقد لاح من شيب عذار ومسحل
للشاعر جرير، من قصيدة «أجدك لا يصحو الفؤاد المعلل»
ألا ليت أنّ الظّاعنين بذي الغضاأقاموا وبعض الآخرين تحمّلوا
للشاعر جرير، من قصيدة «أجدك لا يصحو الفؤاد المعلل»
فيوما يجاريني الهوى غير ما صباويوما نرى منهنّ غولا تغوّلوا

وبعد هذا البيت:

فإلّا تعلّق من قريش بذمّةفليس على أسياف قيس نعوّل
للشاعر جرير، من قصيدة «أجدك لا يصحو الفؤاد المعلل»
لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغمونحن لكم يوم القيامة أفضل
للشاعر جرير، من قصيدة «أجدك لا يصحو الفؤاد المعلل»

أجدّك: يقول: أحقا منك هذا. ويروى: الفؤاد المعذل: أي الملوم.

والعذاران: العارضان. والمسحل: ما تحت الذقن. وغير ما صبا: أي من غير صبا إليّ. والتغوّل: التلوّن. وتمج: تقذف. ورأيت في ديوان جرير بدله: تمور دماؤها، أي تجري. والباء في (بدجلة) ظرفية، وهو نهر العراق. وفي الدال الفتح والكسر. والأشكل الذي يخالطه حمرة. والبيت استشهد به المصنف على دخول حتى على الجملة الابتدائية وأعاده. وأورد البيت الاخير في اللام مستشهدا به على ورود اللام بمعنى (من) وقوله: فإلّا تعلق ... البيت، يقول: ان لم تتعلق بجوارهم حتى تأمن فليس لك عندهم جوار ولا بقيا.

وأنشد:

فواعجبا حتّى كليب تسبّني

تقدم شرحه في شواهد الخطبة.

وأنشد:

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

هذا من قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أوّلها:

أسألت رسم الدّار أم لم تسألبين الجوابي فالبضيع فحومل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
لله درّ عصابة نادمتهميوما بجلّق في الزّمان الأوّل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يسقون من ورد البريص عليهمبردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
إنّ الّتي ناولتني فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
نسبي أصيل في الكرام ومذوديتكوي مواسمه جنوب المصطلي
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

أخرج ابن عساكر عن هشام بن الكلبي قال: قال حسان بن ثابت: خرجت أريد عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما كنت في بعض الطريق وقفت على السعلاة صاحبة النابغة، وأخت المعلاة صاحبة علقمة بن عبدة واني مقترحة عليك بيتا، فإن أنت أجزته شفعت لك إلى أختى، وان لم تجزه قتلتك. فقتلت: هات.

فقالت:

إذا ما ترعرع فينا الغلامفما أن يقال له من هوه
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ترعرع فينا الغلام»

قال: فتبعتها من ساعتي، فقلت:

فإن لم يسد قبل شدّ الإزارفذلك فينا الّذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشّيصبانفحينا أقول وحينا هوه

فقالت: أولى لك، نجوت، فاسمع مقالتي واحفظها عليك بمدارسة الشعر، فإنه أشرف الآداب وأكرمها وأنورها، به يسخو الرجل، وبه يتظرف، وبه يجالس الملوك، وبه يخدم، وبتركه يتضع. ثم قالت: إنّك إذا وردت على الملك وجدت عنده النابغة، وسأصرف عنك معرّته، وعلقمة بن عبدة، وسأكلم المعلاة حتى تردّ عنك سورته. قال حسان: فقدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص عليّ الوصول إليه فقلت للحاجب، بعد مدة: إن أنت أذنت لي عليه، والا هجوت اليمن كلها. ثم

انتقلت عنها. فأذن لي عليه، فلما وقفت بين يديه وجدت النابغة جالسا عن يمينه، وعلقمة جالسا عن يساره، فقال

لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصك ونسبك في غسان، فارجع فإني باعث إليك بصلة سنية، ولا أحتاج الى الشعر، فإني أخاف عليك هذين السبعين أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي، وأنت اليوم لا تحسن أن تقول:

رقاق النّعال طيّب حجزاتهميحيّون بالرّيحان يوم السّباسب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

فقلت: لا بد منه. فقال: ذاك إلى عميك، فقلت: أسألكما بحق الملك، الجواب:

ألا ما قدمتماني عليكما؟ فقالا: قد فعلنا. فقال: هات، فأنشأت أقول والقلب وجل:

أسألت رسم الدّار أم لم تسألبين الجوابي فالبضيع فحومل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

حتى أتيت على آخرها. فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل عن مجلسه سرورا حتى شاطر البيت، وهو يقول: هذه والله البتارة التي قد بترت المدائح، هذا وأبيك الشعر، لا ما تعلّلاني به منذ اليوم. يا غلام، ألف دينار مرجوحة فأعطيت ألف دينار، في كل دينار عشرة دنانير. ثم قال: لك عليّ مثلها في كل سنة، (ثم أقبل على النابغة فقال): قم يا زياد بني زبيان فهات الثناء المسجوع، فقام النابغة فقال:

ألا أنعم صباحا أيّها الملك المبارك، السّماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالداي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم حماؤك، والحكماء وزراؤك، والعلماء جلساؤك، والمقاول سمّارك، والعقل شعارك، والحلم دثارك، والصّدق رداؤك، واليمن حذاؤك، والبرّ فراشك، وأشرف الآباء آباؤك، وأطهر الأمّهات أمّهاتك، وأفخر الشّبّان

أبناؤك، وأعفّ النّساء حلائلك، وأعلى البنيّات بنيّاتك، وأكرم الأجداد أجدادك، وأفضل الأخوال أخوالك، وأنزه الحدائق حدائقك، وأعذب المياه مياهك، وحالف الإضريج عاتقك، ولاءم المسك مسكك، وجاور العنبر ترائبك، العسجد قواريرك، واللّجين صحافك، والشّهد إدامك، والخرطوم شرابك، والأبكار مستراحك، والعبير بنواسك، والخير بفنائك، والشرّ في ساحة أعدائك، والذّهب عطاؤك، وألف دينار مرجوحة إيماؤك، وألف دينار مرهوجة إيتاؤك، والنّصر منوط بلوائك، زين قولك فعلك، وطحطح عدوّك غضبك، وهزم مقانبهم مشهدك، وسار في النّاس عدلك، وسكّن تباريح البلاد

ظفرك أيفاخرك ابن المنذر اللخميّ؟ فو الله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمّك خير من أبيه، ولخدمك خير من علية قومه. فهب لي أسارى قومي، واسترهن بذلك شكري، فإنك من أشراف قحطان وأنا من سروات عدنان.

فرفع عمرو بن الحارث رأسه الى جارية كانت على رأسه قائمة، فقال: مثل ابن الفريعة فليمدح الملوك، ومثل ابن زياد فليثن على الملوك.

وأخرج ابن عساكر عن الأصمعي: أنه سأل ما أراد حسان بقوله:

أولاد جفنة عند قبر أبيهم

ما في هذا ما يمدحهم به؟ قال: أراد أنهم ملوك حلول في موضع واحد، وهم أهل مدر، وليسوا بأهل عمد ينتقلون. وقال غيره معناه: أنهم آمنون لا يبرحون ولا يخافون كما تخاف العرب، وهم مخصبون لا ينتجعون، ومارية أمهم. والفضيل:

الذي يفضل ما ملك. وقوله: (يغشون) يعني أن منازلهم لا تخلو من الأضياف والطراق والعفاة، فكلابهم لا تهرّ

على من يقصد منازلهم، كما قال حاتم الطائي

فإنّ كلابي قد أقرّت وعوّدتقليل على من يعتريني هريرها

وقوله:

لا يسألون عن السّواد المقبل

أي هم في سعة لا يبالون كم نزل بهم من الناس، ولا يهولهم الجمع الكثير، وهو السواد إذا قصدوا نحوهم. والبريص: موضع بدمشق. وبردى: نهر بدمشق. ويروى بردا: أي ثلجا. ويصفق: يمزج. والرحيق: الخمر البيضاء.

والسلسل: السهلة في الحلق. وهذا البيت استشهد به النحاة. وشم الأنوف: يعني أصحاب كبر وتيه والأشم المرتفع، وإنما خص الأنف بذلك لأن الأنفة والحمية والغضب فيه. وقوله: من الطراز الأول: يعني أنهم الأشراف المتقدمين الذين لا يشبه خلائقهم وأفعالهم هذه الافعال المحدثة. وقوله: قتلت أي صب فيها الماء فمزجت فهاتها صرفا غير ممزوجة. وقوله: كلتاهما حلب العصير، يعني الخمر والماء. وأرخاهما للمفصل: يعني الصرف. والمفصل: بكسر الميم، اللسان. والمفصل: واحد المفاصل.

ومذودي: لساني. يقول: من اصطلى بناري، أي من تعرّض لي وسمت جنبه بلساني، أي بهجائي. قال اليزيدي: قصيدة حسان هذه من المختارات.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.